|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
- نبيل شبيب -
بيني وبين الفنون ما يشبه الأزمة النفسانية.. ولها وجوه عديدة، لن أتحدَّث عن أحدها ممّا يمس ندرة ما أتقن من الفنون، أو بشيء من الصراحة حرماني من موهبة فنية، ولكن أتحـدّث عن محاولة قديمة للكتابة عن الفن والفنون من منطلق إسلامي، ثم إحجامي عن ذلك، ثم ما أجده من صعوبة في معاودة المحاولة، لأسباب نفسانية محضة.. وللقصة بداية ونهاية أبدأ هذه الخواطر بنهايتها.. أو ببعض ما جدّد الإحساس بهذه الأزمة في الآونة الأخيرة!.
من ذلك ما كان نتيجة ما يسمّى فنونًا، وقد أطلق عقالها في شهر رمضان المبارك مؤخرًا، فكانت كالشاهد على تشغيل الشياطين قبل تصفيدها، ليلوّث إنتاجها من بعد وعبر الفضاء أجواء شهر الفضيلة والمغفرة.. ومن ذلك ما مضت عليه أسابيع معدودة.. عندما ذكر فضيلة الشيخ العلامة يوسف القرضاوي -حفظه الله وجزاه خيرًا-، أنّه لا يرى مانعًا من تمثيل النساء بشروط، فلم تتضمّن الحملة التالية ضده سؤالاً عن تلك الشروط التي يعنيها قدر ما تضمّنت تكرارًا لتجديد عبارات الحظر والمنع بدليل.. ودون دليل، وباجتهاد مقبول.. ودون اجتهاد مقبول، حتى ليخيَّل إليَّ أن بعض وسائل الإعلام الإسلامية قد انتابها الخوف من متابعة الخوض في هذه القضية، فمجرَّد الخوض فيها محظور.. بغضِّ النظر عن الرأي المطروح والردّ عليه..
ومن ذلك ما أطَّلع عليه بين الحين والحين حول مشاريع أراد الفنان القدير حسن يوسف الإقدام عليها بمنطلقات إسلامية أصبح يعيش لها، ولكن مال في خاتمة المطاف إلى أفلام "الكارتون"؛ إذ لم يجد كادرًا فنيًا في عالم التمثيل، يملك إلى جانب الالتزام الإسلامي مؤهِّلات عالية ومواهب فنية، لضبط الإنتاج من جهة وتحقيق مستوى رفيع منه من جهة أخرى.. ومن ذلك ما لا ينقطع من قصص وتعليقات عن موجة الفنانات التائبات.. وقد تحوّل معظمهن إلى مهمة الموعظة الحسنة، بعيدًا عن المجال الذي تخصصن فيه.. وكان إنتاجهن القديم فيه بعد عن الشروط والظروف والغايات الإسلامية.. ومن ذلك ما أعرفه من مشكلة بعض الفضائيات كفضائية "اقرأ" أو "الشارقة" مع توفير إنتاج فنيِّ الإخراج إسلاميِّ الرسالة والهدف.. ومن ذلك بعض ما أطَّلع عليه في "ثقافة وفن" في هذا الموقع الشبكي.. أمّا بداية قصة الأزمة النفسانية فكانت قبل بضعة عشر عامًا، وهي بإيجاز شديد عبارة عن مقالين بعنوان "أفلام إسلامية" و"الإسكندرية ليه" نشرتهما في مجلة إسلامية كنت أدير تحريرها، وحذرت في الأول من مسلسلات أصبحت توصف بالإسلامية، مستشهدًا بأحدها بعنوان "جوهرة القصر"؛ إذ كان يمجّد شـخصية عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه وأرضاه-، ويشوّه بالمقابل التاريخ الإسلامي في تلك الفترة من خلال إحاطة هالة التقديس والتمجيد للخليفة الراشد الخامس، بأجواء فاسـدة من المؤامرات والفتن والخداع والشهوات، لم يبق من رجالات الإسلام ونسائه في تلك الفترة أحد إلا ونال نصيبه منه في المسلسل المصوَّر.. ويتحدّث المقال الثاني عن فيلم بعنوان "الإسكندرية ليه" اختير آنذاك في قناة تليفزيونية ألمانية للعرض مدبلجًا من العربية -وهو أمر نادر الوقوع- فرأيت أن السبب هو محتوى الفيلم الذي كان يمهّد من قبل مسيرة كامب ديفيد للتعايش مع غاصبي الأرض المغتصبة!.. إلى تلك اللحظة لم تكن لديَّ مشكلة نفسانية ولا غير نفسانية في أن أكتب في مثل هذه الموضوعات، وأن أقول فيما أقول: إن الحركة الإسلامية ارتكبت في فترة من فترات تاريخها الحديث خطأ كبيرًا بأن تركت بعض المجالات، مثل مشاركة المرأة في مزاولة مهنة التعليم أو التطبيب، أو مثل عالم الفنون بمختلف صنوفها، وما شابه ذلك ممّا أفسده المفسدون.. تركت تلك المجالات ليتابعوا إفسادهم فيها دون عراقيل، فقد مارس الإسلاميون حملة مضادة اعتمدت أسلوب الحظر والمقاطعة.. فلا ينبغي الاقتراب من تلك الميادين، ولا ينبغي حتى الكتابة فيها، ولا ينبغي التجاوب مع إنتاجها، وربما لم يتقيَّد الجميع بذلك، ولكنهم لم يوجدوا البديل المناسب أيضًا، وكانت نتيجة محاولة الحظر المتعنِّت أن نشأ جيل جديد من المسلمين وليس بين يديه من الإنتاج الفني إلا ما نعرف.. وما نتألّم له من مثل ما كان منه في رمضان المبارك هذا العام، أو جلّ ما كان فيه تحت عنوان الترفيه الفني!..
آنذاك.. وصلتني من أخ مسلم مقيم في فرنسا أقدِّره وأعزّه احتجاجات مرفقة بشكوى شديدة اللهجة، تطالب بعزل مدير التحرير من هذا الموقع -وكان عملاً طوعيًا فحسب- بحجة أنه يشغل صفحات مجلة إسلامية بقضايا لا ناقة للمسلمين فيها ولا جمل، ولا ينبغي الخوض فيها وشغل القارئ بالحديث عنها. ولم أجد فائدة في محاولة الحوار معه يومذاك، ولكن لا أنكر أنّني أصبحت أجد في النفس ترددًا كلما أمسكت القلم وحاولت الكتابة في مثل هذه الموضوعات.. واستمرّ ذلك رغم أننّي زرت الأخ الناقد بعد خمسة أعوام، فوجدت أولاده وقد أصبحوا في حدود العاشرة من العمر، تجمّعوا أمام الشاشة الصغيرة وجهاز "فيديو" يعرض عليهم بعض تلك المسلسلات التي تحمل اسم "إسلامية"، وتفسد ذاكرتنا التاريخية وراء قناع تمجيد شخصية من الشخصيات.. واعتذر بأنه للأسف لا يجد "البديل" وما يراه أولاده أقل ضررًا من سواه!..أودّ لو أجد من يأخذ بيدي، أو يأخذ بقلمي.. فيعالج أزمته مع نفسه، فرغم مرور السنين، أو ربما بسبب ما عايشته عبر تلك السنين.. ازددت اقتناعا بأنّ علينا التمرد على ذاك المحظور تعنّتًا، فترك بعض الميادين المشابهة هذا اليوم، كالشبكة العالمية تحت تأثير دعوات متعنتة لحظرها على الجيل الناشئ بحجة ما فيها من فساد وإفساد يمكن أن تظهر نتائجه السلبية أسرع بكثير مما كان في دعوات حظر مشابهة في ميادين فنية قبل جيل أو جيلين، وظهرت نتائجه في هذه الأثناء فيما نشهد اليوم من تناقض صارخ بين صحوة إيجابية على صعيد الأذواق .. واستمرارية شاذة على فرض صانعي القرار في أجهزة الترفيه كل قديم مستهجن من العقود الماضية مع إصرار غريب على إعادة بثه، في الفضائيات مثلاً، مرة بعد مرة، فلا يكفي أنه كان ممقوتًا، حتى أصبح ممجوجًا أيضا.. وهذا علاوة على كل جديد محتوى وإخراجًا، ولكن دون أن يكون جديدًا في نهجه. أسلوب لا منطق فيه ولا إبداعًا فنيًّا، وقد اعتمد منذ عشرات السنين على تقليد كل تقليعة فنية تظهر في سوق فنون غربية، شاذة أو غير شاذة، مناسبة أو غير مناسبة، ناجحة أو غير ناجحة.. ناهيك عن أن تؤدي رسالة فنية، بمعنى أن تعالج مشكلة حية من المشكلات اليومية التي تعيش في مجتمعاتنا، والمختلفة قطعًا عما تعيشه المجتمعات الغربية، وينعكس في إنتاجها الفني وسواه.. فكأنه لا يوجد حاليًا -إلا القليل النادر- في دنيا الإنتاج الفني من يجمع بين الموهبـة والقدرة والذوق وتحسس واقع الجمهور في وقت واحد، ليستحق وصف الإبداع لفني الجديد ذلك الوصف، وليأخذ مكانه في إطار ما نحتاج إليه على أكثر من صعيد في حملة رسالة النهضة ببلادنا وأوضاعنا كما ينبغي. ازددت اقتناعا بضرورة التمرّد على أنفسنا.. وضرورة اقتحام المحظور تعنّتا، مسلّحين بسلاح الالتزام بعدم الخوض في المحظور شرعًا.. ولكن ألا نحتاج إلى من يتناول بالبحث والرأي الخطَّ الفاصل بين هذا وذاك، كيلا تختلـط الأمور، فمن يصـنع ذلك إذا كانت الأقلام تعاني من أزمات نفسانية وغير نفسانية، فتخشى الخوض فيما لا ينبغي التردّد عن الخوض فيه؟... لست أدري وأتمنى لو قرأت الجواب بأقلام من يدرون ويعلمون!..
انظر في نفس الباب: الإسلاميون والقوميون.. جلباب الثقافة الواحدة!
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||