|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
البوسنة
بعد الحرب.. هموم وبطالة وانكماش مساعدات سراييفو-حمدي
شفيق عندما
تهبط بك الطائرة في مطار سراييفو هذه
الأيام فسوف يتبادر إلى ذهنك أن الأحوال
قد تبدلت بعد خمس سنوات فقط من توقف الحرب
الإجرامية التي شنها الصرب والكروات ضد
المسلمين. ولكن من الأفضل أن يتريث المرء
كثيرا قبل أن يطلق لخياله العنان ويتوهم
أن البوسنة والهرسك تجاوزت أهوال تلك
السنوات العجاف؛ فما تراه العينان ليس
أكثر من طلاء زائف لواجهة منزل يعاني
أهله ويلات مشاكل طاحنة. فالواقع أن نزيف
الدماء توقف إلى حين، لكن الجراح الغائرة
لم تتماثل بعد للشفاء. لقد
صار للبوسنيين مطار دولي صغير تستخدمه
طائرات قوات حفظ السلام الدولية مع
طائرتين صغيرتين هما كل ما تملكه الخطوط
الجوية البوسنية، فضلا عن رحلات منتظمة
لعدد محدود من الخطوط الدولية للبلاد
المجاورة والقريبة من البوسنة والهرسك،
ويتم بناء صالتين صغيرتين: إحداهما
للوصول والأخرى للسفر، ومهما كان الأمر
فالوضع أفضل بكثير من أيام الحرب عندما
كانت البوسنة والهرسك محاصرة من جميع
الجهات، ولم يكن مطار سراييفو في ذلك
الوقت إلا أطلالا تنعي من بناها، وبالكاد
كانت طائرات الأمم المتحدة تستخدم ممر
الهبوط والإقلاع اليتيم بلا أية تجهيزات
أخرى من تلك المتعارف عليها. وما
إن تخرج من المطار حتى تجد عددًا من
سيارات التاكسي، وكانت نادرة أيام
الحرب، كما تلاحظ أن أثار الخراب والدمار
ما زالت تعلو عشرات المنازل القريبة
من منطقة المطار، وإن كان القوم قد
أعادوا رصف الشوارع الرئيسية وأقاموا
الكثير من المنشآت العامة عوضا عن تلك
التي محتها قنابل الصرب من الوجود، كما
أعيد بناء عشرات من المدارس والمساجد أو
ترميمها؛ وهذا كله دليل على تحسن ملحوظ
في أحوال العاصمة وباقي المناطق، ولكن
عندما تدخل بيوت عامة المواطنين فسوف
تطالعك حقائق أخرى لا سبيل إلى تجاهلها؛
مثل: البطالة التي تطحن الكثير من مسلمي
البوسنة، فهي تأتي على رأس المشاكل التي
تحتاج أعواما من العمل الشاق، وكثيرا من
الإمكانيات المفتقدة حاليا لتخفيف حدتها. فمعظم
المصانع تم تدميرها خلال الحرب وهذه كانت
تستوعب عشرات الألوف من العمال، وما لم
تدمره الحرب من آلات الصناعة الثقيلة
قاموا بسرقته وتفكيكه ونقله إلى المناطق
الصربية، ومن أشد الأمور إيلاما للنفس أن
ترى شبابًا في عمر الزهور أبلوا بلاء
حسنًا في الحرب الإجرامية التي فرضت على
المسلمين وهم يجلسون في باحات المساجد أو
على المقاهي أو يضربون في الشوارع على
غير هدى لمجرد قتل الوقت الثقيل، بعد أن
عجزوا عن الحصول على عمل أي عمل، وأغلبهم
يعول أسرة بحاجة إلى الطعام والدواء
والكساء... إلخ. وهناك
أعداد كبيرة من العجائز والمسنين
الفقراء الذين فقدوا الأبناء والأحفاد
في أتون الحرب، ولا عائل لهم الآن في هذه
الفترة الصعبة من العمر التي يعجزون فيها
عن الكسب، فلا تصرف لهم أية معاشات من
خزينة الدولة الخاوية، وحتى أطفال
الشهداء والأرامل يتقاضون مبالغ زهيدة
لا تكفي للنفقات الضرورية، ولولا
المساعدات التي تقدمها هيئات الإغاثة
لهلك هؤلاء المساكين جوعًا وسط الأطلال. فابن
الشهيد يتقاضى شهريا خمسين ماركًا (المارك
الألماني يساوي المارك البوسني الآن في
القيمة تقريبا) وهو مبلغ زهيد يكفي
بالكاد لشراء لبن للطفل طوال الشهر،
والمصاب الذي تركت له الحرب عاهة مستديمة
يحصل على مساعدة شهرية قدرها مائة مارك
فقط، وهي لا تكفي لمجرد إطعامه فضلا عن أي
نفقات أخرى للمسكن والملبس وفاتورة
الغاز والكهرباء والمياه الملتهبة مثل
أسعار معظم السلع الضرورية، ولهذا ليس
غريبا أن تسود الأسواق حالة من الكساد لا
تخطئها العين. وحتى
أولئك الذين أسعدهم القدر بالحصول على
عمل يضجون بالشكوى من تواضع المرتبات
بالمقارنة مع تكاليف الحياة الغالية في
هذا الجزء من قارة أوروبا: عامل بأحد
المساجد على سبيل المثال يتقاضى مائتين
وثلاثين ماركًا فقط شهريًا وهو يعول أسرة
مكونة من أربعة أفراد، عامل نظافة في
شوارع سراييفو يحصل على مائتي مارك فقط
كل شهر. وراتب الطبيب حديث التخرج
ثلاثمائة وخمسون ماركا شهريا، أما
القاضي فهو أفضل نسبيًا؛ إذ يحصل على
حوالي ثمانمائة مارك شهريا، وكذلك ضابط
الجيش من ذوي الرتب المتوسطة؛ إذ يتقاضى
سبعمائة وخمسين ماركًا شهريا. وهناك
عدد محدود من العائلات أسعد حالا، وهي
تلك التي يعمل أحد أبنائها في إحدى الدول
الأوروبية الغربية، فهؤلاء يتلقون
تحويلات مالية لا بأس بها من ذويهم
بالخارج تكفيهم مئونة العيش وذل الحاجة. ومما
يضاعف المعاناة أن المساعدات الخارجية
قد انكمشت إلى حد كبير بعد توقف القتال
وبدء تطبيق اتفاق "دايتون" منذ خمس
سنوات، ووسط هذه المعاناة تسعى منظمات
الإغاثة الإسلامية لمد يد العون، إلا
أنها ليست كافية؛ مما يتطلب مضاعفة تلك
الجهود والمساعدات المأجورة بإذنه تعالى
اقرأ
أيضا: مساجد
البوسنة تدفع ضريبة الحرب
اكتشاف مقبرة جماعية جديدة في البوسنة
| ||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||