|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
أفغانستان.. قلب آسيا المريض أفغانستان - محمد ناصري
والمسافر
إلى أفغانستان عبر بوابتها الحدودية مع
باكستان سيبدأ في الإحساس بأصل المشكلة
التي تعاني منها البلاد؛ فالحدود مفتوحة
لا يكاد أحد يستوقفك عند عبورها، والعداء
مستحكم ضد كل ما هو تكنولوجيا حديثة،
وحكومة طالبان لم تبد اهتماما كبيرا
بالبنية الأساسية للبلاد، وبمرافقها،
ومشكلات أهلها حتى تفرغ –كما تعلن دائما-
من "فتح" كل الأراضي الأفغانية
وتحريرها من المعارضة، لتتفرغ في مرحلة
لاحقة لإصلاح ما تهدم، وحل مشكلات البلاد.
وفي الطريق من بيشاور الباكستانية إلى
أفغانستان يجد المسافر نفسه فجأة أمام
جبال شامخة تؤوي فوق سطوحها أبراجا حربية
عالية شيدت في القرنين التاسع عشر
والعشرين بأيدي الإنجليز الذين كانوا
يخشون بأس الأفغان، ولكنه بعد اجتياز هذه
الأبراج يكتشف عند بوابة "طورخم"
الحدودية أنه لا يحتاج إلى جواز سفر أو
تأشيرة دخول إذ يعبر الحدود وكأنه يعبر
شارعا في مدينة واحدة إلا إذا شعر رجال
طالبان أنه أجنبي من ملامحه التي يسهل
إخفاءها والتغيير فيها، وهو الأمر الذي
يتوقع كثيرون في البلاد أنه الثغرة التي
ينفذ منها الجواسيس وتجار السلاح الذين
يسربون الأسلحة إلى الفرق الأفغانية
المتناحرة؛ بما يعني أن حفظ الأمن
الحقيقي لن يحدث إلا بالسيطرة الدقيقة
على حركة الدخول أو الخروج من الدولة. الكمبيوتر
ممنوع! ولكن جنود
طالبان الذين يبدون مرونة كبيرة في عبور
غير المواطنين للحدود يعانون من حساسية
بالغة ضد كل عابر يحمل أجهزة إلكترونية
وخاصة لو كانت حاسبا آليا، حيث تعتبر
الحكومة أن هذه الأجهزة تشكل خطرا كبيرا
على أمن البلاد، ولا تسمح باستيرادها إلا
في ظروف خاصة تحت شروط وضوابط صارمة،
وعبثا تحاول إقناع جنود طالبان بتمرير
الأجهزة ولو عن طريق الرشوة التي تنتشر
على الجانب الباكستاني من الحدود.. لكن
هذا الموقف من أجهزة الكمبيوتر
والإنترنت يعد واحدا من عجائب أفغانستان
التي لا تنقضي، فرغم الموقف الصارم من
هذه الأجهزة إلا أنك تفاجأ أن معظم مقاهي
الإنترنت في مدينة بيشاور الأفغانية
يديرها شباب أفغاني متعلم، وهي مفاجأة
تتكرر عندما تشاهد المستوى الثقافي
والفكري الراقي لسكان مدينة كابل –عاصمة
أفغانستان- من المدنيين وتقارن مواكبتهم
للمدنية الحديثة بأحوال السكان في
مقاطعة خوست ـ على سبيل المثال ـ التي
تبعد عن كابول نحو 250 كيلومترا ولكن
الفجوة الفكرية والحضارية بينهما تزيد
عن 250 عاما!. وعلى بعد 50
مترا من البوابة الحدودية توجد مجموعة من
الحوانيت الصغيرة على طرفي الشارع،
بعضها مبني بالخشب والآخر بالطين،
وجميعها حافلة بالسلع التجارية
المستوردة من باكستان، وهو ما يفتح الباب
للظن أن باكستان تريد أن تحول أفغانستان
إلى سوق استهلاكي، ولو أدى ذلك إلى
بقائها في الخراب والدمار متصدية لكل
محاولات إقرار السلام التي قد يتبعها فتح
الشركات والمصانع الأفغانية التي ستسد
الطرق أمام استيراد السلع الأجنبية
الصنع بما فيها الباكستانية، ولكن
أفغانستان من حيث تشكل سوقا جيدة
للمنتجات الباكستانية فإنها تشكل خطرا
عليها بما يتم تهريبه عن طريقها إلى
الأراضي الباكستانية من السلع الأجنبية
التي تشن باكستان حاليا حربا بلا هوادة
ضدها لمنافستها لمنتجاتها. وأمام
محطة السيارات على الحدود تجد نفسك أمام
حطام كان يسمى قديما بالسيارات وتصبح في
مواجهة خيارين لا ثالث لهما لتصل إلى
كابل التي تبعد نحو 250 كيلو مترا فقط، فإن
كنت حريصا على وقتك فسوف تؤجر سيارة
سريعة تتكلف 6 دولارات -وهو مبلغ يعادل
أجر أسرة أفغانية بسيطة في 6 أيام- لتقطع
هذه المسافة القصيرة نسبيا في 6 ساعات (!)،
وإلا فإن عليك أن تقطع المسافة في يوم
كامل بسيارة متهالكة مقابل 3 دولارات تمر
بك عبر طريق "جلال آباد" الوعر
الممتد بين الجبال الشامخة بمحاذاة نهر
كابول الذي يروي العاصمة. ولا أحد
يسأل لماذا لم تقم حكومة طالبان بتجديد
هذا الطريق المتهالك، لأن الحركة تعلن
دائما أنها لا تهتم بقضية الطرق والمسائل
الداخلية حتى يتم فتح بقية البلاد
وتحريرها من المعارضة والجزء الصغير من
الطريق الذي تم تجديده بالقرب من كابل
اعتبرته الحركة خدمة "إنسانية" تمن
بها على سكان المدينة. والجدير
بالذكر أن هذا الطريق المتهالك هو أحد
الطرق الرئيسية التي تحلم باكستان
بإصلاحها لاستخدامها للوصول إلى أسواق
بلاد آسيا الوسطى، وهو أمر يذكر بالطريق
الذي أقامه الاتحاد السوفيتي في
الخمسينيات ليوصل غرب وشمال البلاد
بالجنوب والشرق ويربط ذلك كله بالحدود
الأفغانية التركمانية، ليكون معبرا
للاتحاد السوفيتي، وذلك فيما سمي بطريق
"الصداقة الروسية الأفغانية"، فهل
تحلم باكستان بتنفيذ نسخة طبق الأصل من
الأغراض الروسية؟ وهل يمكن أن تلعب
أفغانستان دور الحزام الأمني لباكستان
كما صرح بالفعل الجنرال برويز مشرف قبل
ذلك. دمار في كل مكان أما
أبرز معالم العاصمة الأفغانية فهو
الدمار الذي لحق بالجدران بسبب طول
الحروب التي بدأت قبل 20 عاما تقريبا منذ
بداية الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي
وانتهاء بالحرب الأهلية، وفي العاصمة
ينتابك شعور بأن الحكومة غير مسئولة عن
شيء فكل مواطن مسئول عن نفسه فيما لا
يتعلق بالأمن والسلام، ولكن بين الفينة
والأخرى اعتاد المواطنون على صدور
قرارات من قبل قيادة طالبان بشأن وضع
قيود على زراعة المخدرات وبيعها
وتهريبها، ولا تعدو أن تكون هذه
الفرمانات تهدئة للأمم المتحدة أو الدول
المجاورة التي تشكو من المخدرات التي
أصبحت أفغانستان مركزا لها، وقد أصبحت
هذه الظاهرة مثارا للقلق شرقا وغربا،
فالمؤتمرات والمحافل الإقليمية
والدولية تعقد تارة في آسيا الوسطى،
وثانية في إسلام آباد وثالثة في طهران،
وأخرى في جنيف لمناقشة كيفية مكافحة
زراعة ونقل المخدرات الأفغانية التي تجد
طريقها عبر الحدود إلى البلاد المجاورة
ومنها إلى الدنيا، ولكن أيا من الحلول
التي طرحت داخليا على الأقل لم تفكر يوما
في معالجة الظاهرة من الجذور. وفي كابول
أيضا تقرأ آثار الفقر على وجوه الناس،
كما تشعر به في الأسواق، ولكن الملاحظة
هي أن الناس اعتادوا التعايش مع هذه
الظروف، وقلما يموت أفغاني جوعا أو عطشا
على الرغم من انتشار أمراض سوء التغذية،
ولا يزال التعاون والتكافل سائدين بين
الناس بكل صمت وهدوء وبلا تظاهر ورياء؛
فالجار الغني يساعد جاره بشتى السبل، وقد
يستأجر عمله ليدفع مقابلا له ينقذ حياته،
أما الأولاد فقد نسوا المدارس والمكاتب،
وأصبح همّ الجميع هو البحث عن لقمة العيش.
ولا تلفت
أخبار الحرب بين طالبان والمعارضة أنظار
الشعب كثيرا، طالما أن المعارك بعيدة
عنهم، وهم يعتبرون هذه المعارك مدخلا
للاستدلال على أن الحرب لن تنتهي أبدا،
وهم يطالبون بتوفير هذه القوى لصد
الطامعين في أفغانستان من خارجها، ومن
ناحية أخرى يستغرب الزائر من انعدام
الخدمات الاجتماعية بما فيها الكهرباء
والماء عن جميع الشعب تقريبا، ولكن هذه
المشقة هي التي ساعدت الشعب على التصدي
للروس ومَن بعدهم لظروف الحرب الأهلية؛
فكل بيت فيها بئر للماء، ويعتمد على
الحطب والخشب كوقود للطبخ والإضاءة، كما
أن معظم البيوت مجهزة بالتنور. ورغم أن
انتشار التسول أصبح أمرا عاديا في
أفغانستان إلا أن الجديد هو أن الظاهرة
انتقلت من المدنيين إلى البدو الذين
يرفضون اللجوء إلى هذا الأسلوب إلا إذا
أوشكوا على الهلاك، وفي هذا الإطار فقد
أصبح معتادا أيضا في الشهور الأخيرة أن
تستوقف البدويات العربات على الطرق
السريعة لتسول القليل من المال، وهو أمر
يعد انعكاسا طبيعيا للجفاف الذي يضرب
البلاد بقسوة منذ نحو عام
|
| |||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||