|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
الكنيسة الكاثوليكية تطلب المغفرة أحمد عبد الفتاح- الحدث
وبدأ
القداس الكنسي بمقدمة قصيرة أعلن فيها البابا
الكاثوليكي الندم والأمل في المغفرة ، وخصصت
الفقرة الأولى- من سبع فقرات- لطلب المغفرة من
الأخطاء عمومًا ، وخصصت الفقرة الثانية
للحديث عن استخدام وسائل لا تسامح فيها في
التعامل بين النصارى أنفسهم ، مع إشارة إلى
الانقسامات التي رافقت ذلك ، وهي ما كانت محور
الفقرة الثالثة من الفقرات التي كان كل منها
يبدأ بحديث أحد الكاردينالات وينتهي بطلب
المغفرة من البابا نفسه . وقال الكاردينال في
الفقرة الرابعة: ( دع النصارى يذكرون آلام شعب
إسرائيل في التاريخ ، والتعرف على أخطائهم ،
والتي ارتكبها عدد غير قليـل منهم تجاه شـعب
" الاتحاد " وتجاه آيات التقديس ، بحيث
يطهرون قلوبهم ) .. وتابع البابا الكاثوليكي : (
إله آبائنا ، أنت اخترت إبراهيم ونسـله ، لحمل
اسمك إلى شـعوبك ، إننا مكروبون كربًا شديدًا
من تصرفات سائر من تركوا أبناءك وبناتك
يتألمون عبر التاريخ ، نسألك المغفرة ونريد
أن نعمل من أجل تثبيـت أخوّة حقيقية مع شـعب
" الاتحاد " وهذا ما نصلي له عبر المسيح ) . وشملت
الفقرة الخامسة الحديث عن أخطاء الكنيسة تجاه
الشعوب وأصحاب الديانات الأخرى بعبارات تقول
: ( دع النصارى ينظرون إلى المسيح ، سيدنا
وسلامنا ، واجعلهم يندمون على ما ارتكبوه من
أخطاء في القول والعمل . كانوا أحيانا يتبعون
خط الفخر والكراهية والرغبة في السيطرة على
الآخرين ، وينطلقون من العداء لأتباع
الديانات والفئات الاجتماعية الأخرى ، ممن
كان أضعف منهم ، مثل اللاجئين والغجر )
وكان طلب المغفرة على لسان البابا
الكاثوليكي بقوله : ( سيد العالم وأب جميع
الناس ، عن طريق ابنك طلبت منا أن نحب أعداءنا
أيضًا ، وأن نحب الخير لمن يكرهنا وأن نصلي
لمن يلاحقنا ، ولكن كثيرًا ما تنكر المسيحيون
للإنجيل ، وساروا بمنطق العنف ، فانتهكوا
حقوق الشعوب والقبائل ، وامتهنوا حضاراتهم
وتراثهم الديني ، أظهر لنا صبرك ورحمتك واغفر
لنا ، هذا ما نصلي من أجله عبر سيدنا المسيح ) . وخصصت
الفقرتان السادسة والسابعة
للحديث عن أخطاء الكنيسة بحق المرأة وعلى
صعيد التفرقة العنصرية ، وعلى صعيد الحقوق
الفردية ، ولكن من الصعب أن يزيل ذلك التوترات
بين الكنيسة الكاثوليكية وأتباعها الذين
غلبت عليهم التوجهات العلمانية في الغرب في
قضايا معيشية أصبحت موضع توتّر متجدّد مع
الكنيسة في روما ، أبرزها في الوقت الحاضر
الإجهاض ، رغم أن الكنيسة خطت خطوات بعيدة في
محاولاتها لمواجهة انسحاب أتباعها منها
رسميًا، ومحاولات جذب الشبيبة إليها ، وهو ما
يشمل تعاملها بأساليب تتناقض مع تعاليمها في
مثل العلاقات الجنسية ، أو تنظيم حفلات صاخبة
داخل الكنيسة على أمل جذب الشبيبة الغربية
إليها . إنّما
تبرز قضية تعامل الكنيسة مع المرأة على سواها
، باعتبار التاريخ الأوروبي في عهد السيطرة
الكنسية والحافل بما عرف بأحكام " حرق
الساحرات " ، ويسري هذا على تعامل الكنيسة
مع العلم والعلماء ، ووقوفها مع الإقطاعيين
في خندق استبدادي واحد تجاه الفلاحين ..
وغير ذلك مما تعنيه تلك الفقرة ولكن دون أن
يخرج الحديث عنها في القداس الكنسي عن
الأسلوب المشابه في سواها من حيث التعميم ،
الذي لا يذكر ما صنعت الكنيسة بالتفصيل ، كما
هو الحال في عدم ذكر أحداث معينة بالفقرات
الأخرى مثل الحروب الصليبية ، وربما كان ذلك
مما تفصل فيه الوثيقة الصادرة عن الفاتيكان
بعنوان : " تذكير ومصالحة : الكنيسة وزلاتها
في الماضي " ، ومن عناوين فصولها : الحروب
الدينية -والمقصود الكنسية في الغرب-
والحملات الصليبية ، ومحاكم التفتيش ،
والسكوت على المحرقة -والمقصود ملاحقة
النازيين لليهود-.
وتوصف الخطوة الكاثوليكية الجديدة بشمول محتواها ، وتثبيتها كجزء من العقيدة الكنسية ، واختيار بداية الألفية الميلادية الثالثة لإعلانها ، فضلًا عما رافق ذلك من مظاهر الاحتفال الكنسي في روما ، ولكن الكنيسة الكاثوليكية التي تنفي عن البابا احتمال الخطأ ، سبق أن أقدمت على خطوات مشابهة ، في عهد البابا هادريان السادس عام 1522 م الذي أقر بارتكاب أخطاء كنسية وتجاوزات عقدية ، وفي العصر الحاضر أيضا أقدم البابا باول السادس على خطوة شبيهة بمشاركة البطريرك الأورثوذوكسي آثيناجوراس عام 1965 م .ورغم
أن تقويم هذه الخطوة الكاثوليكية من حيث ما
يمكن أن ينبني عليها ، يتطلب التريث لرؤية
خطوات عملية ، وللاطلاع على الوثيقة المنشورة
في الأسبوع الماضي ، فإن في الإخراج الكنسي
للوثيقة في قداس يوم الأحد في الفاتيكان ، ما
يشير إلى منطلقاتها ، والأولويات التي تضعها
، وتتعامل وفقها منذ زمن طويل ، في القضايا
ذات العلاقة بالمنطقة العربية ولا سيما قضية
فلسطين ، والمنطقة الإسلامية وعلاقاتها
بالغرب ، مقابل علاقات الكنيسة باليهود . فقد
كان من الملاحظ في النصوص المشار إليها إلى أن
عدم ذكر المسلمين والحروب الصليبية نصًا ، بل
وحديث البابا عنهم باعتبارهم " أعداء ..
ويكرهون المسيحيين .. " يقابله ذكر اليهود
وتأكيد عمق العلاقة الكنسية بهم وتأكيد
الأخوة كمحور لهذه العلاقة في المستقبل . وهذا
ما يمكن الرجوع به إلى الخطوات الأخرى
الحاسمة في تطوير هذه العلاقات على مدى
أربعين عامًا مضت ، سواًء من خلال ما سمّي "
وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح" عليه
السلام ، أو من خلال إقامة علاقات دبلوماسية ،
أو من خلال تشكيل روابط وجمعيات " الأخوّة
المسيحية-اليهودية " في أنحاء العالم ،
وحتى من خلال تعديل المواقف الكنسية في قضية
القدس لصالح اليهود ، وهو ما لم تتعرّض له أو
تعدّله الاتفاقية الأخيرة بين البابا
الكاثوليكي وياسر عرفات ، بوصف الأخير رئيس
منظمة التحرير الفلسطينية ، فقد كانت حافلة
بالتزامات فلسطينية دون ما يقابلها من الجانب
الكنسي . والواقع
أن الكنيسة بموقفها الجديد من الحروب
الصليبية والإقرار بما ارتكبته من أخطاء
تاريخية ، لا تأتي متأخرة عدة قرون فقط ، بل
تخلّفت بشكل ملحوظ عما تحرّك به عدد لا بأس به
من المؤرخين الغربيين في السنوات الأخيرة ،
إذ أعلن كثير منهم أن البحث التاريخي يؤكّد ما
ارتكب من أخطاء تاريخية كبرى ، بل ويشهد على
السماحة الإسلامية مقابل العنف الدموي
تحت أعلام الكنيسة وبمباركتها . وبينما
اتخذ منحى التطور في العلاقات الكنسية
اليهودية في العقود الماضية منحى حافلًا
بخطوات عملية، مثل الجمعيات والنشاطات ،
وإعادة صياغة الصلوات الكنسية ، وتعديل
المناهج الدراسية ، والمواقف الرسمية
العلنية ، والوثائق الكنسية ، فإن ما يوصف
بالحوار بين الكنيسة الكاثوليكية والمسلمين
، لم يصل في أي وقت إلى مستوى إجراءات عملية
مشابهة ، لا من قريب ولا من بعيد ، وكان إلى حد
كبير انتقائيًا ، بمعنى البحث عمن ينتسب إلى
الإسلام جغرافيًا وربما ثقافـة وحضارة ، وإن
لم يكن يمثل الإسلام دينا وعقيدة وفقهًا
وعلمًا ، هذا علاوة على بعض عمليات الانتقاء
الأقرب إلى التركيز على من لا يجدون في الساحة
الإسلامية من يؤيد تصوّراتهم المنحرفة أو
الشاذة وإن حملت عنوان الإسلام ، بالمقدار
الذي يجدونه من الجانب العلماني ولا سيما في
الغرب . ولا
يبدو من الخطوة الكنسية الأخيرة أن هذا
سيتغير في المستقبل المنظور على الأقل ، وكان
واضحا أن طلب المغفرة فيما يتعلق باليهود
اقترن بتأكيد علاقات " الأخوة " في
المستقبل ، أما طلب المغفرة فيما يتعلق
بالمسلمين الذي جمعهم مع سواهم عنوان "
أصحاب الديانات الأخرى " فلا يحدد أي شكل
واضح للعلاقة في المستقبل .
كما أن البابا الكاثوليكي الذي تحدّث عن "
شعب إسرائيل " كشعب الاتحاد .. بمعنى
الرابطة المشتركة بينه وبين المسيحيين، لم
يتحدث من قريب أو بعيد عن أخطاء اليهود بحق
المسيحيين ، على مدى التاريخ ، أو وفق
معتقداتهم تجاه المسيح عليه السلام ، بينما
كان التركيز واضحًا في العلاقة مع غير اليهود
على لسان البابا الكاثوليكي ، بأنه كما يعلن
طلب المغفرة على أخطاء الكنيسة بحق سواها ،
فإنه يعلن " مغفرة " الكنيسة لسواها تجاه
ما ارتكبوه من أخطاء بحقها .. أو بتعبير آخر
تعاملت الكنيسة الكاثوليكية مع اليهود على
أساس طلب المغفرة منهم ، ومع سواهم على أساس
" تسامحها " فهي تغفر لهم وتطالبهم
بتسامح مماثل .
| ||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||