|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
ألمانيا- أحمد عبد الفتاح
وبداية
الفصل محددة باليوم .. بل وبالدقيقة أيضًا،
وهي في كل عام في تمام الساعة 11 والدقيقة 11 من
الشهر 11 من السنة.. فإذا أشارت عقارب الساعة
إلى تلك اللحظة طلّق أهل منطقة حوض الراين
الأوروبية المألوف، وبدأوا مهرجاناتهم
الصاخبة في "فصل المجانين" كما يسمونه
أيضًا. ومع حلول ليلة يوم الصيام الذي يصادف
هذا العام يوم الأربعاء 8/3/2000م.. يجوبون في
الشوارع ويحرقون ما صنعوه من الدمى المزركشة،
ويعلنون التوبة طالبين المغفرة على ما
اقترفوه من آثام في 127 يومًا مضت. عيد
المجانين هذا يسمّى أيضًا عيد "الكرنفال"
وأصل الكلمة لاتيني، ومعناها "وداعًا أيها
اللحم"، والصيام عند أتباع الكنيسة
الكاثوليكية هو الامتناع عن تناول اللحم.
وكان ميلاد تلك الأعياد في القرن الثاني عشر
الميلادي، أيام سـيطرة الكنيسـة على البلاد
والعباد سيطرة استبدادية، بلغت مستوى دمويًا
خانقًا كما هو معروف عن "حرق النساء
والعلماء".. فآنذاك.. لم يكن في الإمكان أن
يتمرّد "العقلاء" على سلطان الكنيسة
الطاغي، وكأن هذا ما جعلهم يتقمَّصـون دور
المجانين، وكان تمرّدهم مقترنًا بارتكاب بعض
ما حرّمته الكنيسة على سبيل المزاح والتهكم
وادّعاء الجنون.. وانتقلت هذه العادة
تدريجيًا إلى المدن الإيطالية الأخرى؛ مثل
فلورنسا والبندقية، وحملت اسـم الكرنفال،
وانضاف إلى السكر والعربدة ارتداء الملابس
التنكرية المزركشة، ثم ما لبثت الاحتفالات أن
انطلقت إلى فرنسا، فأضافت إليها أجواء ثورتها
ضد الملكية طابعًا سياسيًا، حتى إذا وصلت إلى
ألمانيا قبل 177 سنة، بلغ الجنون حدّ "الكمال"،
وبدأ يتخذ صبغة منظمة بشكل مثير، وهو ما يعكسه
الآن على سبيل المثال وجود مئات الروابط
والجمعيات التي تعمل على مدار السنة -سنة
العقلاء- إعدادًا لمئات المسيرات
والمهرجانات والاحتفالات في فصل المجانين
الخامس، وكمثال ففي مدينة كولونيا فقط 160
منظمة.. تعدّ لأكثر من 500 احتفال جنوني. ثورة الغسالات انتهت
بالمجون! ولجنون
الكرنفال علاقة وثيقة بالنساء وأوضاعهن
المأساوية في أوروبا.. ويبدو أن تحوّل هدف "تحرير
المرأة" إلى واقع الانحلال وتفكيك روابط
الأسرة والإباحية الجنسية، كان يوازي بصورة
ملفتة للنظر كيف تحوَّل الكرنفال في ألمانيا
من حركة تمرد بوسائل مبتكرة ضدّ السلطة، إلى
حركة جنون محض؛ ففي عام 1824م.. شهدت بلدة بويل
التي أصبحت في هذه الأثناء تابعة لمدينة بون
على نهر الراين ما سمّي "ثورة الغسالات"
ضد الأزواج، واتخذت شـكلاً "عقلانيًا"
في الأصل، فقد اجتمع عدد من الغسالات في غياب
أزواجهن، واتخذن عدة قرارات، أبرزها اقتحام
مجلس البلدية في اليوم التالي، وكان مطلبهن
الرئيسي أن يمتنع الرجال عن الشجار والخصومات
لأسباب تافهة. كان ذلك في يوم خميس، ومن أبرز
احتفالات الكرنفال حاليًا اقتحام النساء في
يوم الخميس الأخير قبل موعد الصيام، والذي
يوصف بيوم النسوة مجالس بلديات المدن والقرى،
حيث تكون لهن كلمة الأمر والنهي..ولكن في ماذا؟.. لم يعد
يوجد شيء في تلك العادة سوى الإباحية، ففي
يـوم الخميس المذكور تتحول الدوائر
الحكومية، والمدارس المختلطة، ومباني
الشركات، وسواها إلى ساحة للمجون، يتجنبه
العقلاء بأخذ إجازة، فهمّ المرأة في ذلك
اليوم، وفيما تعتبره تمردًا على الرجل أن
تتحرّش بمن تشاء، ويكتفي بعضهن بقص رابطات
العنق، ويتمادى بعضهن الآخر إلى اقتراف الزنى
مع من يعرفن أو لا يعرفن من الرجال. وكان من
الفارين من يوم النسوة المستشار الألماني
جيرهارد شرودر، فجعله موعدًا لزيارة رسمية
لواشنطون، وقال بوضوح: (نعم.. هذا هروب من يوم
النسوة، فلا أحد يعلم ما يمكن أن يصنعنه، وفي
الحكومة عدد كبير منهن أعرفهن، فأنا أعي ما
أقول، ويكفي أن حياتي معهن صعبة على كل حال)..
كان هذا في العام الماضي 1999م، عندما كان مقرّ
الحكومة في بون على نهر الراين، وبقي هذه
السنة في برلين العاصمة، بعيدًا عن صخب
الكرنفال، وإن لم ينج منه بصورة كاملة. ومثله
في ذلك مثل كثير من أهل المنطقة، فهم
يغادرونها طوال الأيام الأخيرة من الفصل
الخامس إلى مناطق أخرى لا تعرف سوى الفصول
الأربعة، فلا يكاد يرى الناظر في الشوارع
والطرقات والمباني إلا أناسًا كنت تعرفهم في
هندام طبيعي أو لباس رسمي أو زي حديث، فإذا
بهم يرقصون ويصخبون وقد تحوّلوا إلى أشكال
"كاركاتورية"، وأقلها أن يضع أحدهم على
رأسه ريشة ملوّنة ليؤكد انتماءه إلى دنيا
المجانين تلك!.. تمرّد علي الكنيسة وما
تزال بقايا التمرد ضد سلطان الكنيسة تأخذ
أشكالا رمزية، ما بين أمريكا الجنوبية وخاصة
البرازيل، حيث سيطرت الكنيسة الكاثوليكية
أيضًا في العهد الاستعماري الإسباني
والبرتغالي، وما يزال لها نفوذ كبير إلى
اليوم، إلى حوض الراين في ألمانيا وبلدان
أوروبية أخرى، لا سيما في مناطق انتشار
الكاثوليكية، وتتميز في ذلك منطقة بافاريا
باحتفالات تتضمّن مسيرات جماعية بألبسة
بيضاء، فيحمل أصحابها الأجراس الثقيلة،
ويتحركون في القرى بصخب شديد، كما يخرج
التلاميذ في ساعة مبكرة، ليوقظوا بضجيجهم
وصخبهم أساتذتهم. وسبق
أن حاولت الكنيسة -وقد أفلت المجانين من
سلطانها- أن تقضي على حركة التمرد، فكان من
محاولاتها مثلاً أن أعلنت في منطقة ساكسونيا
تقديم موعد الاحتفالات الإباحية الختامية
أسبوعًا، لتبتعد بها عن يوم الصيام والحفاظ
على جوّ كنسي له، واستجاب المجانين.. ولكنهم
بدلاً من أن يتوقفوا عن الاحتفالات قبل
أسـبوع.. أصبحوا يحتفلون لمدة أسبوعين، على
النقيض من أقرانهم في مناطق أخرى حيث تمتدّ
الاحتفالات الختامية أسبوعًا واحدًا. ويغلب
على معظم التجمعات والاحتفالات الأسبوعية
طابع النقد الساخر للأوضاع السياسية
والاجتماعية، عبر سلسلة من العروض التهكمية
الساخرة، وفقرات إباحية فاضحة، وذاك ما يبلغ
أقصى مداه في يوم الاثنين الأخير قبل موعد
الصيام، فتخرج الجموع في مواكب مزركشة، تخلف
من الأقذار ما تبلغ تكاليف التخلّص منه
الملايين سنويًا، وتسبب من حوادث السير التي
يرتكبها المخمورون ما يعادل نسبة عالية من
الحوادث على مدار السنة.. هذا عدا ما اشتهر منذ
سنوات عديدة أن نسبة الحمل أيام الكرنفال -وأيام
رأس السنة الميلادية- ترتفع ارتفاعًا كبيرًا،
وتسبب موجة جديدة من الأطفال غير الشرعيين!. صحيح أن
الكرنفال فقد في منطقة الراين مغزاه القديم،
ولكن روح التمرد فيه باقية، وقد يكون محورها
الرئيسي هو التمرّد على النظام، لا سيما في
بلد كألمانيا يعطي النظام مكانة خاصة، ثم
التمرّد على المألوف، وإن كان الجانب الإباحي
من ذلك بات في حكم "المألوف" عمومًا..
إنما يمضي بعض علماء النفس مثل جيرهيل فون
مولّر وهايكو إرنست وسواهما إلى القول: إنّه
التمرد على الذات، والهروب من النفس، ويميلان
في تعليل ذلك إلى الإحساس الدائم أن الفرد تحت
رقابة ذاتية، لا يريد أن يتصرّف فيرصد آخرون
ما يصنع متلبسًا بأمر شاذ أو مخالف للقانون
والنظام، وربما كانت الأسباب أعمق من ذلك
بكثير، فالفرد في المجتمع الغربي عمومًا في
حاجة إلى الهروب من نفسه.. بعد أن فقد العقلاء -لا
المجانين- ما يحتاج إليه الإنسان بالفطرة
ليعيش حياة عاقلة متوازنة، فالسؤال: ما هي
الغاية من الحياة؟.. مطروح علنًا أو في
الأعماق، وهو -بغضّ النظر عما يتحقق من تطور
مادي لا نهوّن من شأنه- سؤال لا يجد جوابًا
مقنعًا مريحًا؛ سواء في أوساط من باتت نظرة
الناس إليهم كنظرة قوم قارون لقارون يحسبون
أنّه ذو حظ عظيم، أو أوساط من هم من المحرومين
فعلاً.. وما دام الجواب محصورًا في حدود سـنين
تمضي سراعًا، ومتعة صاخبة تنقضي فجأة، ودنيا
لا تتبعها آخرة، ومظالم لا مخرج منها.. لا
غرابة أن يصبح الجنون مهربًا، ولو بإضافة فصل
خامس موهوم إلى العام، ولو استطاعوا لألغوا
الفصول الأربعة الأخرى هربًا من الحياة نفسها
| ||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||