|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
مشروع لإحياء مؤسسة "التكية" عمان - محمد الارناؤوط
ويحيي هذا التوجه الجديد الأمل في
بعث مؤسسة الوقف في العالم الإسلامي في
هذا الوقت العصيب، الذي تشهد فيه
المجتمعات الإسلامية أزمات واختناقات
اقتصادية واجتماعية ونفسية، إذ إن الوقف
كان يلعب في الماضي دور صمام الأمان في
امتصاص الاختناقات والأزمات وتكريس
السلم الاجتماعي؛ فقد كان الوقف يتولى
الإنفاق على التعليم، مما كان يسمح لمن
هم في القاع الاجتماعي أن يصعدوا في
الهرم الاجتماعي، كما كان يقدم
المساعدات للأيتام والأرامل والعزاب،
وتوفير الوجبات المجانية للمحتاجين في
المدن، وتأمين الإقامة المجانية
للمسافرين في الاستراحات المبنية على
الطرق ما بين المدن، ومنح القروض
للحرفيين والتجار في المدن والريف،
وبناء المنشآت الحرفية والزراعية في
الريف وغيرها . وكان
"الوقف" الإسلامي قد لعب دورًا في
تطوير العديد من المنشآت الجديدة التي
تطورت، مع الدور الذي لعبه الوقف في
الحضارة الإسلامية مثل "العمارة"
التي اشتهرت في الأناضول والبلقان أو "التكية"
كما اشتهرت في بلاد الشام ومصر وغيرها،
بينما عرفت لدى الأوروبيين باسم "مطبخ
الشوربة" The Soup Kichen. وكانت نواة هذه المنشأة تقوم على
توزيع الخبز أو البرغل من حين إلى آخر ومن
مكان إلى آخر، ثم انتظمت هذه الخدمة في
مبنى معين وبوجبات محددة في أوقات معينة.
ويلاحظ أن هذه الخدمة أخذت تنتظم -بالاستناد
إلى المصادر التاريخية، منذ القرن
الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي -في
مدرسة معينة (مدرسة الأمير بغراقراخان
التي أنشأها في سمرقند) أو في مدينة معينة
(مثل "وقف الخبز" الذي أنشأه الأمير
الجاولي في الخليل، والذي كان يوزع 14-15
ألف رغيف في اليوم على ثلاث مرات).
وقد تطور هذا الأمر أكثر لدى
العثمانيين في آسيا الصغرى؛ إذ أخذ شكل
وجبة مجانية، بعد أن أصبح الخبز يقدم مع
صحن من الشوربة وقطعة من اللحم، وأضحت
هذه الوجبة تقدم في منشأة مستقلة تعرف
باسم "العمارة". وقد أخذ العثمانيون
يبنون هذه العمارات في المدن وفي الطرق
التي تربط بين المدن، سواء في الأناضول
أو في البلقان؛ حتى أصبحت من المظاهر
المميزة للحضارة الممتدة مع الدولة
العثمانية. ولم تكن مصادفة أن يقوم
السلطان سليم الأول بعد استقراره
في دمشق 923 هـ / 1517 م ببناء "عمارة"
إلى جوار الجامع الذي أنشأه حول ضريح
الشيخ محي الدين بن عربي؛ فقد كانت هذه
"العمارة"، التي عرفت باسم
"التكية" لدى الدمشقيين منذ ذلك
الحين، رمزًا للعصر العثماني في بلاد
الشام؛ إذ بقيت تقوم بدورها طيلة أربعة
قرون وبقيت تمثل "العصر العثماني"
حتى بعد 1918. وبعد
" العمارة السليمانية "- نسبة إلى
السلطان سليم – أنشأ السلطان سليمان
القانوني "العمارة السليمانية" ، أو
"التكية السليمانية" كما أصبحت تعرف
لدى الدمشقيين، في سنة 962 هـ / 1554م التي
أصبحت تعتبر من أجمل وأضخم المنشآت التي
بنيت في دمشق خلال العصر العثماني (المتحف
الحربي الآن). كما أنشأت زوجة السلطان سليمان:
روكسلانه "عمارة" مشابهة في القدس
سنة 964 هـ / 1556م عرفت باسم " تكية خاصكي
سلطان". كما عرفت أيضا التكية المصرية
في مكة، والتي كانت تقوم على خدمة حجاج
بيت الله الحرام، وتقدم الطعام والسكن
للفقراء وعابري السبيل ثم تحولت لمقر
لوزارة الأوقاف المصرية، ولا تزال
موجودة إلى الآن، إلا أن دورها تغير
وأصبحت مقرًّا رسميًّا للحجاج المصريين. وبالإضافة
إلى المدن الكبيرة والمتوسطة وجدت مثل
هذه العمارات في الطرق التي تربط المدن
الشامية، وذلك ضمن الخانات أو
الاستراحات التي كانت تقام على الطرقات.
وقد قامت هذه المؤسسة (العمارة) بدورها
إلى جانب المؤسسات الأخرى في تكريس نوع
من السلام الاجتماعي على الأرض خلال
العصر العثماني؛ إذ إن هذه المؤسسات (العمارة)
كانت تضمن في مدينة –كدمشق على سبيل
المثال- ألا ينام فيها فقير وهو جائع. وبشكل عام فقد كانت التكية (العمارة)
تقدم لكل من يفد إليها رغيفًا من الخبز (
بوزن محدد)، وصحنًا من الشوربة ( بمكيال
محدد) مع قطعة من اللحم (بوزن محدد). ولكن
في تلك الأيام لم يكن الدخول إليها بموجب
"بطاقات"، بل كان الدخول إليها لمن
هو بحاجة بالفعل إلى مثل هذه الوجبات. والطريف والمحزن في آن واحد أن
هذه العمارة (التكية) -التي كانت تدهش
الرحالة الأوربيين القادمين إلى البلقان-
انتقلت مع الزمن إلى الغرب وانقرضت في
بلاد الإسلام، في الوقت الذي تحتاج إليها
المجتمعات الإسلامية بالفعل. ومن
المتوقع أن يثير نبأ عودة مؤسسة التكية
في الأردن الأمل في إحياء هذه المؤسسة من
جديد، وأن تكون منظمة على مدار العام،
ومكتفية ذاتيًّا وليست استعراضية أو
محرجة لزوارها -كما هو الحال في موائد
رمضان العامرة المنظمة- وغيرها في
المناسبات المختلفة |
|
||||||
|
||||||
|
||||||