بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
صدى الفضائيات
شيء تغـير في حياتنا
بقلم/ نوال السباعي

ربما كنا آخر بيت من جيلنا من أبناء العرب والمسلمين في أسبانيا ممن أدخل الهوائي المُستقبل للفضائيات إلى حياته؛ فلقد كانت سمعتها لدى الجالية العربية لا تُبشر بخير، وكان الحديث عن الفضائيات يعني الحديث عن المُغنّيات، والأغاني، ومسلسلات "غوار"، و"إخوة التراب"، والسيدة التي تزوج زوجها بثانية، فانتقمت لكرامتها الجريحة بصمود وتحدٍ، بعد ثلاثين حلقة من البكاء والعويل، والتضامن النسوي النبيل مع آلامها من قبل معظم نساء الجالية المصونة .
كما يعني الحديث عن الفضائيات الحديث عن " الأفلام العربية "، والتي كانت في تصورنا وقناعاتنا رديفًا للفساد والإفساد، اللذين لا نحتاج إلى المزيد منهما، خاصة وأننا نعيش في مجتمعٍ الفساد فيه عادة، والإفساد فيه تعبير عن الحرية .
إلا أن زيارة من الأهل أرغمتنا على تركيب الطبق أو الصحن أو الدُش - حسب اختلاف الروايات - واستقبال مجموعات مختلفة من الفضائيات التي صارت تصلنا عبر " الساتليتيس " أو " الساتالايت "، أو "الصاطالاي " - حسب اختلاف فقهاء اللغة وأساطينها - .
شيء ما كان قد تغير منذ دخلت الفضائيات حياتنا، فلقد انتقلنا دفعة واحدة ودون أن نتحرك من مكاننا إلى عالمنا العربي، ونحن ما نزال في بيتنا في " مدريد "، وارتفع الأذان أكثر من عشرين مرة كل يوم في وجودنا، بعد أن كنا لا نسمعه إلا داخل المسجد، كلما زرناه لصلاة أو جمعة أو عيد .
وترددت في وجداننا لهجات، وأصوات، وألحان، كانت قد ضلت طريقها إلى آذاننا أكثر من ستة عشر عامًا .. وعادت إلى الذاكرة بقايا الصورة التي قد دُفِنت في أعماق غربتنا، لا نجرؤ على إخراج صندوقها المخزونة فيه خوف استيقاظ مارد الحنين ليقوم بتمزيق رضانا بواقع الغربة الذي نعيشه .
ولكننا اكتشفنا مع أصوات المؤذنين، ولهجات المشارقة والمغاربة، وبقايا صور الشوق والحنين، اكتشفنا واقعًا مرًا كئيبًا أليمًا، واقعًا كنّا قد فارقناه منذ زمن طويل، وكان أغلب الظن فيه أنه قد تغير، فلقد اعتدنا في بلاد الغرب أن تتغير الأمور .. كل يوم، كل عام، كل انتخابات، كل كارثة طبيعية، كل كشف عن إحصائية أو دراسة اجتماعية، أو وفاة غير عادية في مستشفى في إحدى القرى النائية، أو على أطراف الحدود التي لا تفصل في أوروبا اليوم إلا بين أسماء الدول وخرائط البلدان، وبعض سائقي الشاحنات التي تحمل " الغرين "، أو " العزيز "، أو " الفراولة " - حسب اختلاف اللهجات - والذين يُضربون بين الحين والحين، فيمنعون زملاءهم في المهنة من وراء الحدود أن يعبروها !! .
أما حدودنا .. فقد اكتشفنا من خلال الفضائيات أنها كبرت، وأصيبت بالسرطان، وامتدت بالطول والعرض والارتفاع، وأصبحت أخاديد، يسقط فيها الإنسان العربي الذي ما يزال يحلم "بوطن عربي"، تحاول كل الفضائيات - ودون سبب مفهوم - أن تقتل وتذبح وتشنق الحالمين به .
اكتشفنا من وراء " جهاز التحكم عن بعد " - والذي يمكن أن نختصر اسمه إلى " آمر "، أو " متحكم "، أو " ج . م . س "، دون أن يفهم أحد أن هذا الأخير هو اختصار لتعبير "جهاز المخابرات السري"، ولكنه اختصار لتعبير " جهاز متحكم سريع " - اكتشفنا أن العراق يموت قهرًا والكويت لا تستطيع أن تغفر . وأن العراق قد اسودت ظلمًا وأن الكويت لا تريد أن تلين، وأن العراق القومي كان قد شن حربًا دمر فيها الكويت، وأحرق آبارها، وانتهك عرضها.. فكيف للكويت أن تنسى بهذه السهولة؟ لولا أن الأمر خرج من حدود الإنسانية والمنطق، ودخل حدود فناء الأجيال، وتمزقة الأمة التي انشقت نصفين، وتاريخنا الذي قد تغير مجراه، فصار مزقتين، إحداهما قبل حرب الكويت والعراق، والأخرى بعدها، واكتشفنا أن الإنسان العربي أصيب بجلطة في الدماغ اسمها موت " الحلم العربي " بالأمة العربية الواحدة، ذات الرسالة الغامضة الخالدة !! جلطة جعلته من هولها ينسى أنه كانت له ذات يوم قضية مصيرية وحيدة، تُدعى "فلسطين "، فلما أن كُشِفَ الغطاء واكتشفنا على شاشات الفضائيات كارثة الحرب العراقية الكويتية علمنا منها أن العدو صار صديقًا، يتهافت الجميع على إيراد أخباره، واستضافة رجاله، وتطبيع وجوده بيننا ! .
شيء ما تغير في حياتنا .. " الحرم المكي يوميًا يدخل بيتنا زائرًا، " والاتجاه المعاكس " يُفجر خلايا دماغنا كل ثلاثاء ثائرًا، و"النهر العظيم للشعب العظيم " يروينا -رغم أنوفنا- كل ثانية ماءً زلالاً صافيًا .
شئ ما تغير في حياتنا، الأولاد بدءوا يفهمون اللهجة المصرية والسعودية والليبية .. ويتابعون صلاة التراويح من مكة والمدينة باكين منتحبين دون سبب مفهوم، إلا أنهم يروننا نبكي وننتحب !! .
شيء ما قد تغير في حياتنا .. فلقد دخلها " عمرو دياب "، و" راغب علامة "، و" لطيفة "، وكان أحد أصحابنا قد رُزِقَ بابنة، فسمى الوليدة "أصالة"، فأكبرتُ فيه هذه الأصولية، وهذا التطرف، والعودة إلى الجذور، والتمسك بالقيم .. فإذا بالفضائيات التي دخلت بيتي متأخرة جدًا، تفضحه، وتَصْعَقُ غبائي وتخلفي، وتكشف لي عن مخلوقٍ اسمه " أصالة " يصعب في واقع الأمر التفريق بينه وبين "لطيفة" أو " ظريفة " أو "نفنوفة " .. فكلهن مستنسخات بعضهن من بعض، في أكبر عملية استنساخ بشري شهدها العالم العربي وسبق بها كل تقدم الغرب، وحواراته الأخلاقية والسياسية حول الاستنساخ البشري وتطبيقاته !! .
شيء ما قد تغير في حياتنا، فلقد أصبح " الشيخ القرضاوي " رائدًا ومرشدًا وصديقًا، و" إمام الحرم السُّديس " فردًا من العائلة، و" العقيد القذافي " جزءاً من هواء تنفسنا .
كما أصبحنا نتقبل الغناء بالعربية، ونستمع بعده لحصص الدين والفقه، أو "مسلسل ديني" قد يصيب المرء لثقل دمه -أحيانًا- بجلطة أخرى في الإحساس !! .
وصار لدينا بفضل الفضائيات، مادة غنية - أخيرا ً- ولله الحمد للحديث مع أبناء الجالية المصونة، التي كادت تنقطع بيننا وبينها كل وشيجة قبل الفضائيات .. أما الآن فصرنا ولا حديث لنا إلا " الشريعة والحياة " وما آل إليه، و" نوال الزغبي " وتطور رقصاتها وملابسها .
وهكذا اختلط الحابل بالنابل، وجمعت الفضائيات كل المتناقضات، وصهرتها في بوتقة قدرتها على اختراق بيوتنا وعقولنا ووجودنا .
لقد جعلت من الفن والدين والسياسة والأخبار أشياء متداخلة الأشكال والمعاني والقوالب والمضامين، وقدمت لنا فسيفساء من الأحداث التي تجمع العرب وتفرقهم، وتوحدهم وتشتتهم وتمزقهم، وتكشف عن واقعهم اللئيم .. واقعهم الأليم .. واقعهم المخزي الذي لم يتغير رغم مرور نصف قرن من الزمان

ثقافة وفن

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع