منذ صغري وأنا أعشق الأمثال وأجمعها، وأحاول تحليل الشعب الذي يتداولها، وأحيانًا كنت أحاول أن أجد لهذه الأمثال مرادفًا باللغة الإنجليزية التي كنت أدرسها، فاكتشفت أن الشعوب رغم تباينها تتشابه كثيرًا في العادات والتقاليد والمفاهيم الأساسية؛ حيث إن الأمثال تنبع بتلقائية من أحاسيس ومشاعر فطرية للإنسان.
وبعد أن كبرت وتزوجت وأصبح لي أسرة مكونة من زوج محب وطفلين عزيزين على قلبي أخاف عليهما، وأسهر على رعايتهما، وأُكرِّس كل وقتي لتعليمهما، وتنشئتهما تنشئة صالحة، تفيدهما كما تفيد وطنهما وقضيتهما العربية … وجدتني أتذكر أحد الأمثال المشهورة وهو: ما أعز من الولد إلا ولد الولد، ووجدتني أسأل نفسي هل هذا معقول؟ … هل يمكن أن أحب أحدًا أكثر من أولادي؟… أخاف عليهم أكثر؟.. أفديهم قبل أولادي..؟
وتركت هذه الأسئلة للزمن.. وأخيرًا، وعندما أصبحت جدَّة لعدد من الأحفاد؛ وجدتني أجيب على جميع هذه الأسئلة بـ …"لا"!
فبالرغم من تعلقي بأحفادي وحبي الشديد لهم فقد اكتشفت حقيقة أهم: وهي أننا ونحن في مرحلة الشباب لا نستمتع كثيرًا بأطفالنا، ولا نجد الوقت لتأمل نموهم وتطورهم الذي يحدث بسرعة متناهية. كل همنا هو إطعامهم وتنظيفهم..وتنشئتهم وتربيتهم، ثم مراقبة سلوكياتهم، دون التمعن في معنى الحياة.. تأخذنا المشاكل والجري اللاهث وراء لقمة العيش… نريد أن نعمل كثيرًا لتوفير احتياجاتهم، ولتحقيق حياة كريمة لهم. وكان ما يهمنا آنذاك هو: متى يمشي؟ متى يدخل المدرسة؟ هل سينجح في دخول الكلية التي يريدها؟ ... إلخ إلخ إلخ... وفقدنا في خضم هذا النضال واحدة من أكبر معاني الحياة نفسها… وهي إدراك قدرة الخالق.
كيف لا يؤمن الإنسان بقدرة الله ووجوده وهو يرى طفلاً يخرج إلى الحياة صغيرًا؟! لا حول له ولا قوة ...
وبسرعة هائلة يفهم ويتعلق ويستوعب كل ما حوله .. كيف يستطيع أن يُعبِّر عن متطلباته؟! .. ويعي مشاعر الأمان والحب الخوف؟! .. يتعلّم في أقل من عامين مفاهيم كبيرة، غير منظورة أو ملموسة مثل الكون والليل والنهار.. الشتاء والصيف.. ثم يدرك معنى الخالق وحقيقة الموت! فهو يتقن لغته ويستعملها بكل سلاسة ودون مجهود في شهور قليلة، وهي اللغة التي يحتاج البالغ لدراستها وإتقانها سنوات وسنوات.
إن الجد والجدة يستمتعان بهذه التجربة الفريدة.. لأنهما يتابعان أحفادهما دون مسئولية مباشرة، يراقبان بسعادة وحب كيف ينمو هذا الحفيد بقدرة الخالق وحده ! ويرتبطان به ويحبانه في خشوع وإيمان.. لأنه يعوضهما ما فاتهما في شبابهما، فينجذبان أكثر إلى هذا الطفل .. الحفيد.. معجزة الخالق سبحانه وتعالى