منى درويش - القاهرة
تحت رعاية الأستاذ الدكتور نجيب الهلالي جوهر -رئيس جامعة القاهرة- والأستاذ الدكتور مروان كمال -الأمين العام لاتحاد الجامعات العربية- كانت فعاليات الملتقى العلمي الأول لجمعية الآثاريين العرب تحت عنوان "التواصل الحضاري بين أقطار الوطن العربي من خلال الشواهد الأثرية" في الفترة من 6-7 شعبان 1420، 14-15 نوفمبر 1999 بمشاركة العديد من أساتذة الجامعات المصرية والعربية المتخصصين في الآثار.
والملتقى محاولة لخلق التواصل بين الآثاريين العرب، والتعرف على ملامح هذا التواصل وتفاصيله؛ عن طريق الأبحاث والمناقشات؛ لإيجاد لغة مشتركة بينهم تهدف إلى توحيد المصطلح الأثري والعلمي، بحيث تصبح هناك وحدة لمفهوم الدراسات الأثرية في الوطن العربي، بالإضافة إلى خلق روح الترابط والتواصل بين أقطار الوطن العربي، وجعل القديم مرتبطًا بالحديث.
وعن مدى التأثير الحضاري في العصور القديمة كانت ورقة كل من أ.د/ عبد المنعم عبد الحليم و أ.د/ محمد السيد عبد الغنى عن تأثير حضارة مصر الفرعونية في حضارات جنوب الجزيرة العربية والحضارة الفينيقية في بلاد الشام من خلال العلاقات التجارية والرحلات بين تلك الدول، بينما جاءت ورقة د/ يوسف مختار -الأمين بكلية الآداب جامعة الملك سعود- برؤية جديدة للعلاقات المصرية السودانية في العصور القديمة، ترمي إلى أن السودان (جنوب الوادي) ومصر منطقتان حضاريتان متوازيتان، أي أن السودان لها كيانها المستقل عن مصر، ولا ينبغي النظر إلى أي تقدم حضاري بها على أن مصدره مصر (شمال الوادي) أو أنه تقليد أعمى لما في مصر، وإنما هو صورة محلية لعوامل محلية، وأضاف أن مصر خضعت تحت الحكم السوداني في عصر الأسرة 25، وقد فنَّد هذا الادعاء أساتذة الآثار المصرية الحاضرون إلى تصحيح هذه الرؤيا الغريبة بالأدلة العلمية.
وكشفت ورقة أ.د./ عباس سيد أحمد -بكلية الآداب جامعة الملك سعود بالرياض- عن وجود تواصل حضاري بين وادي النيل وشمال إفريقيا (ليبيا، الجزائر، المغرب) خلال العصر الحجري الحديث من 8000 إلى 3000 ق.م، حيث ظهرت في وادي النيل حضارة صناعية قائمة على صناعة الفخار بأشكاله المتعددة، ثم انتشرت في شمال إفريقيا. مع ظهور حرفة استئناس الأبقار في سيناء وجنوب الوادي، ثم استئناسها في شمال إفريقيا ومصر في 6000 ق.م، هذا التواصل الحضاري أكده أيضًا د/ محمد صلاح الخولي.-كلية الآثار جامعة القاهرة- من خلال ورقته التي ناقشت دور المدن الحدودية في الوطن العربي (الحضارات القديمة) مثل: مدينة بوهن بالقرب من وادي حلفًا، مدينة تادو شمال شرق الدلتا، مدينة تمنة شمال خليج العقبة. كمركز للاتصال والتبادل الحضاري بين الدول القديمة.
ولأن مصر كانت معبرًا لحجاج شمال إفريقيا حيث كانوا يقيمون بها ليلحقوا بركب الحجاج أدى ذلك إلى تأثر الصنّاع المغاربة بالفنون والعمارة المصرية الإسلامية، هذا ما أكدته أوراق أ.د./ محمد محمد الكحلاوي ود./ أسامة طلعت -كلية الآثار جامعة القاهرة- والتي جاءت في مجملها جديدة ومهمة لدارسي العمارة والآثار، موضحين بها فكرة التواصل المعماري الإسلامي بين مصر والمغرب من خلال ربط المسجد بالمدرسة، وأن فكرة المدرسة هي فكرة مصرية ألحقت بالمسجد لدراسة المذاهب الأربعة، بينما أثرت العمارة الحربية المغربية في العمارة الحربية المصرية من خلال تخطيط الممر المنكسر داخل أبراج القلاع الحربية، كما في أسوار صلاح الدين بالقلعة.
وكان من أهم محاور المؤتمر: الرد على النظريات التي طرحها المستشرقون حول نشأة المدينة الإسلامية التي ادعوا أنها انطلقت مع نشأتها معتمدة على الحضارة البيزنطية والساسانية بينما أهملوا حضارة ما قبل الإسلام.
حيث أوضحت ورقة د./ خليل بن إبراهيم المعيقل -كلية الآداب جامعة الملك سعود بالرياض- العلاقة والصلة بين المدينة العربية القديمة في الجزيرة العربية ونموذج المدينة الإسلامية التي ظهرت في المدينة المنورة بعد الهجرة من خلال الحفريات والاكتشافات الأثرية في شبه الجزيرة التي أظهرت اتصال واضح ومستمر بين المدينة العربية القديمة والمدينة الإسلامية مثل: مدينة "الفاو". وهذه الورقة رؤية جديدة لتأصيل المدينة الإسلامية وخصائصها المعمارية التي أصبحت نموذجًا للمدن الإسلامية بعد ذلك.
وعن تاريخ البحرين وآثارها وكونها دليلاً على التواصل الحضاري كانت الورقة التي قدمها د./ علي منصور من جامعة البحرين، والذي أرجع فيها تاريخ البحرية إلى 3000 ق.م، وظهور دولة دلمون (البحرين) منذ ذلك التاريخ كمركز للتبادل الحضاري إلى جانب وجود العديد من الآثار بمتحف البحرين، ومسجد الخميسي الأثري الذي يرجع تاريخ بنائه إلى القرن الرابع الهجري في عهد الخليفة الأموي "عمر بن عبد العزيز".
أما عمارة المساجد التاريخية بدولة الكويت في القرنين الماضيين وما تميزت به من بساطة وعدم وجود زخارف وما تمثله من كونها ظاهرة فريدة لأنها مساجد يملكها أفراد، تحمل أسماء أصحابها كانت أهمية ورقة د./ محمود إبراهيم حسين كلية الآثار جامعة القاهرة.
وقد تبنى الملتقى فكرة طالما طال النقاش حولها وهي أن اللغة العربية هي أصل اللغات وأقدمها حيث أكدت دراستا د/ محمد الشحات شاهين -كلية الآداب جامعة حلوان- ود/ مصطفى عطا الله -كلية الآثار جامعة القاهرة- على أن اللغة العربية شجرة كبيرة تنتمي إليها اللغة المصرية القديمة؛ تأخذ منها وتضيف عليها لغة محلية إفريقية. هذا التواصل بين اللغة العربية واللغة المصرية ظهر في العديد من الألفاظ والتعبيرات التي ما زالت مستخدمة إلى الآن، حيث وجدت الألفاظ المصرية القديمة مرادفاتها في اللغة العربية الفصحى، وطالب الباحثان بضرورة وجود معجم عربي لألفاظ ومعاني اللغة المصرية القديمة، فاللغة المصرية تعد مصدرًا لتأصيل اللغة العربية.
أما آخر المحاور التي تناولها الملتقى فكانت عن الفنون في الحضارات القديمة والحضارة المصرية والإسلامية كدليل على التواصل الحضاري بين أقطار العالم القديم من خلال التماثيل البشرية والحيوانية التي اكتشفت في البحرين وترجع إلى 3000 ق.م، وهي متأثرة بفنون العراق. وحضارة أم النار وهي في الإمارات وتأثرها بحضارة الهند. إلى جانب ظهور الأشكال والكائنات الخرافية في فنون هذه الحضارات، والتي لعبت دورًا هامًا في المفاهيم الدينية والسياسية خلال مراحل التاريخ الحضاري لمصر القديمة وبلاد الشرق الأدنى، حتى أن بعضها ظهر في التصوير والخزف الإسلامي. هذا ما اشتملت عليه أوراق كل من د. علاء عبد المحسن، د. أحمد سعيد د. حسين رمضان من كلية الآثار جامعة القاهرة