"الحياة مليئة بالأخطار" كثيرًا ما نردد هذه الجملة حينما تحدث حادثة أو كارثة ما. ومن العجيب بل والغريب أن كثيرًا من هذه الأخطار تكون من صنع أيدينا وتحت أبصارنا؛ فمثلاً نحن نذهب إلى أعمالنا اليومية ونحن ندرك تمامًا أن هناك خطرًا ما قد يحدث على الطريق من تصادم مثلاً أو نحو ذلك، كذلك نحن نعلم تمامًا تأثير العادات الغذائية السيئة على الصحة مثل: تناول الشاي والقهوة بكثرة، أو تناول الأطعمة الغنية بالدهون، ولكننا على الرغم من ذلك نستمر في تناول هذه الأشياء!! هذا بالإضافة إلى أخطار أخرى خارج نطاق سيطرتنا ولكننا نحاول أن نتعايش معها مثل: السكن في مدن تعاني من مشاكل تلوث البيئة، ولكننا نتغاضى عن هذا ونحاول أن نتأقلم مع هذه الظروف السيئة.
وفي واقع الأمر، نجد أن الإنسان له طرق عجيبة في استقبال الأخطار والتفاعل معها، فمن منا لا يتأثر بموت المئات في كوارث الزلازل أو الفيضانات أو سقوط طائرة ما، وليس حادث سقوط الطائرة المصرية منا ببعيد، ولكن هل سأل كل واحد منا نفسه كم عدد الذين يموتون في حوادث المرور أسبوعيًا، بلا شك سنجد أن العدد سوف يفوق هؤلاء الذين قتلوا في حادث طائرة واحدة، ولكن طريقة استقبال الخطر هي التي تحدد بشكل كبير تفاعلنا مع الأخطار، فمما لا شك فيه أن هناك حالة من الفزع من السفر بالطائرة حدثت بعد تحطم الطائرة المصرية، ولكن لأن حوادث الطرق تحدث على فترات فإن الخوف من الطرق البرية يكون أقل بكثير من مخاطر الطائرة.
مما سبق نجد أن هناك من الأخطار التي يمكن للإنسان أن يتقبَّلها بل ويتعايش معها، ولكن هناك أنواعًا أخرى من الأخطار التي تحدث خارج نطاق سيطرتنا ولا نستطيع أن نتقبلها أو نتعايش معها، بل يجب اتباع الإجراءات والوسائل الممكنة للحد من هذه المخاطر، ومن هذه المخاطر على سبيل المثال الكيماويات التي نستخدمها في حياتنا اليومية. من هذه الأشياء، المنظفات الصناعية والمطهرات والمذيبات العضوية وهي كلها من المواد السامة التي يجب وضعها بعيدًا عن متناول الأطفال. هناك كذلك الكيروسين والذي ما يزال يُستخدم في بعض المناطق الريفية كوقود والذي يتسبب في العديد من حوادث التسمم في الأطفال، والتي تستدعي عناية فائقة بعلاجها نظرًا لخطورة هذا السائل على الجهاز التنفسي (عادة ما يحاول الآباء حض الطفل على إرجاع ما في جوفه مما قد يتسبب في وصول هذا السائل للرئتين مسببًا التهابًا رئويًا حادًا)، وهناك كذلك المواد الكاوية والمستخدمة في غسل الملابس مثل الكلور والبوتاس، والأخير من أشد المواد فتكاً بالجهاز الهضمي وبالتحديد المريء، فحين يتناولها الأطفال على سبيل الخطأ تسبب تآكلاً في المريء مما يستدعي في كثير من الأحيان إجراء عمليات ترقيع للمريء. ولا يقتصر الخطر على هذه المواد الكيماوية، فكما نرى فإن معظم هذه المخاطر يكون ضحيتها الأطفال إلا أنه في كثير من الأحيان تحدث أخطار من المواد الكيماوية في الأطفال والكبار على السواء؛ فمثلاً الأدوية الطبية والتي من الطبيعي أن يصفها الطبيب لعلاج حالة مرضية ما، ويتم تحديد الجرعة العلاجية حسب الجنس والوزن والسن والحالة الصحية، قد يحدث سوء استخدام لهذه الأدوية مثل: تجاوز الجرعة العلاجية، أو تناول الدواء بمعدل أكثر من المسموح به، كذلك هناك نوع من سوء استعمال الدواء مثل: مشاركة الآخرين في تناوله، حيث إن كون هذا الدواء يعالج مريضًا ما لا يعني بالضرورة أنه يعالج الآخرين، ونحن نعرف تمامًا ما يحدث في مجتمعنا من سوء استخدام للدواء، حيث تحول كل إنسان تقريبًا إلى طبيب يصف الدواء لنفسه ولغيره على السواء. ومن أكثر العقاقير التي نسيء استخدامها والتي تعد شديدة الخطورة على الإنسان البالغ فضلا عن الأطفال إذا وقعت في أيديهم، المهدئات والمنوِّمات وأدوية علاج الاكتئاب، كذلك المضادات الحيوية والتي لم تعد قادرة - نتيجة سوء استخدامها في حياتنا اليومية- على القضاء على الميكروبات المعدية كما كانت في السابق؛ مما أدى لنشوء العديد من هذه الكائنات الدقيقة لا تستجيب لهذه المضادات. من المواد الكيماوية أيضًا التي نتعرض لها في حياتنا اليومية المواد الملونة مثل التي توضع على الحلوى (مثل حلوى المولد النبوي وغيرها) وكثير من هذه المواد الملونة يعد بالغ الخطورة على الصحة؛ لذا ننصح عند استخدام هذه الأشياء (كما هو الحال في تلوين البيض كما هو الحادث في أعياد الربيع) باللجوء لمكونات الطبيعة مثل البنجر والكركم والكركديه وغيرها. من الأمور الخطيرة والتي يجب التنبيه إليها أيضًا عدم ترك أقراص الدواء الملونة في متناول الأطفال؛ لأنه من المعروف أن هذه الطبقة الملونة للأقراص تتكون من مواد سكرية؛ ولذا عند تناول الطفل لهذه الأقراص يعتقد أنها من الحلوى مما يؤدي لحدوث أضرار جسيمة عند ابتلاع هذه الأقراص. من الظواهر السيئة والتي تساعد على سوء استخدام المواد الكيماوية بالمنزل وضع هذه الكيماويات في غير عبواتها الأصلية، مثل وضع المنظفات والمطهرات في زجاجات المياه الغازية أو زجاجات مياه الشرب. كذلك من العادات السيئة إلقاء الدواء في سلة المهملات بدلاً من وضعه في كيس محكم الإغلاق، وإعطائه لأقرب صيدلية للتخلص منه بطرق صحية سليمة.
ومن الأمور البدهية، أنه يجب على الآباء وضع المواد الكيماوية في أوعية محكمة ولصق بطاقة صغيرة عليها تدل على محتوياتها؛ كي نتفادى حدوث حالات التسمم العارض، كذلك وضع هذه الأوعية والزجاجات بعيدًا عن الأطعمة والمشروبات، وخاصة إذا كان من بين هذه الكيماويات مواد شديدة الخطورة مثل: سم الفئران أو المبيدات الحشرية.
مما سبق نرى أن سوء استخدامنا لكثير من المواد الكيماوية واللازمة لحياتنا اليومية قد يعود علينا بعواقب وخيمة من الممكن أن نتجنبها إذا ما اتبعنا أساليب الوقاية العلمية والصحية السليمة. وأخيرًا لا ننسى الاحتفاظ بأرقام هواتف أقرب مركز طبي لعلاج السموم، إذا ما حدث مكروه
وقانا الله وإياكم شر هذه المخاطر.
د. حسام الدين عرفة
مدرس الأدوية والسموم - كلية الصيدلة/ جامعة الأزهر