انضم تاريخ عام 1899 في الذكرى المائة لصدور كتاب قاسم أمين "تحرير المرأة" إلى قائمة الأعياد.
وأقيمت احتفالية ضخمة تحت عنوان "مائة عام على تحرير المرأة" على مدى أسبوع بالقاهرة (مصر) لهذه المناسبة التي اختُتمت مراسمها يوم الخميس 28/ أكتوبر 1999 بعد أسبوع مكثف شهد أكثر من 200 بحث و60 جلسة ومائدة مستديرة بمشاركة نسوية من معظم البلاد العربية.
والملاحظ أن هذه الاحتفالية لم تتناول قاسم أمين "المحرر" بقدر ما تطرّقت إلى قضايا عديدة ومستحدثة؛ تدل على التطور الكبير الذي لحق بمذهب "التحرير".
فالمحررون والمحررات اتفقوا على ربط التقدم والنهضة بدفع المرأة إلى التمرد على التقاليد. غير أن هذا الربط فضلاً عن الضجة التي نُصبت حول ذكرى "التحرير" تُخفى في الحقيقة تاريخًا طويلاً لفرض الخطاب التغريبي على أمتنا بالقوة المباشرة أو الهيكلية، فما حدث ويحدث ليس لصالح النساء كما يزعمون، ولكنه في الحقيقة يحقق التبعية في الفكر والممارسة؛ وصولاً إلى العمالة الصريحة في التمويل الأجنبي من أجل فك ارتباط المجتمع بجذوره الإسلامية. ومن أهم مظاهر ذلك ادعاء تحرير المرأة والذي لا يعني سوى التحرر من الدين والأخلاق والتقاليد.
لقد بات معروفًا أن حركة التحرير أصبحت في عيدها الأخير عرجاء تنطلق من مسلّمات عاطفية غوغائية حول الاضطهاد للنساء كنوع من جانب الرجال كنوع، وذلك من أصحاب توجهات تغريبية يعتبرون أن سباحة الطالبات بأزياء البحر هي بداية مرحلة التنوير واعتبار ذلك دليلاً على اندحار الأصولية.
كما يتبنى الإعلام العالمي بالأصالة -والعربي بالنيابة- تقديم هذه الرعاية عن طريق إرسال صورة شديدة القبح للإسلام بعامة وللمرأة بخاصة، مع التركيز على صورة المنتقبة الإرهابية، وربة المنزل المقموعة، ويبعد عن الشاشة المحجبات ويخنق النور الذي أشرق في حياة الفنانات المستقيلات من البلاء المُسمى "الفن" في صورته الحالية.
في المقابل نجح المشروع الإسلامي في تخريج الملتزمات اللاتي عبرن عن النماذج الطيبة للنساء الورعات الحريصات على بيوتهن وأزواجهن ودينهن؛ ولكنه - وربما لكثرة الجبهات التي يناضل عليها - لم يلتفت إلى تخريج الداعيات الواعيات اللاتي يملكن روحًا دعوية مبادرة ورؤية علمية شاملة، وعقولاً متتبعة لأطروحات الساحة العلمانية التي تُوجّه سهامها للمرأة المسلمة.
إننا لو ذهبنا نرصد الكم الهائل من هؤلاء اللاتي يخدمن أطروحات "التحرير" (التغريب) لوجدنا صفوفًا غثائية تتلوها صفوف من الحزبيات المنظرات والأكاديميات والكاتبات والممثلات ... و ... و ... في حين لا تعد على مستوى العالم العربي ما يكفي أصابع اليد من الداعيات ذوات الروح العالية والقتالية.
ومن الأمثلة الواضحة على هؤلاء الداعيات نموذجان فاح عطرهما وشاع ذكرهما بعد أن تمسكا بالإسلام، فمنه انطلقا، وبه حققتا ذواتهما وهما - الداعية "زينب الغزالي" والمفكرة الراحلة "عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ" نموذجان في مشاركة المرأة المسلمة في الحقل العالمي للثقافة على المستوى الميداني العملي بالنسبة للأولى، وعلى المستوى النظري بالنسبة للثانية. ولا نسعى للمقارنة بينهما بقدر ما نذكرهما على اعتبار أنهما "رد مفحم" على كل التيارات الأخرى التي حاولت ربط تخلف المرأة بالإسلام، فضلاً عن أنهما نتائج مرحلة "التحرير" التي دفعت البعض لليأس والاعتقاد بأن الدور الرسالي للمرأة قد تراجع.
فتجربة "زينب الغزالي" على صعيد الممارسة تزامنت مع تجربة المفكرة والعالمة الجليلة "عائشة عبد الرحمن" التي اهتمت بالدراسات القرآنية واللغوية، واستطاعت بمؤلفاتها أن تفتح آفاقًا منهجية ومعرفية قيمة للباحثين، وتمكنت بجرأة عالية وهمّة من تبوُّء مكان بين الرجال الأفذاذ في ذلك الزمان.
إنهما حقًا نموذجان تجاوزا مسألة "السطحية والوهمية" من "تحرير الأنثى" إلى مسألة أعمق هي تحرير "الإنسان" انطلاقًا من المجتمع الذي عاشتا فيه، وبما أن عملهما خالص وصادق فقد وصل إلى بقاع عديدة من العالم الإسلامي.
فمتى نسمع مدرسة لتخريج الداعيات "الغزاليات" و "عابدات الرحمن"؟!