English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

ذكرياتي في المدرسة الفرنسية

د. نعمت عوض الله


حين أذاع التلفاز أغنية فيروز "ليلة عيد" بنغمتها المعروفة بدأت لاإراديًّا أرددها معها، ولكن كما كنا نغنيها بالفرنسية ونحن صغار.. أسعد جدًّا بترديدها كاملة وأشعر بالثلوج البيضاء من حولي وكأني أرقص حول نار المدفأة للاحتفال بعيد الميلاد بجوار الشجرة المزينة..

ثم أرد نفسي بسرعة وأقول لها: ما هذا الذي أدندنه.. هل انتهت الأغنيات والنغمات حتى أحتفل بالميلاد.. في تاريخ الأوروبيين؟

لا تظنني شابة صغيرة تسعد بالأعياد ومباهجها، بل أنا أخطو بثقة نحو سن الخمسين. ولكن ماذا تفعل في ذكريات زُرعت منذ الطفولة في أغوار النفس، وفشل في انتزاعها سنوات طويلة من صحوة الانتماء الديني والعربي والإسلامي.

أذكر حين كنت في الثانية الابتدائي أني قمت بطفرة تفوقية غير مسبوقة، فجاء ترتيبي بين الأوائل لأول مرة.. فما ظنكم كانت مكافأتي من مدرستي التي كانت راهبة شابة في العشرينيات من العمر -وقد أصبحت مثلي الأعلى وقدوتي لفترة طويلة-لقد جعلت مني بابا نويل أو سانتا كلوز.. اصطحبتني إلى مخزن لم نكن نعرف عنه شيئًا، وتخيل معي كمية الإثارة في نفس طفلة عمرها بالكاد سبع سنوات.. وارتديت الملابس الحمراء والذقن والشارب وطفت أقدم الهدايا لزميلاتي .. وهن يغنين بالفرنسية "ليلة عيد".. وتمر الأيام ويكبر معنا الاحتفال.. ويصبح منافسة بين الفصول أيهم سيفوز بلقب "فصل العيد" وكم طفت على قدمي شوارع وسط المدينة- وأنا من ساكنيها- باحثة عن تمثال صغير لكهف العذراء مريم والخراف وخطيبها الراعي.. وكم غزلت صلبانًا بالخوص وزينت أجراسًا بفروع الشجر، وللحق فقد فزنا بلقب فصل العيد أكثر من مرة..

تسألني عن عيد الفطر  لا أذكر من طفولتي سوى الكعك؛ لأننا لم نكن نبتهج به في أي مكان.. ولست أدري هل المدرسة تسبق البيت فعلاً في التأثير، أم ماذا.

تسألني عن الأضحى.. عفوًا كان أكثر مللاً؛ لأنه غالبًا في تلك الرحلة من الزمن كان يتزامن مع الفصح حيث البيض الملون والكتاكيت والزينة..

تعلمت منذ صغري معنى صيام النصارى، ولم يكلف أحد خاطره أن يشرح لنا فضائل رمضان.. حتى إنه من الطرائف أن مدرسة اللغة العربية حتى الصف الثالث الابتدائي كانت مسيحية.. "مدموازيل روز".

هل تشعرون أنني نادمة على ذكرياتي؟

للأسف.. أبدًا.. أحاول بجهدي أن أحجمها.. ولكنها في قلبي وفي كياني.. قد أغير حاضري أو أخطط لمستقبلي، لكن كيف ألغي الماضي والذكريات؟ كيف أمحوها؟ وهل يعيش إنسان بدونها؟؟

لن أقول: إنهم "أجبرونا" على صلاتهم.. ولكننا كنا نحفظها عن ظهر قلب.. وسط عائلتي كنت الوحيدة التي تشير بعلامة الصليب بسهولة ويسر ودون هذا الفزع الذي يظهر في عيون قريباتي.. ففي الثانية عشرة ظهرًا يوميًا يدق جرس الصلاة ويقف الفصل كله احترامًا.. وتصلي زميلاتنا المسيحيات.. وحسب نصيحة الراهبة: "قلن أي حاجة من دينكن وأنتن واقفات".. واعتدنا أن نتمتم بالفاتحة بالإخلاص، بالدعاء.. وأحيانًا بالصمت..

هل لفت نظرنا أحد إلى فداحة ما نفعل؟ نعم.. حين وصلنا إلى الصف الأول الثانوي.. رزقنا الله أستاذًا للغة العربية.. إن كان حيًا أو لقي وجه ربه فليجازه الله عنا كل خير. ولو أراه أقبل يديه وقدميه على ما أسداه لنا من معروف" أستاذ محمد دكروري" انزعج الرجل لقيام الفصل دفعة واحدة بدون إذن للخروج، فتقدمت منه بهدوء رزين وشرحت له موقف صلاة الساعة الثانية عشرة، وصمت الرجل.. ووقف يرقبنا ثم أكمل شرح درس اللغة العربية وفي أول حصة دين إسلامي يقابلنا فيها.. ألقى في وجوهنا المعنى الحقيقي لما نفعل وغسل بالعقيدة أدران العادة التي شببنا عليها.. فهل جاء اليوم الذي يذكرنا فيه جرس الكنيسة نحن المسلمات بالصلاة، ويكون هو النداء الذي نتوقف من أجله عن العمل، بل ونقرأ قليلا من القرآن.. والثانية عشرة ظهرًا في الشتاء تسبق الأذان أو تلحقه وليس منا من يهتم .. "إنكن مسلمات  يا بنات، ولكن كل الفخر" قال الأستاذ.. وهذه كانت البداية لما أنا فيه الآن.. وترك ما تركته..

أصابني كلامه بمرارة.. مرارة الإحساس بالغباء، وأنه تم استغلالي.. وكان ذلك كاشفًا لمعان أخرى كثيرة.. لقد كنت واحدة من أوائل الصف.. وفي لجنة الإذاعة.. والصحافة والمكتبة  كنت لاعبة بفريق ألعاب القوى في المدرسة ثم بفريق كرة اليد، وقد تم انتخابي أو تكليفي أمينة اتحاد.. وكل عام تشير إليّ ناظرة المدرسة – وهي  راهبة- أنا آسفة يا "نيمات" – هكذا كانت تنطق اسمي- لن أستطيع أن أختارك فتاة المدرسة المثالية أنت رائعة في كل شيء، ولكن مشاغبة جدًا وكثيرة النقاش… وكنت أبتسم سعيدة كالبلهاء وأصدقها فأنا فعلاً كثيرة النقاش ولا أقنع بالمواقف السلبية.

ولكن حين التفت ورائي أتساءل: هل الطالبات المثاليات لا بد أن يحملن دائمًا صليبًا على الصدر؟!!

حتى وضعي كأمينة لاتحاد الطالبات .. لقد فوجئت به .. فلا ترشيح ولا انتخاب ولا أعرف له معنى ولا هدفًا؛ لأن وكيل المدرسة جاءني يومًا يقول: أنت كذا.. وهناك اجتماع في كذا.. ماذا أفعل؟ فإذًا ماذا أقول؟ قال لي: لا شيء، فقط اذهبي إلى هناك… وذهبت.. على  ما يبدو اتقاءً للقيل والقال في المناطق التعليمية .. كان اختياري في زمن عبد الناصر.. حيث لم يكن للأجانب، ولا يجب أن يكون لهم صوت يعلو ضد الكرامة الوطنية.

هل أخبركم عن حادثة أحرقت قلبي.. وأحرجتني وجلت لعيني الحقيقة التي كنا لا نراها لفرط التأثر بالحياة بين الراهبات وتربيتهن.. بعد تخرجي من المدرسة والتحاقي بكلية طب القاهرة – وكنا أربعة فقط من المدرسة – في أحد الأيام في الجامعة وجدت زميلاتي من مدارس الراهبات الفرنسية الأخرى يسأل بعضهم بعضًا شبابًا وآنسات عن دعوة وصلت من المركز الثقافي الفرنسي للتبادل العلمي.. وكانت قد وصلت للبعض، ولم تصل لآخرين.. وسرى المعنى أنها دعوة عامة موجهة لخريجي المدارس الفرنسية والذين التحقوا بالكليات العلمية للاستفادة من التبادل العلمي المصري الفرنسي.. وساءلت زميلات المدرسة فأجابت اثنتان منهن أن الدعوة وصلت .. وبدون أي تردد أو تفكير عزوت عدم وصول الدعوة إلى أي سبب إلا- والله -إلا سبق الإصرار والترصد..وظللت أحتفظ بحسن الطوية.

وذهبت إلى الحفل.. وعلى الباب كانت هناك وريقات خاصة بكل مدرسة وأسماء طلبتها ليوقعوا بالحضور..

تصوروا .. لقد غلبتني دموعي وأنا أكتب لكم الآن.. اليوم بعد سبعة وعشرين عامًا من هذا الموقف أمسكت بورقة مدرستي وأنا أحيي أصحابي وأبتسم ولم أجد اسمي.. ولا اسم زميلتي المسلمة الأخرى طالبة الطب –أنا.. أنا التي ولدت على أعتاب المدرسة ودخلت الفصل ما قبل الحضانة وعمري ثلاث سنوات..

أربعة عشر عامًا أتربى في هذا المكان – أحبه بكل قلبي، فهو بيتي الأول.. وأصحابي .. ومعلماتي.. أحببته بكنائسه وتماثيله الكثيرة والصليب الكبير وسط الفناء.. أحببته ولكنه لفظني ولم تكن رعايته لي إلا لاستفادته مني.. ومن تفوقي.. ومن نشاطي ..أما ما عدا ذلك.. فلم يكن اسمي بين خريجات المدرسة..

واحتج الواقف على الباب وحاول منعي من الدخول.. ولكنه أمام صياح الزملاء والزميلات بأنني كنت طالبة في مدرسة فرنسية وأني زميلة فلان وفلانة.. أسقط في يد الشاب.. وطلب مني أن أكتب بياناتي؛ لأنهم سيراسلوننا ليرسلونا إلى فرنسا للتمرين وكتبتها .. ولكنني لم أسمع عنه بعد ذلك.. ولم يصلني منهم أي شيء ولا من المدرسة.. وعرفت أن زميلة لي سافرت على نفقتهم ثلاث مرات في ثلاث سنوات متتالية للتعلم والتدريب..زميلة لها خصائص ..أخرى.

هل تسألوني لِمَ لمْ أعد إلى المدرسة وأسألهم عن سبب ذلك؟ لقد ذهبت.. ولكني لم أستطع أن أسأل أحدا عن شيء فقد ذهلت الراهبة الكبيرة حين رأتني وزميلتي بالحجاب، وأنهت اللقاء قبل أن يبدأ حتى قالت متهكمة رغم أنها ترتدي تقريبًا نفس الزي الذي يغطي البدن:

" هل ستعملين في الطيران وهذا هو الباراشوت !!"..

عفواً لقد أطلت.. وكلما أخرجت قصة.. وجدت أخرى تجري بعدها.. ولتسامحني نفسي الأبية.. وكبريائي الكريم.. فرغم كل هذه المعاملات الاضطهادية المغلفة بالابتسام …  لم أستطع أن أنتزع حب فرنسا واللغة الفرنسية من القلب.. ووالله أنا إنسان أعتز بديني  ولست بذليلة، ولكن نشيد الصباح: هناك شمس على فرنسا، وما بقي بعد ذلك لا يهم

Il ya du soleil sur la France

et le reste n’a pas d’importance

نشيد يجاور في قلبي تحية العلم وطابور الصباح الذي كان يصعد إلى الفصول على أنغام: وطني حبيبي، يا اللي ترابك .. كحللعيني.

 

اقرأ في نفس الباب:

حكاية عزة..عندما تتحول أسرة إلى كتيبة مقاومة

محامي عزة : الطالبة من حقها التعبير عن انتمائها الديني

 

  طالع بقية موضوعات أب وأم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

  

 

 

حواء وآدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع