قل
لي كيف تقضي وقت فراغِك؛ أقل لك من أنت.
فاختيارات
الإنسان لا تظهر فقط في أوقات الجد والعمل، بل
تبرز كذلك وبشكل أكثر وضوحًا في وقت الفراغ؛
فالبعض يقضي هذا الوقت ممددًا على الأريكة
أمام التلفاز يستهلك ما يراه بصريًّا،
ومستقبلاً لكل ما يلقى في عينه ورأسه، ناهيك
عن محتوى ما يراه.. أمام
إرسال حكومي يلهث وراء منافسة الفضائيات
بمزيد من الإباحية والخلاعة وكشف مساحات أوسع
من أجساد النساء، أو إرسال طبق فضائي اختار
صاحبه أن يضبطه على القنوات الغربية والشرقية
التي تعرض أفلام الجنس وتزودك بأرقام هواتف
العاهرات في بلدك كي يمكنك الدفع بالعملة
المحلية والاستمتاع بالولاء القومي.. واللذة..
معًا!!
البعض
الآخر يقضي وقت الفراغ في الشارع، وهذا
الاتجاه "الشوارعي" اتجاه نامٍ في
عالمنا النامي، وينقسم إلى أحزاب وجماعات..
حزب السائرين بدون هدف، وحزب السائرين وراء
الفتيات عسى أن تقع فريسة في الشبكة، وحزب
الجالسين، وهذا بدوره ينقسم إلى جماعة
الجالسين يُدَخِّنون النرجيلة (الشيشة) التي
انتشرت كالوباء في مجتمعات كثيرة، وجماعة
الجالسين في المطاعم كل يوم في مكان سعيًا
وراء شهوة البطن وما أهمها من شهوة..طعام شامي،
صيني، مغربي، يمني.
البعض
الآخر استغنى عن الطعام والمشي والنرجيلة
بالصاحب المقرب الذي يفصل الإنسان عن كل ما
حوله وهو جهاز الكومبيوتر ليفتح شبكة
العنكبوت، وليته يسعى بحثًا عن معلومة أو
سعيًا وراء معرفة جديدة، بل ليدور في دوائر
المواقع الجنسية ما بين مواقع "عادية"
ومواقع للشواذ والجنس الجماعي، فيكتفي
بالصفحة الرئيسية أو القليل المعروض مجانًا
إذا لم يكن من أصحاب الـ "كريديت كارد"
ويستطيع أن يدفع.. بالتي هي أسوأ.
قطاع
واسع من البشر في العالم العربي تعرفهم أيضًا
من وقت فراغهم.. هم الكادحون في الأرض، وهم في
الحقيقية ليس لديهم وقت فراغ.. والوقت الذي
يستريحون فيه من العمل الأصلي والعمل الإضافي
الذي بالكاد يسدُّ احتياجاتهم هو وقت النوم..
ومسألة
وقت الفراغ هذه لها أبعاد سياسية هامة، فهناك
ضبط وربط تمارسه الأنظمة في هذه المساحة،
فهناك وقت فراغ مشروع مثل كل ما سبق، وآخر غير
مشروع إذا كان يؤدي إلى: مشروع واعٍ.
لا
تفكر في قضاء وقت الفراغ في المسجد مثلاً..
فالمساجد مراقبة وهي مكان للصلاة فقط (لا
تجادل!)، وعليك أن تفرَّ منها بعد الصلاة قبل
أن يتم إغلاق بابها فتحبس بالداخل أو تواجه
تهمة لا يعلم عقوبتها أحد.. بحسب الظروف
والأحوال.. ومزاج المحقق.
الديمقراطية
أيضًا مرتبطة بوقت الفراغ.. فالديمقراطية
تتطلب متابعة للأحوال العامة، ونقاش مع
الآخرين بشأنها، ومشاركة في المجتمع المدني
وفعالياتها، وتضافر الجهود للدفاع عن مصالح
أو تمثيل رؤى، ومتابعة ما يجري والتفاعل معه..
وكل هذا يحتاج لوقت.. وأزمة الديمقراطية
الغربية الآن وضعف المشاركة في العمل السياسي
-التي توضحها الأرقام- توضح أن الناس ليس
لديهم وقت لهذا، فآلة الرأسمالية تستهلك
قواهم في عمل شاق ساعات طويلة، وكل ما يبقى
بعد العودة للمنزل في آخر اليوم هو عقل مجهد
وجسد مرهق يستلقي على الأريكة أو يجلس أمام
الـ "نت"؛ فينفرد بالسياسة النشطاء من
المخلصين، أو المحترفين(لقمة العيش) ، أو لوبي
الجماعات المدافعة عن مصالحها كالشواذ
واليهود.. وتدار الأمور لصالح من يملكون المال
والسلطة لأنهم ببساطة لديهم: وقت.
وقت
الفراغ أيضًا يقسم الناس ويحدد الهوية، فالذي
يقضي وقت فراغه في عطلة نهاية الأسبوع في حانة
والذي يقضيه في المسجد القريب هل يمكن أن
نضمهما معًا في إطار مواطنة واحدة؟! أم أن
كلاًّ منهما ينظر لجاره باعتباره: الآخر/العدو/الغريب!
ويصبح عندئذ الذي يذهب للكنيسة – رغم
اختلاف الدين – أقرب
لمرتاد المسجد من زائر الحانات والحوانيت
الذي مكتوب في خانة الدين في البطاقة أنه من
نفس العقيدة ؟!
إن
الطبقية والأيدلوجية وغيرهما من المفاهيم قد
تصلح للتحليل السياسي والاجتماعي، وتشرح
وتفسر مسيرة التاريخ.. والآن لدينا وحدة
تحليلية جديدة وكاشفة هي: وقت الفراغ.
قل
لي كيف تقضي وقت فراغك؛ أقل لك من أنت!