|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
الصيف في غربتنا بقلم: نوال السباعي/ أسبانيا الصيف
في غربتنا، مؤلم وثقيل وكريه، الصيف في
غربتنا شجون وهموم ومنون، يأتينا كل عام
بالعجائب، ويكشف أمام ناظرينا ساحة الواقع
الذي نعيشه نحن العرب، ويتركنا وجهًا لوجه
أمام حقيقة أوضاعنا الاجتماعية والفكرية
والثقافية أولاً، ثم الاقتصادية والسياسية
بعد ذلك. أصناف
الناس فالعرب
في بلاد الغربة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام في
فصل الصيف، المغادرون، والقادمون، والمقيمون
كالأشجار لا يبرحون، فأما العائدون الآيبون
إلى أوطانهم كل عام كما تعود الطيور إلى
مواطنها بعد مواسم الهجرة، فمنهم المغادرون
إلى الشرق ومنهم العابرون للجنوب الأوروبي
نحو بلاد المغرب العربي، مجتازين "جبل طارق"؛
إذ يطلق رسميًّا على هذه الرحلة الصيفية التي
تتم كل عام ذهابًا وإيابًا عبر الأراضي
الأسبانية بين الـ15 من يوليو تموز والـ 15 من
سبتمبر - أيلول، "عملية العبور"، حيث
تستنفر جميع أجهزة الأمن الأسبانية بدءاً من
فرنسا، ومرورًا بطرق السفر السريعة التي
تخترق أسبانيا من الشمال إلى الجنوب، وانتهاء
بميناء "الخثيرة" - الجزيرة الخضراء" -
آخر نقطة من الحدود الأسبانية على المضيق
الذي تشرف عليه بميناء "كادث" - قاديش - ،
فترى - ومنذ اليوم الأول لدخول فصل الصيف -
عشرات الآلاف من السيارات الصغيرة والكبيرة
المحشوة بالمهاجرين المغاربة القادمين من
جميع أنحاء أوروبا لزيارة الوطن والأهل، ومن
ثم العودة وعلى نفس الطريق نحو المهاجر التي
جاءوا منها... إذا لم يحصل لهم ما يكرهونه من
حوادث يتركون فيها حياتهم على ذلك الأسفلت
الواصل بين الوطن والغربة. أكوام
بشرية مكدس بعضها فوق بعض، نساء ورجال
وأطفال، وكبار وصغار يحملون همومهم وآمالهم،
وجباه عالية مضيئة بنور خاص، وعيون كبيرة
ترنو نحو الجنوب بأهداب شمالية، ووجوه
السمراء ينتعل أصحابها أشهر "ماركات"
الأحذية الرياضية الأوروبية، وآباء في منتصف
العمر يرددون "اللهم إنّا نعوذ بك من وعثاء
السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب...... بينما
أولادهم من الشباب قد انهمكوا في سماع "ألخاندرو
سانث" و"ألباك ستريت بويز"، وسيارات
تئن تحت ثقل الهدايا والأثاث والأدوات
الكهربائية، وكل ما يمكن للمرء أن يحمله في
سيارته الخاصة لدى عودته كل عام إلى بلاده. السيارات
تغص بالبشر، فالمغاربة على خلاف خلق الله في
عالمنا هذه الأيام يتمتعون بكرم لا يمكن لك أن
تشهد له مثيلًا عند أي شعب آخر، فالكرم لا
يحسب للغني إذا أعطى شيئًا مما يملك، ولكنه
يعرف للمُقِل الذي يهبك ابتسامته ويشركك في
طعامه ويجعل مقامك معه في بيته أو في السفر
سهلاً، فلا تشعر إلا وكأنك واحد من أهله، وهذا
الكرم هو الذي يجعل تلك السيارات تكتظ إضافة
إلى أفراد العائلة بالعم وابن الخال وصديق
الأب وابنة الجارة الفرنسية التي جاءت مع
صديقتها لزيارة المغرب، وابنة جارة أخت خالة
الجارة التي تعرف الأم وكانت قبل ثلاثة أعوام
تقطن في نفس الدار التي يقطنها اليوم والد
زوجة ابن بنت عم "الخالتو" الفرنسية
المسلمة!! وهذا
ما يجعل الأسبان يغتاظون أشد الغيظ، فهم لا
يفهمون كيف يستطيع "هؤلاء الموروس"
العيش "في مجموعات بشرية معقدة إلى هذه
الدرجة، ولكن غيظهم لا يقف عند ذلك فحسب، فهم
يغتاظون من لباس المغاربة ومن لهجتهم ومن
أصواتهم العالية ومن النعمة التي تبدو على
وجوه العائدين منهم كل صيف إلى بلادهم، وكذلك
يغيظهم وقوف المهاجرين في المحطات للتزود
بالوقود والماء والغذاء، وذلك على الرغم من
أن هذه المحطات تبتز العابرين إلى درجة أصبح
فيها ثمن هذه المواد الأولية وأقل ما يقال فيه
أنه سرقة !!، ولعلهم أن يستنجدوا بقوى الأمن إن
وقفت السيارة فنزل منها رب الأسرة فتوضأ بماء
القوارير التي باعوه إياها وصلَّى وتمدد على
سجادة الصلاة؛ لينال قسطًا من الراحة قبل أن
يتابع رحلته سيئة المنقلب هذه، وما فتئ
الأسبان يشتكون المغاربة في نشراتهم
الإخبارية وفي نواديهم وصحفهم، ولو استطاعوا
منعهم المرور في أراضيهم لفعلوا متناسين
الأموال الهائلة التي تدرها عملية العبور هذه
– سنويًّا – على قطاع خدمات المسافرين وحسب
تقارير الدولة الرسمية. الحشر فإذا
ما وصلت القوافل "قاديش" وما أدراك ما
"قاديش"؟ حيث تحط القوافل أثقالها
لتستقل السيارات عبّارات المضيق… رأيت هناك
الأهوال بانتظار الآتين لزيارة أوطانهم في
بلاد المغرب العربي، هناك تتكدس السيارات
بالآلاف تحت شمس قائظة وحر قاتل وخدمات صحية
مخزية توفر لكل عشرة آلاف إنسان حمام واحد،
ويقف الناس بسياراتهم في طوابير الحشر
الجهنمي الأسباني الجنوبي في انتظار أدوارهم
لصعود البواخر، وفي صبر عربي مثير للدهشة
والجدل، وقد يمتد الانتظار إلى ثلاثة أيام…
فتارة تباع للناس بطاقات عبور مزورة فيمنعون
من المغادرة في انتظار التحقيق، وتارة عطل لا
يصيب العبّارة إلا في هذه الأيام من كل عام،
وتارة إضراب فجائي يعلن عنه عمال الموانئ،
فلا عجب أن اتهمت جمعيات العمال المغاربة
الأسبان بتدبير هذه العراقيل؛ لإرغام
العابرين على المكوث في الموانئ وما يعود به
ذلك عليها من عملة صعبة وتحريك مذهل لتجارة
أسواقها الراكدة بقية مواسم العام،
فالإصابات القلبية والجلطات الدماغية بين
كبار السن، ووفيات الأطفال المواليد وضياع
الصغار الذين تشويهم حرارة السيارات
فيتجرءون على الخروج منها، وآلاف الإصابات
بضربة الشمس أو الحروق الجلدية والإسهالات
والعصاب النفسي، كل ذلك ما كان يحرك أحدًا حتى
بدأت الأحوال بالتحسن بعدما أنذرت الخطوط
الجوية الفرنسية بتقديم خدمات منخفضة
التكاليف لرعاياها من المغاربة الأصل توفر
عليهم كآبة الرحلة عبر الأراضي الأسبانية. هناك
على طرف المضيق تشهد حوار الحضارات وصدامها
وتجاذبها وتنابذها وانصهارها وتعايشها
وتدابرها وتمايزها بأبسط وأعقد أشكاله،
وبأبهى وأقبح صوره، وبأظهر وأخفى دقائقه،
هناك في تلك النقطة التي وصلها "طارق بن
زياد" - رحمه الله - مجاهدًا في سبيل الله
فاتحًا الأندلس التي لفظت فيما بعد بناة
حضارتها تلك، وذبحتهم واستأصلت وجودهم،
وأحرقت تاريخهم واجتثَّتهم من تاريخها
وأسقطته من اعتبارها، لكنها لم تستطع على
الرغم من ذلك كله أن تنخلع من الدور الحضاري
الذي أولاه لها طارق وجنده، فبقيت نقطة عبور
من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال،
نقطة لقاء عوالم الوفرة والندرة، عوالم
الحرية مع عوالم القهر والذل والفوضى
السياسية والاقتصادية التي ما زالت تدفع
الكثيرين إلى الانخداع بالأحذية المطاطية
الرياضية وبالسيارات الفارهة التي تحمل
العائدين كل عام إلى بلادهم، وتغري الشباب
بالقيام بمغامرة الهجرة الصيفية في زوارق
الموت المتسللة تحت جنح الظلام نحو أسبانيا
بوابة المتطلعين إلى عوالم الشمال المزركشة
البرّاقة ولو كان في تلك المحاولات حتفهم. الوجه
الآخر: بوابات الموت.. غير المشروع الصيف
موسم إخباري ممتاز تركب فيه جميع وسائل
الإعلام الأوروبية موجة الحقد على المهاجرين
الغرباء، وعلى رأسهم أولئك القادمين من
العالم العربي والإسلامي؛ لتعمق في قناعات
الرأي العام الأوروبي ما كانت تزرعه في صبر
ودأب يومًا فيومًا قبل أن يحل فصل الصيف، حيث
الأخبار شحيحة والسواحل تنتشر فيها جثث
المهاجرين، التي يلفظها ذلك البحر الغادر
الذي كانوا قد استودعوه آمالهم وأحلامهم،
ووضعوا القليل الذي يملكونه في ها تيك
القوارب الخشبية ويمَّموا شطر أسبانيا بوابة
أوروبا نحو عوالم الحرية والعمل والحب والأمل!. ما
إن يبدأ فصل الصيف حتى يصبح الحديث عن قوافل
المهاجرين المتسللين بصورة غير مشروعة وتحت
جنح الظلام كل ليلة، خبز الناس الذي
يتناولونه مع قهوتهم الصباحية، فعصابات
المافيا التي تتاجر بالمهاجرين، تنشط مغرية
الأفارقة - والمغاربة منهم على وجه التحديد -
بالإقدام على عبور مياه المضيق الهادئة
نسبيًّا في هذا الفصل من كل عام، خاصة وأن
دعايات عريضة كانت قد ترددت هذا العام عن
التعديل الجديد لقانون الهجرة في أسبانيا،
مما جعل الشواطئ تشهد ما دعته وسائل الإعلام
الأسبانية "غزوًا منظمًا للبلاد"......
وذلك عن طريق كل من مضيق "جبل طارق"، أو
ميناء "طريفة" على الجنوب الشرقي
لأسبانيا أو عبر المياه الفاصلة بين الأراضي
الصحراوية المغربية وجزر الكناري الملاصقة
لها، فلقد أقلت "قوارب الموت" ومنذ
مطلع يونيو - حزيران هذا الصيف أعدادًا هائلة
من المهاجرين وبمعدل سبعين إلى ثلاثمائة
مهاجر يوميًّا، يصلون الشواطئ الأسبانية
بقواربهم الخشبية الصغيرة تلك، المكتظة ببني
البشر الذين كان معظمهم قد باع كل ما يملك في
محاولة منه لعبور بوابة الجغرافيا هذه ليكتب
التاريخ هذه المرة بالمقلوب، بَذْل ذليل،
ومعاناة مريرة ، طمعًا في الوصول إلى
أسبانيا، ومنها إلى أوروبا أملاً في فرصة
حياة يظنونها أفضل في بلاد انخفضت فيها نسبة
الولادات إلى درجة أصبحت تهدد بانهيار نظامها
الاقتصادي- الاجتماعي، بعد أن لعب تحديد
النسل فيها دورًا رئيسيًّا في ازدهار هذا
النظام خلال الأعوام الخمسين الأخيرة ، مما
دفع بعض الحكومات الأوروبية لفتح باب الهجرة
الانتقائية التي تسمح لها بأخذ حاجتها من (قطعان)...
اليد العاملة المهاجرة، والتي منحها القانون
المذكور المعدل في أسبانيا حق الإقامة والعمل
والتعليم والعناية الصحية الكاملة، مقابل
نزع جميع الحقوق السياسية - الاجتماعية التي
كان المهاجرون يتمتعون بها من قبل في
أسبانيا؛ إذ حظر عليهم حق التجمع وتشكيل
جمعيات سياسية أو أهلية ومنعهم حق الإضراب
والتظاهر، وهي حقوق إنسانية أساسية اعتبرتها
أوروبا – ودائمًا – جزءاً لا يتجزأ من
مفخرتها الديمقراطية التي تتميز بها عن بقية
بلاد الله، حيث يعامل المهاجر معاملة
المخلوقات الدنيا، والتي لا يستحي رجالاتها
من القول وفي فضائيات بلادهم: "إن الله قد
سخر هؤلاء البشر لخدمتهم"!!!. لا
يحبون من هاجر إليهم قصة
المهاجرين مع الهجرة قديمة معروفة..... لم يعرف
التاريخ قومًا يحبون من هاجر إليهم إلا في
المدينة المنورة، قصة المهاجر في غربته
عتيقة، طالما جعلت الجروح والأقلام تنزف
ألمًا ومعاناة وحنينًا وتجارب إنسانية، لم
تُثْنِ على قسوتها أولئك القادمين من بعدهم
على دروب الهجرة، عن عزمهم على البحث الدؤوب
عن غد أفضل لأولادهم، كما لم تحمل الناس على
الصبر على ذل وظلم أوطانهم، كذلك لم تعلم ها
تيك الشعوب المكوث ومعاناة التغيير ومحاولة
حفر بئر في الأرض يسقي العطشى بانتظار المطر. ما
فتئت قوافل المهاجرين تتقاطر على السواحل
الأسبانية، وما زال البحر يلفظ – ويوميًّا -
تلك الجثث الشابة الفتية لرجال ونساء قضوا
نحبهم في رحلة الموت هذه وهم يحاولون الفرار
من جنوبهم الموبوء بالظلم، حيث يحيا الناس
الطيبون على أمل أن يحدث تغيير ما يومًا ما،
أما الشباب الذي ملَّ الانتظار فقد يمَّم
وجهه شطر شمال الآخرين، الذين ما فتئت نشرات
أخبارهم الصيفية تعرض علينا - ويوميًّا - صور
الذل المهاجر، الزاحف على أرض تحتاجه وترفضه،
تكرهه وتشفق عليه، مهاجرون سود وسمر قد سقطوا
على ركبهم يرتجفون بردًا وخوفًا وذعرًا، وقد
أحاطت بهم شرطة السواحل تصرخ في وجوههم، تحقق
في وجودهم، تستفهم عن إصرارهم على غزو هذه
البلاد التي لم يَعُد أهلها يحتملون رؤية
الجثث الغرقى، ولا ها تيك العيون المحملقة في
مستقبل لا يريدها شريكة في صنعه؛ لأنها لا
تثير فيهم إلا الخوف والرثاء، وتذكرهم بها
تيك الهجرات الجماعية الكثيفة التي نزح فيها
الشعب الأسباني نفسه نحو الشمال والجنوب
هربًا من حربه الأهلية، ومن حكم فرانكو
الديكتاتوري. زفرة إنها بعض الحقائق التي يعرِّيها الصيف كل عام فاضحًا قسوة الفروق الهائلة بين من كان مستعمِرًا - بكسر الميم - ومن ما زال مستعمَرًا - بفتح الميم - بين الشمال الذي فرغ من بناء حضارته، وبين الجنوب النازح إلى حضارات الآخرين دون أن يبذل أي جهد يذكر للوقوف على قدميه، بين عالم الوفرة وعالم الندرة الذي أصبح فيه الإنسان أرخص من ثمن تابوت يُعاد فيه إلى بلاده من حيث أتى تاركًا آماله وحدها مهاجرة في مياه المضيقات.
|
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||