ينصرف
الحديث عن التوحيد عادة إلى أركان الإيمان،
ونواقضه، والحديث عن الذات والصفات، ومقارنة
هذه العقيدة بغيرها، ويدخل تحديدًا في علم
العقيدة، أو في مباحث علم الكلام.. بَيْد أن
دروس التوحيد حقيقة أوسع من هذه الفصول
والمباحث، وقد يصيبها المرء في علوم لا يخطر
بباله أن يستقي منها الحكمة والمعرفة.
في
قراءة سريعة لبعض نظريات علم الألسنيات وجدت
هذه النظرية التي صاغها نعوم تشومسكي وتقول
في إيجاز مخلّ: إن الإنسان يولد "بفطرة"
لغوية، وإن الأطفال في سن العمر الأول يميلون
لاستخدام ترتيب الأفعال والأسماء بشكل
متشابه يتجاوز اللغات المختلفة، إلى أن تفلح
الثقافة المحيطة في "تقويم" اللسان أو
بمعنى أدق: "تهويده أو تنصيره أو تمجيسه"
قياسًا على الحديث الشريف وفق قواعد اللغة
الأم التي ينشأ عليها.
"وَعَلَّمَ
آدَمَ الأَسْمَاءَ…"
تصبح إذن ذات أبعاد جديدة.. متجددة. في جلسة
ضمت أخًا من بيشاور وآخر من لاهور وثالث من
العراق ورابع من إنجلترا وأختًا طاجيكية
وأخرى مصرية، وجدت أن كل لغة لها نطق باللسان
ومخارج للحروف مختلفة، وهو ما يجعل الحديث
بالإنجليزية من أصحاب اللسان الهندي
والأوردي بل والآسيوي عمومًا (الصيني/
الياباني) -رغم اختلاف تصنيفات اللغات في
مجموعاتها الإنسانية الأساسية - شديد التفرد..
حتى إن الإنجليز يمزحون ويسمون إنجليزية
الهنود: هنجليزي!.
ليست
المفردات والكلمات فقط هي التي تختلف من لغة
لأخرى، ولا قواعد التصريف والنحو وحسب، بل
النطق كذلك؛ لذا ما أدق الوصف القرآني: "وَاخْتِلافُ
أَلْسِنَتِكُمْ…"..
طريقة النطق ومحتواه. أما الألوان، والقبائل،
والعادات، والتقاليد، واختلافها وتنوعها
فآية أخرى لا يكف المرء عن تأملها.
زارتني
صديقة باكستانية في رفقة أسرتها، واقترحت ما
عندي من مشروبات شاي، أو عصير، أو قهوة تركية..
وكان الرد الطريف: ما هي القهوة التركية؟
وشرحت لهم (لهن)، وعلمت أن في وسط آسيا
الإسلامي والباكستان مجتمعات لا تشرب القهوة
التركية ولا تعرفها!.
أما
زيارة واحدة لمطعم ياباني أو صيني، أو زيارة
مغربي لمطعم هندي (أخبرتني صديقة مغربية أنه
لا تكاد توجد مطاعم هندية في المغرب)، فكفيلة
بأن تدلك على اختلاف الأذواق وطرق طهي الطعام
الواحد (ناهيك عن اختلاف تصنيفه: أمن الطبخ أم
من الحلوى!).
في
زفاف انعقد مؤخرًا في أحد الأسر الصديقة مضيت
أتأمل أيضًا في معجزة وآية اجتماع الأرواح
والأجساد، وكيف أن هناك سرًّا إلهيًّا في
التوفيق بين شخصين من أسرتين مختلفتين
وبنشأتين متباينتين، ثم يجتمعان، لا اجتماع
أرواح في "صداقة" أو "تعارف" فقط، بل
اجتماع أجساد وتعاشر وتناسل وإنشاء أسرة
جديدة، ثم تكيف طرف مع طباع الآخر.
وإذا
كان للمرء أن يعيد النظر فيما تعلمه في رحاب
الصحوة الإسلامية على مدى عقدين من الزمان،
ويتأمل في القضايا التي تناقش والهموم التي
يتم تناولها، ويتقرح إضافة مبحث جديد يضاف
لدروس العقيدة، فإن المبحث الذي اقترحه –
وبشدة - هو التاريخ.
وأنا
لا أقصد هنا تاريخ الرسالة: البعثة والهجرة
والفتح وحجة الوداع والخلافة والفتوح
انتهاءً –
ويا للطرافة - بالدولة الأموية.
هذا
ما كنا نقرأه بعناية ونحفظه في الوعي والقلب،
وهو أساس لفهم رسالة الإسلام.. لكنه غير كاف
لفهم مسيرة الأمة.
حتى
عندما أراد البعض إدخال البُعْد السياسي فقد
انصبَّ الاهتمام على المنهج الحركي للسيرة
النبوية، أما كيف بدأ البَوْن في الاتساع بعد
الخلافة الراشدة بين هذه السيرة وهذا المنهج
الحركي من ناحية، والخريطة السياسية وعلاقات
القوة ونشأة الفرق من ناحية أخرى، فقضايا لم
نصل إليها أبدًا، وهي القضايا الأساسية لحركة
ترى في الإسلام دينًا ودولة –
دومًا.. فتعلمنا الدين لكنها لا تناقش معنا
محنة الدولة.. محنة الداخل وإدارة الخلافات
وليس فقط محنة الخارج بالمؤامرات والاستعمار
والإمبريالية.
هذا
مبحث أراه هامًّا.. وأهميته تنبع من كون دروس
التاريخ توضح أثر التوحيد وتطبيقه على وحدة
الأمة وأثر غيابه على تفككها و"الغثائية"
التي نعانيها،فهذه القرون التي مرت: كيف
انتشر فيها الإسلام، وكيف واجه التحديات،
وكيف تولدت ثقافات فرعية آسيوية احتفظت
ببصمات الثقافات الأصلية مع اعتناقها
للإسلام والتزامها بنهج التوحيد. كيف ننتمي
إلى أمة، لكن هذه الأمة ليست كيانًا أصم بل
كيانًا عضوي حي متكامل له تاريخه وله تنوعاته
وله تجلياته في حياة الناس اليومية بشكل
مختلف.. متباين.. لكن العقيدة في النهاية تنظم
هذه الكيانات في عقد واحد كحبات اللؤلؤ..التنوع
في إطار الوحدة، والتعارف في إطار الأمة
والتدافع في إطار المشترك.
أما
الذي خسرناه حتى الآن بفقدان الأمرين فكثير..
والذي أصبناه بعقول جزئية قليل إذا قورن
بالجهد والزخم والسعي.. في مقابل الحصاد الذي
نجنيه الآن: انقسامًا، وعثرات، وآفات،
وتحديات.
في
عالم متداخل الثقافات والأديان والمذاهب
علينا أن نعيد النظر في كيفية مباحث العقيدة
لتضم نتج علوم أخرى كثيرة تغني وتثري المسلم
وتقوي إيمانه، وأن نُعَلِّم الناس أن دروس
العقيدة ليست صحفًا تقرأ.. تنشر ثم تُطوى. بل
هي دروس متجددة في كل يوم وكل ساعة، وأن آثار
التوحيد في الكون وفي الأنفس وفي الأمم ظاهرة
لكل باحث عن الحق في أي كتاب وأي علم وأي أرض
وأي لسان.