|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
العملاق والجُرْذان محمد القاسم كان يا ما كان يا
سادة يا كرام في سالف الأزمان، وما يحلو
الكلام إلا بذكر النبي عليه أفضل الصلاة
وأتمُّ السلام... هكذا كانت جدتي
دائمًا تبدأ الحكايات. كنت أنتظر بفارغ
الصبر غروب الشمس، كان الغروب معناه
حكاية جديدة من حكايات جدتي العجوز. أصدقكم الكلام
أنا لم أكن أفهم وقتها كل ما كانت تقوله
جدتي، فقط كنت أفهم حكايات السندباد
والشاطر حسن وست الحسن والجمال، وما يدور
في عالم الأساطير والخيال. وفي يوم من
الأيام كعادتي ذهبت إلى جدتي، وبين يديها
جلست، وكنا وقتها في فصل الشتاء، وشارعنا
الصغير ابتلعت بيوته الصغار. حول المدفأة
كانت جدتي تجلس، وكانت النار تلتهم
الأخشاب. وأمامها فنجان القهوة
المُحَوَّج الذي كانت تصنعه أمي لها كل
مساء. ببراءة الزمن الجميل بدأت جدتي
حديثها بالمقدمة التي سلفًا ذكرتها، كان
حديثها هذه المرة مختلفًا عن حديثها كل
مرة، حتى صوتها تغيرت نبراته، تلك
النبرات التي طالما عاهدتها. كانت جدتي عندما تحكي حكاية تلوِّن
صوتها بلون الحكاية التي تقصها بل بلون
أبطالها، كانت نبراتها تجعل الأحداث
واقعًا، تدور أمامي كما تدور في مسرح
الحياة، كانت كلماتها عرائس من شمع هذه
المرة دبَّت فيها الحياة، كان صوتها هذه
المرة يَهْدِر كأنه قادم من عبق الزمن
البعيد، فمضت تقول: بني، هذه المرة حديثي
ذو شجون، ولست أدري أيروقك مثلما راقك من
قبل السندباد والشاطر حسن والساحر
الشرير، كل ما أدريه أنك لا بد أن تسمع
الحكاية التي طويتها في قلبي طوال السنين. بني، أعلم أنك ما زلت صغيرًا، وأنك
ربما لن تفهم مني هذا الكلام، ولكن مضى في
النهر ماء كثير، والشجرة العجوز ذبلت
الأوراق فيها، وجفت منها الغصون، وسيأتي
عليك يوم سوف تفهم ما أقول. بني، أقول ما
تعودت دائمًا أن أقول: كان يا ما كان في
سالف الأزمان، وما يحلو الكلام إلا بذكر
النبي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.. كان
فيه عملاق كبير، طوله سبعون ذراعًا،
ويحمل سيفًا بتَّارًا طوله ستون ذراعًا،
يتمايل يمينًا فيقتل ألفًا من الجرذان،
ويتمايل يسارًا فيقتل آلاف الجرذان،
كانت كل معاركه انتصارات، ورغم ذلك ما
ظَلَم في يوم من الأيام، كان قلبه الكبير
يحمل الحب لكل حيوانات الغابة، بل يحنو
على الأشجار والزروع، والياسمين، والندى
الساقط من عيون السماء، وكان معه كتابه
لا يفارقه أنَّى ذهب. وفي يوم من الأيام تاقت نفس العملاق أن تحيا كما تحيا الجرذان؛ فقرَّر أن يحتفل بصحبة الجرذان، فجمع الجرذان وظل يرقص معهم ويحتسي الخمر، احتسى كأسًا.. كأسين.. برميلاً حتى الصباح، وبعدها نام العملاق، نام نومة طويلة.. طويلة، سرقوا منه الكتاب.. آه سرقوا منه الكتاب، وبعدها قام العملاق، لا يدري اسمه ولا عنوانه، فاقد الذاكرة.. يهيم على وجهه في البلاد. يصيح: أين رأسي؟ أين عقلي؟ أين قلبي؟ فيعود صدى صوته ضئيلاً تُغطي عليه طواحين الزمان. آه لم تكمل جدتي الحكاية؛ تساقطت رُوحها قطراتٍ قطرات، وذابت كما يذوب الثلج في الماء.. ومن يومها وأنا أبحث عن العملاق، ولم يمهل القدر جدتي؛ لتخبرني عن مكانه، فأمانة يا كلَّ من يصله هذا الكلام، ابحثوا معي عن عملاق يهيم على وجهه في البلاد، أخبروه أن الجرذان سَخَّروا الحيوانات، وتحكمت فيهم الذئاب والكلاب، قولوا له: من بعدك الغابة لم تذق طعم الأمان، قولوا له: من بعدك اسْتَأْسَدَ الفئران، قولوا له: كل حيوانات الغابة تحِنُّ لسالف الأزمان، قولوا له: الغابة قسَّموها إلى رُقَع كالشِّطْرَنْج، وفي كل رقعة نَصَّبُوا فيها خيالاً من خيالات المآتة يُمسك بسيف من خشب، لا يُسمن ولا يغني من جوع، قولوا له: فليرجع فمن بعدك الغابة لم تذق طعم الحنان. قولوا له: ارجع إلينا فمن بعدك لا أرض تقلنا ولا سماء، فأولادك يتامى على مآدب اللئام. فمن وجده أو عرف عنه شيئًا فليتصل بي على هذا الموقع أو يترك لي العنوان.
اقرأ في نفس الباب:
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||