English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في ظلال التوحيد

هبة رءوف عزت


يعجبني العنوان الذي  اختاره الشهيد "سيد قطب" - رحمه الله - لخواطره ونظراته في كتاب الله تعالى حين أسمى مؤلفه "في ظلال القرآن"، وهو اختيار بديع، يشعر به المرء أن القرآن ظُلَّة نستظل بها في هجير الحياة، وأنه واحة معرفة، يبحث عن رقراق مائها وظليل نخيلها وأشجارها الظمآن للمعرفة والحكمة؛ لذلك أجلس إلى القرآن جلوس المستظل به.. الآمن في كنفه.. المسلِم له بصره عسى أن يستمد منه بصيرته.

والقرآن كتاب الله للعالمين.. وهو الهدى والذكر الحكيم، لكنه مع شمول خطابه وعالمية رسالته، فهو أيضاً رسالة للإنسان.. لكل واحد منا.. وشتان بين أن نقرأ القرآن ونطالعه كأي كتاب.. وأن يقرأه الإنسان مستشعراً تبعات ومسئوليات أن هذا خطاب الله عز وجل له.. وأنه كتاب له أمره أن يقرأه.. وأن يؤمن أنه من لدنه - سبحانه وتعالى- له.

إن الفارق والبون الشاسع بين أن تقرأ رسالة عامة.. وبين أن تدرك حقيقة أن هذه الرسالة لك.. تسأل عنها لو قصَّر الآخرون.. وتحاسب على ما فيها حتى ولو تغافل عنها كل الخلق.

ومفتاح الإيمان بالكتاب هو الإيمان بالغيب.. وبأن هناك ربًّا لا شريك له أرسل الرسل وأنزل الكتب، وأن هناك ملائكة تحمل الوحي وتبلغه.. وأن الله حافظ هذا الوحي من التحريف ليكون كتاب هدى ومنهج مشرِّع، ولا يستقيم هذا الإيمان إلا بتوحيد يستقر معه في عقل المؤمن وقلبه أن الله حق وعدل.. وأنه نزَّل أحسن الحديث.. الذكر الحكيم.

كنت أقرأ مقالاً لكاتبة مصرية اشتهرت بكتاباتها حول المرأة والجنس، وترى أن المرأة مقهورة (كالعادة) وأن الأديان هي التي قهرتها.. وأن الرجال يظلمونها عبر التاريخ.. وأن الأنثى هي الأصل وليس الذكر.. ووجدتها تستدل على ادعاءاتها بأن الأديان تعلي من شأن الذكور؛ لأن الإله هو الأب، في حين أنها فتشت في التاريخ القديم فوجدت أن هناك آثارًا لمجتمعات، جعلت الإله أنثى، كما في بلاد اليونان، ومصر القديمة.

كان أول ما خالجني من شعور هو الحمد لله على نعمة الإسلام.. فإذا كانت عقائد قد جعلت الرب أبًا ذكرًا؛ فلا عجب أن تسخط نساؤها على أحكامه.. إذ كيف سيكون عادلاً مع النساء، وهو "لا يشعر بما يشعرن به"، لا شك أنه سيكون منحازاً للذكور و"السلطة الذكورية".. فهذا منطق معقول يستقيم إذا استقامت بدايته.

أما في عقيدة التوحيد التي كانت رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم آخر حلقة في مسيرتها الطويلة منذ آدم؛ فإن الله "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"، والتذكير له "هو" لا يعبر عن جنس.. بل هو أداة اللغة القاصرة.. ولو كان "هي" لثار نفس الإشكال، فهي إشارة عاجزة للغة قاصرة عن الإحاطة بذات الله.. فلا ذكورة ولا أنوثة بل علو وصمدية وتنزه عن المادة لا تجسد ولا حلول ولا تحيز.

مفتاح الصراط المستقيم هو التوحيد.. هذا التوحيد الذي يجعل لمساواة الرجل بالنساء في الإيمان والولاية قيمة ومعنى.. ويجعل الاختلاف حكمة، والعدل ميزان، والشرع حجة لك أو عليك.

تحرير المرأة رسالة سامية، لكنها فرع عن أصل هو تحرير الإنسان.. تحريره.. رجلاً كان أم امرأة.. من الإسلام لغير الله.. والعبودية لسواه؛ لأن الإنسان لا ينفك عن العبودية.. فإن تحرر من عبودية الله الذي ليس كمثله شيء وقع في عبودية نظام اقتصادي أو استبداد سياسي. أو منظمة أخلاقية نسبية.. أو إلحاد عدمي يفقده جوهر إنسانيته الرباني ويسويه بالمادة.

شتان بين تحرير الإنسان بالدين، وتحريره منه؛ ليقع في ضنك التجريب في الأخلاق والقيم والقوانين، وحين يدرك أخطاءه تكون الكوارث الإنسانية والاجتماعية أكبر من أن تتدارك.. وفرق شاسع بين اجتهاد في مساحات لها "حدود" و"حِمَى".. وبين سيولة كاملة لا ضوابط لها في ظلها يصبح الإنسان مادة.. مادة للجنس أو مادة للتجريب العلمي أو مادة للسوق الاستهلاكية الرأسمالية.

في زمن الإنترنت والاستنساخ وتحكيم الجسد وسيادة العلم المعملي المنفك عن ضوابط الغيب وقيمه ما أحوجنا إلى أن نستظل بظلال القرآن.. ليس استظلال الخامل الذي يحمل أسفاراً يباهي بقيمتها دون أن يفعِّلها في بناء حضارة.. بل استظلال الباحث عن شربة ماء تحييه وزاد يعينه على السعي.. ليحيا حياة طيبة لنفسه، وينفع من حوله.. مدركاً أن الدار الآخرة هي المحطة الأخيرة.. والقريبة.

 

- طالع بقية موضوعات أهلاً

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع