|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
قضية هروب الفتيات في تركيا سعد عبد المجيد تمثل مسألة أو قضية هروب الفتيات من عوائلهن قضية مقلقة
في المجتمع التركي وبصفة خاصة مجتمع المدينة، والحقيقة أن ظهور هذه القضية
المزعجة في مجتمع أغلبيته الساحقة من المسلمين، ترجع للفكر العلماني اللاديني
المسيطر والحاكم في تركيا منذ تأسيس الجمهورية في عام 1923م. صحيح أن قضية
خطف البنات أو السيدات بغرض الزواج منهن عند رفض الأهل، من العادات القديمة
في المجتمع التركي التي لا علاقة لها بالإسلام، قدر علاقتها بالعادات
والأعراف القديمة للشعوب التركية في آسيا الوسطى والقوقاز ثم الأناضول التركي
فيما بعد، لها دور بشكل أو آخر في مسألة هروب البنات من عوائلهن، إلا أن
تزايد أو تصاعد نسبة الهروب في هذه الأيام، قد تعززت على يد القوانين
العلمانية التي تشجع انفصال واستقلال الفتاة عن أهلها والتصرف بحرية في
حياتها بعد سن الـ 18سنة. وفي التقرير التالي نحاول قدر المستطاع إلقاء
المزيد من الضوء على أسباب انتشار هذه الظاهرة في المجتمع التركي. أشكال وأنواع وأسباب هروب البنات
*
الهروب المعنوي: يُعَدُّ
الهروب المعنوي للفتاة في تركيا هو الحالة الأكثر شيوعًا داخل العائلات، وذلك
لطبيعة المجتمع المحافظ من ناحية والخوف من العائلة من الناحية الأخرى.
فالبعض
منهن يطوين همومهن في الانعزال النفسي والانطواء في غرفهن لمدة طويلة، أو
بالجلوس أمام شاشات التليفزيون لمشاهدة أي شيء يذهب عنهن الضيق النفسي،
والبعض يلجأ للقراءة أو النوم الكثير والسهر في الليل لمتابعة ومشاهدة
التليفزيون المحلي أو الأجنبي. أو أن يتجنبن المشاركة في الجلسات الجماعية
العائلية أو الطعام والموائد الجماعية، خاصة التي تقيمها العائلات الميسورة
التي تبني بيوتًا صيفية في ضواحي المدن أو في المحافظات الخضراء مثل:
"إستانبول وأزمير وبورصا، ومودانيا، وأيواليك، وآيدين ومانيسا وغيرها من
الأماكن الشهيرة في تركيا". وفي السنوات الأخيرة وبعد انتشار محطات راديو
موجات FM (الخاصة) تحوَّل جزء من الفتيات لشغل أنفسهن بالمشاركة في
برامج هذه المحطات عبر التليفون نهارًا وفي أوقات متأخرة من الليل، حيث
يُعَبِّرن عن مشاكلهن وهمومهن الفردية والعائلية. *
الهروب المادي: بالرغم
من انتشار ظاهرة الهروب المادي للفتيات بالنفس من العائلة في المجتمع التركي
- وبصفة خاصة المجتمع المدني (إستانبول وأنقرة وأزمير وأضنا وبورصا
وأدرنة..الخ) - فإنه حتى هذه اللحظة لم تصدر دراسة أو إحصائية رسمية أو غير
رسمية حول عدد أو نسبة الفتيات الهاربات. ومما لا شك فيه أن حرص الكثير من
العائلات على عدم التصريح أو الإعلان عن هروب فتاتهم، يلعب دورًا كبيرًا في
مسألة عدم وجود إحصاء حقيقي حول عدد الفتيات الهاربات من عوائلهن في تركيا،
ونسوق بعض النماذج المدللة على هذا الادعاء، ونقول بأن عائلة شهيرة مثل عائلة
"أورال" التي تنتمي للسينما والتليفزيون قد تبين أن فتاة منها كانت
هاربة في فرنسا منذ أشهر طويلة وتعيش مع رجل يدعى/ علاء الدين شاقجي، ألقى
القبض عليه وأرسل وسُلِّم لتركيا من قبل الأمن الفرنسي وبناء على طلب تركيا،
بتهمة التورُّط في إنشاء عصابة مافيا قامت بعمليات قذرة في تركيا وخارجها.
ورغم كون العائلة المذكورة تنتمي لأهل الفن والسينما، فإنها آثرت عدم الإعلان
عن هروب فتاتهم، واكتشف الأمر مصادفة عند تصوير ومتابعة هذا الرجل من قبل
أجهزة الأمن التركية في فرنسا. وهناك
نموذج شهير آخر لحادثة وقعت في مدينة إستانبول في عام 1996م لفتاة تدعى/
فاطمة شاهين التي عرف بأمرها وكونها هاربة من أهلها، وتزوجها من شاب
شيخ وصاحب طريقة يُدعى/ مسلم جوندوز، وقد عرف الأمر مصادفة وأيضًا حين قررت
أجهزة الأمن التشويش على صاحب أو أمير هذه الجماعة الصوفية الدينية - (جماعة
العجزة) -والمعارضة للنظام العلماني في تركيا، حيث داهمت بيته ليلاً وبعدسات
التليفزيون فتبيّن وجود الفتاة في مخدعه، فقال: إنه تزوجها - زواجًا شرعيًّا
غير رسمي - منذ عدة أشهر وبرضاها الكامل، في الوقت الذي نفى والدها علمه
بتزويج ابنته، وأنها كانت هاربة من عائلتها. تنتشر في المجتمع التركي أيضًا
ظاهرة الهروب المادي الأيديولوجي عند أصحاب الفكر اليساري المتطرِّف،
بالانضمام للتنظيمات اليسارية المحظورة التي تنتشر في الأوساط العمالية
والطلابية، فيتم الزواج غير الشرعي أو القانوني، ونقدم في هذا الصدد نموذج
الفتاة "فخرية أردال" المنتمية لمجموعة يسارية والهاربة في بلجيكا منذ
عام 1995م بعد المشاركة في عملية اغتيال أحد أشهر رجال الأعمال الأتراك
بإستانبول، وتسعى قوات الأمن التركية لاستعادتها ومحاكمتها بعد اكتشاف
شخصيتها من كاميرا مصورة كانت موضوعة في البناية التي وقع فيها الحادث
المروع. *
هروب وانحراف أخلاقي: هذا
النوع من الهروب يأتي تحت مظاهر خادعة ودعاية مغرضة تقوم بها بعض وسائل
الإعلام (صحافة وإذاعة وتليفزيون) مثل تحريض الفتيات تحت سن العشرين عامًا كل
فترة زمنية قصيرة، على المشاركة في مسابقة ملكات "الجمال" وفتاة الغلاف(!)
عبر إعلانات متكررة ولها بريق تبث في محطات التليفزيون وتنشر في الصحف
الكبيرة اليومية والمجلات النسائية. وبما أن المجتمع التركي في أصله مجتمع
شرقيّ محافظ، فمن الصعب على الأهالي قبول أو السماح لفتاتهم بأن تظهر شبه
عارية أمام عدسات التليفزيون وعيون الملايين من البشر، وأن تترك منزل العائلة
وتذهب للإقامة لعدة أيام أو أكثر في معسكر إعداد الجميلات(!). ومن ثَمَّ تمثل
مسابقات الجمال الأنثوي - (ملكة جمال تركيا وملكة جمال العالم وملكة جمال ..)
- أحد أسباب هروب الفتيات من عائلاتهن، فيكون بداية الطريق للانحراف
الأخلاقي. هذه واحدة وهناك أيضًا دواعي البحث عن المال والشهرة والكسب السريع
للمال بغض النظر عن الكيفية، فيكون الهرب من الأهل والوقوع في طريق الرذيلة
والضياع. والبعض من الفتيات تهرب مع من تظنه يحبها وسيتزوّجها، ثم تكتشف فجأة
أنه على العكس من هذا، فتكتم أحزانها وتفقد الشجاعة في العودة للأهل وهي
فاقدة عذريتها، فيتلقفها تجار النساء في المدن عبر بيوت ممارسة البغاء - مثل
البيوت الموجودة في "زقاق ذورافة: Zurafa
Sokagi " بحي أو منطقة "قراكوى:Karakoy" بإستانبول - التي تسمح بها الدولة (!)، وتكون النهاية
المحزنة. آراء البنات
تقول
الفتاة/ فاطمة قيلتش (محجبة وحاصلة على ليسانس التربية)، ومن سكان
مدينة إستانبول: لقد فكرت في الهروب ذات يوم بسبب رفض أهلي السماح لي بإكمال
تعليمي الجامعي بحجة الخوف والحرص عليَّ من المشاكل التي تواجه الفتيات
المحجبات في المجتمع التعليمي. على أني أدركت فيما بعد حقيقة موقف أشقائي
وأنهم كانوا على حق فعلاً، خاصة وأنني رأيت بعيني كيف يُعْتَدى على حق تعليم
الفتاة المحجبة، بمنعهن من دخول الكليات والجامعات ويطردن علنًا أمام الرأي
العام طالما يرتدين الحجاب. لقد دخلت كلية التربية وأكملت تعليمي بصعوبة
نتيجة الضغوط الحكومية على الفتاة المحجبة، ولكنى أتساءل اليوم عن مدى الحق
في منع أمثالي من العمل إلا بعد خلع الحجاب ؟! مرة ثانية فكرت في الهروب
المادي بعد أن هربت معنويًّا، بسبب المحاولات التي لا تنتهي لتزويجي. إنني
أريد أن أتزوج الإنسان الذي أراه يتفق وشخصيتي، وأن يأتي من أجلي وليس من أجل
الانتساب لعائلتي مثلاً. أما
الفتاة/ شاذية شليك (غير محجبة وتعليم متوسط) وتعمل موظفة في بنك خاص
تركي، ومن سكان العاصمة أنقرة: نعم يمكن أن أهرب من عائلتي حين أجدهم يقفون
في طريقي سواء من جهة العمل أو التعليم أو حتى فرض الزواج من شخص لا أريده.
وتقول الفتاة/ ديدار بايير (غير محجبة)، وقد حصلت على درجة الدكتوراة
من جامعة إستانبول ولم تتزوج بعد: أظن أن هروب الفتاة من أهلها يرجع في
الأغلب بسبب التضييق عليها في حركتها ورغباتها الشخصية. أنا شخصيًّا أشعر
بارتياح لبُعْد والدي عن والدتي - (حالة طلاق) - حيث تعاملني أمي بطريقة أفضل
وبدون أي ضغوط، فقد تركت خطيبي بعد عدة أشهر نتيجة عدم التفاهم بيني وبينه
ولم تعارضني أمي. ولكن الفتاة/ مريم دوغان (محجبة وتعليم متوسط) وتعمل
سكرتيرة في شركة إعلامية بإستانبول، فترى ضرورة عدم لجوء الفتاة للهروب من
عائلتها مهما كانت الأسباب؛ لأن هذا التصرُّف يُلْقيِ بها في المخاطر في
مجتمع مفتوح وكل شيء مباح فيه وخاصة المدن الكبيرة. تحليل أسباب الهروب
يُرْجِع
الكثير من الأتراك ظاهرة هروب الفتيات لجملة القوانين العلمانية المتحررة
التي تدعو الفتاة للخروج عن طوع عائلتها، فالقانون المدني التركي - مثلاً -
يسمح للفتاة بعد بلوغ سن الثامنة عشرة بالعيش منفردة إذا أرادت هذا ومع من
تريد! كما أن نفس القانون يسمح للفتيات بالزواج دون شرط وجود الولي، وإنما
يكتفي بوجود شاهدين سواء من الرجال أو النساء. أيضًا ظاهرة قيام مكتب تنسيق
القبول في الجامعات التركية بتوزيع الفتيات على محافظات غير محافظات إقامة
الأهل ودون مراعاة لأي اعتبار، فالمرأة في القانون العلماني متساوية مع الرجل
في كل شيء، فلِمَ لا تذهب بعيدًا عن الأهل؟! قانون التعليم هو الآخر يسمح
بالتعليم المختلط في كل المراحل، وهو الأمر الذي يسهل على الفتيات إقامة
علاقات وتقارب مع الجنس الآخر في مرحلة مبكرة من العمر، تؤدي في الأغلب الأعم
إلى حدوث نوع من أنواع الهروب عند الفتيات. يقول/ محمد رمزي يشيللي (مترجم
وكاتب ومن رجال الأزهر) ويقيم في إستانبول: لقد هربت ابنتي مع شاب زميلها
في جامعة أنقرة، حيث كانت تدرس هناك بعيدًا عني، وتزوجت منه دون استشارتي
وبعد سنة واحدة عادت لي وقالت أريد أن تطلقني منه (!). وقد حدث وطُلِّقت وأنا
أتألَّم من أجلها، لقد وقعت في هذا الفخ المجتمعي، بسبب أنها كانت تدرس
بعيدًا عني، ولم يكن بيدي أن أمنعها من إكمال تعليمها. تقول: السيدة/
خديجة قيلينش (ربة منزل وأم لمجموعة من الشابات المحجبات) ليس لديَّ
استعداد لإرسال بناتي للتعليم في مكان تنام فيه ابنتي بعيدًا عنى، لقد انتظرت
واحدة من بناتي عدة سنوات لكي تدخل كلية في إستانبول، رغم أنها كان من الممكن
أن تدخل كلية راقية أفضل من الكلية التي التحقت بها، ولكن الحفاظ على بناتي
وشرفهن أفضل بكثير من كليات القمة التي يصحبها الضياع والهروب. ويقول
الأستاذ الدكتور/ حسين فارول (الأستاذ بالجامعات التركية) لقد وفقني
الله تعالى لتعليم بناتي جميعًا، ولكنْ اثنتان منهن لم تدخلا الجامعة بسبب
ترشيحهما لكليات بعيدة عنا، فلم أوافق لأني أعرف احتمال هروب البنات فيما
بعد، نتيجة ظروف الوحدة والعيش في بيئة المدن الجامعية التي تفتقد لقواعد
وأسس الأخلاق الإسلامية. وتقول/ أينور شاهين أوغلو (زوجة وأم وتعليمها
متوسط وتقيم في إستانبول)، لدينا مشكلة مزمنة هى إقامة علاقة محرَّمة بين
زوج الأخت وأختها العذراء، نتيجة سوء التربية والأخلاق وضعف النفوس والإعلام
الفاسد لروابط العائلة، والنتيجة هي إفساد حياة زوجية وهروب فتاة. هذه العادة
السيئة لها وجود عندنا ولم نتخلص منها بعد. ويضيف/ بختيار تورك (ضابط
متقاعد من الجيش ويقيم في إستانبول) دائمًا أشعر بالقلق من جهة ابنتي،
وأقترب منها قدر الإمكان، لكي لا تقع فريسة للدعاية الزائفة والطبل الإعلامي
معدوم الضمير. ويؤيده في نفس القول والرأي/ أكرم بوزدمير (ضابط متقاعد
أيضًا) نعم القوانين العلمانية والإعلام المزيّف وراء تصاعد ظاهرة هروب
الفتيات عندنا. زواج المتعة ودوره في الظاهرة
في
نهاية العام الماضي أعلن/ محمد نوري يلماظ رئيس شؤون الديانة التركي - (الجهة
التي حلت محل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في العصر الجمهوري منذ عام
1923م) - عن انزعاجه من التقارير التي تفيد بانتشار زواج المتعة بين الشباب
في المدن وخاصة طلاب الجامعات، واعتبر الأمر غير جائز شرعًا، ودعا الشباب
التركي للتراجع عن الأفعال والتصرفات المخالفة للإسلام. ومما لا شك فيه أن
زواج المتعة الذي أزعج رئاسة الشؤون الدينية التركية، يساهم بشكل أو بآخر في
ظاهرة هروب الفتيات والتزوج بهذا الشكل. ومع
هذا فالظاهرة موجودة في نطاق المدن الكبيرة والمناطق التي يتجمع فيها أصحاب
الطائفة العلوية (طائفة شيعية متطرفة) بالذات والتي يقدر أعدادها بين 2 - 3
ملايين مواطن يسكنون المناطق الشمالية الشرقية وبعض المحافظات الوسطى من
الأناضول التركي. ويمكن
القول بأن اللجوء لزواج المتعة بين الشباب في تركيا يرجع لوجوده عند الطائفة
العلوية الشيعية، ويتعلل البعض بأن ارتفاع تكاليف الزواج الشرعي والرسمي،
وتأخر الفتيات والشباب في الزواج يدفعهم لهذا الطريق. ناهيك عن العادات
التركية المتزمتة - (تقديم هدايا من العريس لأهل العروس والعروس قبل عقد
القران، والمغالاة في طلب الذهب ومشغولاته، وطلب مؤخر صداق كبير ومن الذهب،
وحفل عرس مكلِّف، وملكية شقة سكنية، وملكية سيارة..إلخ) - بشأن شروط وأصول
الزواج.
أقرأ في نفس الزاوية:
اقرأ أيضًا:
|
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||