English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

سوريا: هروب الفتيات .. من يملك الحلول؟

  سوريا – خاص-آدم وحواء  


             كثيرة هي القصص التي نقرؤها أو نسمعها عن حالات هروب الفتيات من أسرهن، والتي قد تترافق بتفاصيل أغلبها تفاصيل مأساوية، قد يكون فيها القتل والانحراف وحالات التشرد، وفي الأقل منها التسول، غير أن هذه الحالة من هروب الفتيات من أسرهن، وإن كانت أكثر أشكال الهروب شيوعاً وفجاجة، وأشدها أثراً على الفتيات وأسرهن، فإن ثَمَّة حالات أخرى من هروب الفتيات من أسرهن، وهي حالات مقنعة، لا تظهر للعيان بشكل واضح، وهي بحاجة إلى التدقيق والملاحظة لرؤية أسبابها ودواعيها وتجسيداتها العملية، والمشكلة ليست في سوريا أو مصر فقط كما في ملف هذا العدد من حواء وآدم، بل هي في كل البلدان، فالهم واحد وان تعددت المجتمعات.

               الظاهرة وملامحها

والحق أن لظاهرة هروب الفتيات من أسرهن أسبابًا متعددة متنوعة، لكن هذه الأسباب تندرج في مستويين: الأول تمثله الأسباب العامة، وهي أسباب تدفع عامةً إلى هروب روحي أو مادي، أو للحالتين معاً، والمستوى الثاني يتعلق بالحالة المحددة في هروب الفتاة من أسرتها، أو انفصالها عنها.

        إن بين الأسباب العامة لظاهرة هروب الفتيات من أسرهن، الواقع الاجتماعي الذي غالباً ما يرسم ويحدد المستوى الاجتماعي والثقافي للأسر، ونمط ومستوى العلاقة داخلها بين الأهل والأولاد عامة، وفيما يتعلق بمكانة الفتيات في إطار تلك العلاقات خصوصاً، والسبب الثاني، يتصل بواقع الأسرة التي تعيش الفتاة فيها، وفي تفاصيل ذلك عوامل متعددة، ومنها موضوع  تفكك الأسرة الذي قد يكون بسبب الخلافات الدائمة بين الوالدين، أو بسبب انفصال أو طلاق الوالدين، وعيش الفتاة مع زوجة الأب أو مع زوج الأم، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى اختلال خطير في العلاقات الأسرية، وغالباً فإن الفتيات يَكُنَّ أكثر تأثراً  في ذلك من الأولاد الذكور.

كما أن بين الأسباب المؤدية إلى هروب الفتيات من أسرهن حالات الفقر الشديد، التي قد تدفع ببعض الفتيات إلى التطلع إلى حياة أخرى بعيداً عن حياة أسرهن، أو إلى انعزالهن عن حياة الأسرة، وخلق صورة أخرى لحياتهن وعلاقاتهن، وتلعب الرفيقات دورا إضافيًّا، يؤدي إلى هروب الفتيات من أسرهن، ويلخص د. عيسى الشماس الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق أسباب الظاهرة بأربعة أسباب: أولها التفسخ العائلي، والثاني سوء التربية، والثالث الحالة الاقتصادية، والرابع رفاق السوء.

نماذج فتيات هاربات

فتاة في الرابعة والعشرين من العمر من أسرة متوسطة، تعيش مع أسرتها في دمشق، لكنها تبدو منفصلة كليًّا عنهم من الناحيتين العاطفية والاجتماعية منذ أكثر من عام لاعتقادها بمسؤولية أهلها عن عدم زواجها بشخص تقدم لخطبتها، وهي دائمة الشرود وميالة إلى العزلة، وفشلت جهود الأم والأب في إخراجها من حالتها، ودون أن يلجأ الأهل إلى الطب فهم يراهنون على الوقت في علاج الحالة.

حالة أخرى من هروب الفتيات تمثلها فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة من العمر موقوفة في معهد الرعاية الاجتماعية في دمشق بعد أن غادرت منزل ذويها في مدينة سورية أخرى مع شاب مراهق وعدها بالزواج والعيش في العاصمة، لكنه تخلى عنها بعد أيام، واحتارت إلى أين تذهب، فقبضت عليها الشرطة بتهمة التشرد، وأودعت المعهد بانتظار مجيء أهلها لاستلامها والعودة بها إلى البيت.

نزيلة أخرى في معهد الفتيات، وصلت إليه بطريقة مختلفة، حيث دفعها الأهل تحت وطأة الفقر إلى العمل رغم سنها الذي لا يتجاوز الثانية عشرة، ومدت يدها لتسرق شيئاً من مكان عملها، فتم حجزها في المعهد ومن خلاله تعرفت إلى رفيقات السوء، فمضت في طريق قادها حتى الآن للعودة إلى المعهد ثلاث مرات.

حنان لم تهرب طمعًا في المال أو استجابة لغرائزها؛ هربت لأنها لم تَعُد تحتمل تحرشات أخيها المتكررة بها وكان يهددها دائمًا بقتل نفسه إذا أخبرت والدها تشكوه لأختها الكبرى، فالأم توفيت منذ عشر سنوات ، تنبئ الأخت الوالد لكنه يكذب ابنته وعندما يتكرر الاعتداء على حنان تقرر أن تهرب مبتعدة إلى أمكنة اعتقدت أنها أكثر أمانًا إلى بيت خالها، لم يبحث أحد عنها تعلقت بابن الحي وسلمت له نفسها عادت بعد فترة إلى بيتها وعاد تكرار الاعتداء عليها؛ فقررت أن تذهب إلى صديقتها التي تتعاطى المخدرات، فضبطت معها وبعد إجراءات قانونية طويلة أحضرت إلى مديرية التربية الاجتماعية للفتيات، وقررت عندها أن تبقى هناك بأمان، فهي لا تريد العودة إلى أهلها أو الخروج من أسوار المديرية العالية؛ لأن الرجال يتعرضون لها بالسوء

أما رجاء التي كانت تجلس بعيدًا عن بقية الفتيات، فحاولت الاقتراب منها وبادرتها بالابتسامة فارتاحت، سألتها: لِمَ أنتِ هنا؟! فقالت لأن أسرتي لا تريد أن أكون معها كل يهتم بشئونه، لا أحد يفهمني، كنت أشعر أن وجودي غير مرغوب فيه، وبأنني حمل ثقيل على أسرتي؛ فقررت أن أنهي الأمر بالزواج العرفي من شاب أحببته، ولكنه أخل بعهوده وتركني بعد فترة، ولم أجد مكانًا أعود إليه سوى هذا المكان.

 هذا طرف من القصص الواقعية التي سمعتها في المديرية الخاصة بالفتيات الجانحات التي ذهبت إليها بهدف البحث عن أسباب هروب الفتاة، سواء النفسي منه كجلوس لساعات طويلة أمام شاشة التليفزيون أو الهروب بأحلام نهارية لا نهاية لها أو لنصل إلى نتائج لا يُحْمَد عقباها كحالة رجاء أو هروبها بمعناه الحرفي للكلمة كما في حالة حنان التي هربت لأسبابها الخاصة من البيت إلى أماكن أخرى انتهت بها إلى معهد الجانحات .

مراكز الرعاية: هل تحل المشاكل؟

 الآنسة رباب الحافي مديرة المركز بيَّنت لنا بأن الفتيات الموجودات داخل المديرية يقمن بأنواع مختلفة من السلوك المنحرف ومن أهمها الاعتداءات على الأموال كالسرقة والنشل ، أو على حياة الإنسان وسلامته "قتل أو إيذاء"، والانحرافات الجنسية "اغتصاب وخطف ودعارة وفحشاء" والتشرد والتسول.. إلخ، وقالت: "إن الفتاة التي تعيش وسط أسرة تعاني من خلل ما في بنيتها تعاني من فقدان الحب والأمان في داخلها، فتلجأ إلى الشاب الذي يصور لها العالم الخارجي بأنه جنة فتقوم بفرض رأيها على أسرتها، وإن لم تجد القبول تهرب معه، وللأسف أغلب الحالات الموجودة في المعهد التي تتجاوز 60% لا ينوي الشاب الزواج من الفتاة، وإنما يحاول وضعها تحت الأمر الواقع؛ أو يستغلها لتعمل في الدعارة".

وتأكيدًا لقول الآنسة رباب فإن الإحصائيات الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن عدد الموقوفين والموضوعين في مراكز الملاحظة من الأحداث الجانحين تأتي الانحرافات الجنسية في المرتبة الثانية بعد جرائم السرقة والنشل؛ حيث بلغت نسبتها في القطر العربي السوري 17.15% لعام 1997م، وبلغ عددهم 176 في عام 1996م و160 في عام 1997م علمًا بأننا نشكك بدقة الأرقام والإحصائيات الموجودة في سورية أو في أي بلد عربي والتي تتعلق بحقيقة حجم الأفعال المخلة بالأخلاق والآداب العامة التي يرتكبها الأحداث؛ لأن معظم الضحايا المعتدى عليهن لا يتقدمن بشكاوى إلى الجهات الرسمية المختصة، وذلك خشية الفضيحة التي يتجاوز ضررها المعنوي الضرر المادي الذي حاق بهن، ولكن على الرغم من عدم دقة وكفاية الإحصائيات الرسمية فإن مثل هذه الإحصائيات قد تكون مؤشرات ذات دلالة، ونجد أن البيانات الإحصائية القضائية الصادرة عن مكتب الإحصاء المركزي التابع لرئاسة مجلس الوزراء تؤكد أن عدد الأحداث الجانحين يتراوح ما بين 4482 و 13917 خلال السنوات ما بين 1970 - 1995م، كما تؤكد تناقص نسبة الانحراف لكل ألف من السكان من 1.35% سنة 1970م إلى 0.70% سنة 1995م.

وتقول الأخصائية الاجتماعية في معهد الفتيات رحاب السيد: :إن دور المعهد يبدأ مع تسلم الفتاة من جهاز الشرطة لإيداعها في المعهد تمهيداً لإحالتها إلى المحكمة، أو لقضائها فترة حكم بعد قرار قضائي لجرم أو جنحة تورطت فيها، وتكون الخطوة الأولى، توفير الاحتياجات الأساسية للحياة في المعهد من إقامة وطعام وكساء وصحة واحتياجات أخرى، ويعقب ذلك قيام المشرفة الاجتماعية بدراسة حالة الفتاة من الجوانب الاجتماعية والنفسية، وبتزامن مع محاولة إدارة المعهد الاتصال بأهل الفتاة وإصلاح العلاقات المتردية بين الأهل والفتاة، بغية التغلب على الأسباب التي دفعت الفتاة إلى الهرب من أسرتها، وفي الحالات التي تكون الفتاة قد غادرت المنزل لأسباب يمكن تجاوزها، فإن المعهد يلعب دوراً وسيطاً مع القضاء والأهل لإعادة الفتاة إلى أسرتها وبيتها مع تعهد الأهل بسلامة الفتاة ورعايتها بصورة أفضل.

وتستطرد:إن حالات هرب الفتيات غير معروفة العدد، ذلك أن كثيرًا من الحالات لا يكشف عنها؛ حيث لا يتم القبض على كل الفتيات اللواتي يغادرن أسرهن، والبعض يتم القبض عليهن لأسباب أغلبها أخلاقي، يقوم القضاة بإطلاق سراحهن لأسباب يراها القاضي، والقلة من الفتيات يتم تحويلهن إلى معاهد الرعاية الاجتماعية، وهناك ثلاثة معاهد منها في سوريا، وتصل القدرة الاستيعابية لأكبرها وهو معهد دمشق لحوالي 50 فتاة، وهذا لا يعكس حجم الظاهرة؛ إذ هي أكبر من ذلك بكثير، كما تجزم مديرة معهد الفتيات في دمشق.

وأغلبية حالات مغادرة الفتيات لأسرهن، تفضي إلى الانحراف، فتتورط الفتيات في مشاكل الدعارة والتشرد والسرقة وإدمان المسكرات والمخدرات والقتل أحياناً، ومعظم الحالات تأتي من المناطق الأقل نمواً في محيط المدن، وفي حالة دمشق، فإن القادمات من ريف المدينة من حجيرة وداريا، ومن أحياء الفقر في الحجر الأسود والأحياء المشابهة في حزام البؤس، ومن مخيمات النازحين السوريين من الجولان ومن المخيمات الفلسطينية، يشكلن أغلبية فتيات الانحراف، وكثيرات منهن يكررن ذلك في وقت لاحق، كما تفيد بيانات معهد الفتيات.

وتجزم الإخصائية الاجتماعية رحاب السيد بأن سلوكيات كثير من الفتيات يتحسن خلال إقامتهن في المعهد، لكنهن سرعان ما يعدن إلى سلوكهن القديم بعد مغادرة المعهد بسبب عودتهن إلى ذات الظروف المحيطة بهن حياتيًّا واجتماعيًّا، والمعهد بهذا المعنى فترة نقاهة أو حماية مؤقتة ليس إلا.

ويعتبر المرشد الديني لمعاهد الرعاية الاجتماعية أحمد الحمصي، أن ظاهرة جنوح الفتيات ظاهرة غريبة في مجتمع محافظ مثل المجتمع السوري له مجموعة من العادات والتقاليد المميزة، ومنها بقاء الفتاة تحت جناح الأسرة حتى إذا تجاوزت السن القانونية. ويرجع أهم أسباب الانحراف إلى الجهل والفقر، ويرى أن الانحراف يبدأ بخطوة أولى، وأغلب حالات الانحراف ترتبط بالقضايا الأخلاقية.

ويرى الحمصي أن الانحراف محصلة لكثير مما يحدث في المجتمع تحت ما يسميه البعض "التحضر والتقدم" والذي يقود إلى نتائج معكوسة، والمطلوب التأكيد على التعليم والتوجيه والتربية، وتقوية حسن المراقبة مما يُحَسِّن مستوى السلوك، ويخفف - إذا لم يلغِ - الانحراف.

علم النفس والاجتماع والقانون

ويقول الدكتور عبد الجبار الحنيص - أستاذ مقرر قانون الأحداث الجانحين في كلية الحقوق في جامعة دمشق -: "إن هروب الفتاة وانحرافها يشكل مشكلة قانونية وقضائية في المجتمع، ويتمثل ذلك بازدياد عدد القضايا الجزائية الخاصة بالأحداث نتيجة غرقهم في ممارسة مختلف أشكال السلوك المنحرف، الأمر الذي يقتضي اتخاذ المزيد من الإجراءات الشرطية والقضائية لوضع حد لهذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة، فعلى الرغم من الطبيعة الاجتماعية لظاهرة هروب الفتاة وانحرافها أصبح لها مكانة خاصة في التنظيمات القانونية العربية والأجنبية لمعالجتها والحد ما أمكن من انتشار الجرائم التي يرتكبها الأحداث، والسياسة الجزائية ترى أن الجريمة كظاهرة اجتماعية لا تنفصل عن بقية الظواهر، وبالتالي تسعى للقضاء على الجريمة بمحاولة القضاء على الظروف المُهَيِّئة لها، وانحراف الأحداث لا يخرج عن هذا الإطار؛ لذلك تهدف هذه السياسة إلى القضاء على مسببات ظاهرة الجريمة أولاً كمثل معاقبة الأهل إذا ثبت تقصيرهم، ثم العمل على إزالة الآثار الضارة الناتجة عنها في حال حصولها كأن توضع الفتيات في معهد إصلاحي ليقيم سلوكها وإعادة تأهيلها".

وهنا يطرح السؤال التالي نفسه بإلحاح: ما الذي يصل بالفتاة إلى هذه التهلكة والمحطة المتأخرة في كل شيء؟

يقول الدكتور كامل عمران المتخصص في علم الاجتماع: "هروب الفتاة يمثل صرخة جريئة تعبر عنها بأشكال مختلفة، وهو صرخة نيابة عن الأسرة والمجتمع، بمعنى آخر، إن هروب الفتاة يشكل هروبًا اجتماعيًّا بصورته الواسعة؛ لأن الفتاة تعاني داخل المجتمع الذكوري المنحاز نحو الرجل، وتعيش تحت وطأة جملة من الضوابط والضغوط المتراكمة.. منذ ولادتها إلى أن تصبح شابة"، ورد ظاهرة الهروب في مرحلة الشباب إلى كونها تتميز بالاندفاع والحيوية والطموح ورفض القيود؛ لذا فإن الفتاة تعيش حياة حالمة إلى أن تصطدم بالمجتمع البعيد كل البعد عما تحلم به، وعندها إما أن تنكص إلى الخلف وتعيش في عزلة وانغلاق على ذاتها، أو أنها تتجاوز هذه الأمور فتنجرف بأشكال مختلفة من الهروب منها الهروب النفسي، ويظهر عندما تكون العلاقة بينها وبين أسرتها غير متوافقة لأسباب كثيرة منها: تدني الوعي والمستوى التعليمي لدى الأسرة وسيادة التفكير القائل إن الفتاة لها دور معين لا يجوز تجاوزه؛ إذ تؤهل لتكون امرأة مطيعة فقط، وهذا ما يدفع الفتاة إلى حالة من الاغتراب أو الاستيلاب النفسي، في حين تأتي وسائل الإعلام لتكشف واقع مجتمعات أخرى تقوم فيها الفتاة بأدوار مختلفة، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، مما يدفع بالفتاة إلى التمرد، وأضاف الدكتور: إن الفتاة تعيش حياة هامشية داخل الأسرة فهي ليست موجودة بفكرها وروحها وإنما بجسدها فقط، وتنوب الأسرة عنها في تقرير شؤونها، وإذا طُلب منها رأي ما لا تبدي حراكًا، وقد لا تعرف ماذا تريد فتحمل الفتاة الأسرة مسؤولية الأمر وتبعاته، وتوافق فقط كشكل من أشكال الهروب، وهناك شكل آخر من الهروب وهو المشاكسة؛ حيث ترفض بعض الفتيات أي موضوع يطرح لها، سواء أكان سلبيًّا أم إيجابيًّا ليس بهدف الوصول إلى نتيجة ولكن بغرض الحب في المعارضة التي تأتي في هذا الإطار رغبة في إثبات الذات، كما حدد بأن الشكل الأكثر خطورة من أشكال الهروب هو الانسحاب المادي الذي تهرب فيه الفتاة من أسرتها إلى أماكن غير محترمة، عندها تكون الفتاة قد وصلت إلى مرحلة عدم القدرة على تحمل المزيد من أشكال الهروب النفسي أو المشاكسة، ولم تجد أمامها إلا الهروب الذي يدل حتمًا على وجود خلل ما داخل الأسرة، وتعتقد الفتاة بأن الهروب يجعلها بعيدة عن المشكلات، لكنها تفاجأ بأنها وقعت في مشكلات أشد وطأة، عندما تستهلك الفتاة نفسها ولا يوجد من يلتفت إليها.

ويصف الدكتور سامر رضوان المتخصص في علم النفس هروب الفتيات بأنه مشكلة تعكس أزمة الثقة بين الوالدين والفتاة، فعندما ينعدم التواصل بين الوالدين والفتاة ليصبح من طرف واحد يتم فيه نقل التوجيهات والأوامر دون نقاش أو جدال ودون أخذ وجهة نظر الأبناء بما يتم التقرير بشأنهم، وعندما تشعر الفتاة أن حاجاتها النفسية للحب والاعتراف والقبول في الأسرة غير محققة، وعندما يتم تبخيس رأيها والتقليل من قيمتها وتقديرها ذاتها، عندها تبدأ فجوة أزمة الثقة بين الأبناء والآباء تزداد اتساعًا، فينفصل عالم الأبناء عن عالم الآباء وعن الواقع الذي يعيشونه، ويغرقون في عالم خاص بهم، قد يصل في نهاية المطاف إلى اللامبالاة ومشاعر الاكتئاب ومحاولات الانتحار، وعندما تقرر الفتاة الهروب من المنزل فإنها تكون قد وصلت في صراعاتها إلى نهاية المطاف؛ حيث لا تجد حلاًّ وفق ما تعتقده إلا من خلال الهروب من المنزل، وهنا تكون معرضة لخطر أن تمشي وراء أول يد تمتد لمساعدتها، وليس من النادر أن تكون هذه الأيدي غير نظيفة تدفعها للانحراف والجنوح.

ونَوَّه الدكتور سامر رضوان إلى أن حاجات المراهقين ليست غير ممكنة التحقيق والإشباع، فهم يحتاجون بالدرجة الأولى للاعتراف والقبول والاحترام من المحيطين، وأن يتم قبولهم كما هم وليس كما يرغب الوالدان، ويحتاجون إلى الإحساس بكيانهم والثقة بقدراتهم، وعندما لا يجد المراهق هذا من والديه يبحث عنه في مكان آخر حتى لو كان الثمن الانحراف.

والنصارى أيضًا شركاء في الهم!

أما سيادة الوكيل البطريركي المطران غطاس هزيم من بطريركية إنطاكية وسائر المشرق فقد طرحنا عليه سؤالنا عن سبب هروب الفتاة بمعناه المعنوي والمادي من الأسرة.

وقد رد ذلك لأسباب عدة منها النقصان في مفهوم الأسرة لدى بعضهم، فعندما ينظر إلى الفتاة على أنها تابعة تنمو عندها روح التمرد، ولا سيما في سن المراهقة، ومنها أيضًا الأيديولوجيات المنتشرة في مجتمعنا الشرقي والتي تنطلق من مفهوم غربي خاطئ عن معنى حرية الفتاة، أما الحرية الحقيقية وفق المفهوم المسيحي فتتجسد في ألا يكون الإنسان مستعبدًا لأهوائه، وتبدأ من احترام الآخر كآخر في التعبير عن نفسه؛ لأنه خلق على صورة الله (حسب تعبيره هو)، كما أرجع هروب الفتاة إلى سوء الوضع الاقتصادي وما ينجم عنه من آثار سلبية، فكلا الوالدين يعملان خارج المنزل لتأمين الحاجات المعيشية، في حين يتولى تربية الأولاد الجد والجدة أو المربية أو الصديقة التي قد لا تكون صدوقة، فيحرم الأولاد من رعاية ذويهم وحبهم، ويفتقدون لا سيما في سن المراهقة لمن يصغي إليهم ويدخلون في فراغ نفسي يملؤونه في أمور أكثرها شيوعًا يتمثل في انجرافهم في اتجاه وسائل الإعلام، القائمة أساسًا على المتاجرة بالأخلاق لضمان الرواج الأسهل والأسرع لقيمها، علمًا بأن هناك توجهًا إعلاميًّا مقصودًا لتخريب أبنائنا خلقيًّا، والنتيجة أن شباب اليوم ابتعد عن العلم أو أي اهتمام آخر ووصل إلى مرحلة اللامبالاة وعدم التخطيط للمستقبل الغامض أصلاً بالنسبة لهم، وقال إننا لم نزرع بداخل الشباب الطموح ولم نعلمه كيف يحب؟ الفتاة تهرب لأنها بحاجة إلى الحنان الذي افتقدته من والديها، وإلى الكيان المستقل البعيد عن فكرة أنها أداة للمتعة، وألا يفرض عليها ما لا تريده، نريدهم أن يكونوا صانعي قرار وليسوا تابعين، والمعالجة تبدأ بنفي التذمر من الجيل الجديد واعتباره على خطأ وضلال دائمًا، وخلق روح الحوار والإصغاء داخل الأسرة، وأن نعرف ماذا نريد من أبنائنا على أساس الفهم الواقعي والمنطقي لطبيعة العصر الذي نعيشه والبحث عن كيفية التعاطي مع أولادنا، واحترام رغباتهم ومساعدتهم ليكونوا ناجحين بما هم فيه.

آفاق في المعالجة

وبقدر تعقد الظاهرة ومعطياتها وما يحيط بها، يبدو علاجها معقداً، لكن ذلك لا يمنع من إشارات، تتناول الأساسيات في المعالجة، وتقول حنان لحام وهي مربية وباحثة في الشؤون الإسلامية: إن المشكلة كامنة في الأسلوب العتيق للأهل وبخاصة الآباء من خلال الأفكار القديمة والنواهي والأوامر والنظام البيتي، والمطلوب اتباع أسلوب آخر لا يكون محرضاً على الثورة والهروب الذي له أسباب متعددة مثل الانزلاق والاكتئاب ورفض التجاوب مع البيئة العائلية والاجتماعية.

إن الأهل بتغيير أسلوب تعاملهم مع بناتهم سوف يحصلون على المحبة، وينقلون الخبرات التي يريدون، ويحصلون على ثقة الجيل الجديد؛ لأن فتيات الجيل بحاجة لمن يسمع لهن بمحبة، وبحاجة إلى حوار لطيف يتوفر فيه المنطق.

ويشير د. عيسى الشماس الأستاذ في كلية التربية بجامعة دمشق إلى الإطار العام في التصدي لظاهرة الانحراف بالقول: إن الظاهرة موجودة، لا يمكن تجاهلها مهما كانت نسبة حضورها ضئيلة؛ لذلك يجب دراستها بكل جدية والقيام بإجراءات وخطوات للتخفيف منها وتجاوزها، لكن ذلك لا يمنع من تحديد إطار من شأنه التصدي للظاهرة في عموميتها، ومن محتويات هذا الإطار زيادة الوعي الأسري، والتأكيد على التربية السليمة والصحيحة وفق المثل والقيم الاجتماعية، وهذه ليست مسؤوليات الأسرة وحدها، بل مسؤولية المجتمع أيضاً، وكلاهما ينبغي أن يتشدد في منع عمل الأحداث مهما كانت الأسباب الداعية، إلا في أماكن خاصة بهم، وتحت الرعاية المباشرة لمتخصصين تربويين ومهنيين واجتماعيين.

        هروب الفتيات من أسرهن ظاهرة قائمة في المجتمع السوري لها أسبابها وتجلياتها المتعددة المتنوعة، وكما هو الحال في المجتمعات الأخرى، تحتاج هذه الظاهرة إلى الدراسة والتدقيق للوصول إلى إجراءات وخطوات، بل إلى سياسة تعالجها وتَحُدُّ من تأثيراتها السلبية على المجتمع وعلى الفتيات بصورة خاصة .

 

أقرأ في نفس الزاوية:

تحليل: هروب الفتيات.. أزمة مجتمع 

مصر: المدن المتوحشة تفترس البنات 

العربيات في سوق البغاء الأوروبي.. من المسؤول؟ 

 

 طالع بقية موضوعات أب وأم  

 

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع