|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
ترنيمة المساء محمد القاسم
لقد
تحول صوته إلى طيف يخترق حجاب الزمان
والمكان، دار الزمان دورته من اليمين إلى
اليسار.. ساعات.. أيام.. سنوات.. قرون مضت،
كلها مضت، والصبي خلفها ما زال ممسكًا
بالنَّاي، ولكن تغيرت الأشكال والألوان،
ومعها تغيرت الأنغام. ومن
على بُعْد تراءى للصبي الصغير شيخ كبير،
بَدَا على جبينه كَرُّ السنين، وحوله فتية
صامتون، اقترب الصبي الصغير من مجلس الشيخ
الكبير، ووقتها كان يقول: أيها الأبناء،
كم يعيش الإنسان؟ قالت تلميذ: ستين أو
سبعين، وقد يمتد قرنًا من الزمان، فقال
الشيخ: عندما نعيش لذواتنا فسحب، تبدو
الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا
نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود. أما
عندما نعيش لغيرنا، أي نعيش لفكرة، فإن
الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث
بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لهذه
الحياة، فمن عاش لنفسه عاش عمره فقط، ومن
عاش لفكرة أو مبدأ أو للآخرين عاش مدى
الحياة. قال
تلميذ: أيها الحكيم، كثرت الثمار الخبيثة؛
لا بد من قطعها. قال
الحكيم: لا تجعلوا اهتمامكم قطع الثمار
الخبيثة؛ فكلما قطعتم ثمرة أخرجت الشجرة
الخبيثة آلاف الثمار، ازرعوا الأشجار
الطيبة في كل مكان حتى تختنق الأشجار
الخبيثة، وقتها فقط يا أبنائي، ستشرق
الشمس من جديد. ومضى
يقول: اعلموا يا أبنائي، أن بَذْرة الشر
تهيج، ولكن بَذْرة الخير تُثمر، إن الأولى
ترتفع في الفضاء سريعًا، ولكن جذورها في
التربة قريبة، حتى لتبدو أنها تحجب عن
شجرة الخير النور والهواء، ولكن شجرة
الخير تظل في نموها البطيء؛ لأن عمق
جذورها في التربة يُعَوِّضها عن الدفء
والهواء، شجرة الخير تصبر على البلاء،
وتتماسك أمام العاصفة وتظل في نموها
البطيء لا تحفل بالأقْذاء والأشواك. قال
تلميذ: فما بَالُ دماء الأبرياء؟ قال:
علمها عند ربي، في كتاب لا يضل ربي ولا
ينسى، أبدًا يا بني، لن تضيع دماء
الأبرياء، دماؤهم قَسَمات صبح تتقيه يد
الجناة، وحتمًا يا بُنيّ، سيطلع الصباح. قال
آخر: ماذا أفعل وأنا الضعيف؟ قال
الحكيم: بُنيَّ، أنت لست ضعيفًا، يمكنك أن
تؤدي دورًا في الحياة.. ومضى الشيخ يقول:
هناك قصة تداوَلَتْها الأجيال، قصة "الحُجَيْر
والسَدّ العظيم" لقد نظرت الأحجار
الكبيرة إلى الحُجَيْر نظرةَ احتقار، ما
فائدة الحُجَيْر أمام هذه الأحجار؟ تسرب
هذا الشعور إلى الحُجَيْر؛ فقرر أن يترك
مكانه في السد ويرحل، يرحل إلى مكان يحس
فيه بقيمة ذاته، تحرك الحُجَيْر؛ ترك فجوة
مكانه، كانت صغيرة قدر حجمه، ولكن سرعان
ما اتسعت شيئًا فشيئًا؛ حتى انهار السد
العظيم، واجتاح الطوفان المدينة؛ فتركها
قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فيها عِوَجًا ولا
أَمْتًا، أَثَرًا بَعْدَ عَيْن. وفجأة
جاء جنود السلطان يطلبون الحكيم، ومرت
أيام وسِنُون، ومن يومها والتلاميذ ما
زالوا يبحثون عن الحكيم، أما الصبيّ
الصغير فقد عرف الطريق؛ اِلْتَقَمَ الناي
وترنم بترنيمة الفجر الجديد. تحول
صوته إلى طيف يخترق حجاب الزمان والمكان.. ودار الزمان دورته، ولكن هذه المرة من اليسار إلى اليمين، فإذا بالصبي الصغير على شاطئ النهر الخالد يجلس بينما كان الليل يَأْذَن بالرحيل.
إقرأ في نفس الزاوية: |
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||