|
الشتات
لا يبني حضارة
رغداء محمد أحمد بندق
أَرْجِع
البصر كرتين لأرض الكنانة، ثم اسْتَرِقِ
السمع من حولك، تدرك قيمة تلك الحضارة
العريقة التي إن دلت على شيء فإنما تدل على
القدرات الفذة التي امتلكها المصري
القديم؛ لتأسيس أول دولة كاملة الأركان،
من حيث الحاكم والشعب والنظم الإدارية
والدساتير، حتى وصل إلى الإبداع الغني
المتمثل على سبيل الذكر لا الحصر في الطب
والهندسة والبناء والأهرامات وغيرها
الكثير وكلها أعمال من روعتها وتفردها
يخيل للمرء أنها ابتدعها أفراد من كوكب
آخر، نثروها على أرض الكنانة ثم
غادروها،وبقيت أسرارها محفوظة لأن الكهنة
كانوا يكتبون أسرار صنعتهم باللغة
الهيروغليفية، بينما يستخدم العامة اللغة
الهيراطيقية، وظلت الهيروغليفية سرًّا
محتكرًا موروثًا للكهنة والعلماء فقط
فرحلوا وفي طيات
قلوبهم أسرار اللغة وإلا فلماذا لم نرث
منهم هذا الإبداع وقد زاد رصيدنا بعقيدة
توحيد ورسالة خاتمة؟ ولماذا تدهور بنا
الحال إلى هذا الحد ؟!.. هذا ما جنيناه
بأيدينا ولو أردنا أن نصل إلى جزء من كل
تلك الحضارة لفعلنا.
إذا أردنا كَرَّ البَكَرة
فعلينا بأول الخيط.. فنبدأ بمعنى كلمة "مصر"
فلقد اختلفت الروايات في معناها، فالبعض
يرجعها إلى اسم "مصراين بن سام بن نوح"
الذي استوطن أرض الكنانة، ثم اُختصر الاسم
مع الزمن إلى مصر، والبعض الآخر يقول: إنها
مفرد "أمصار" وهو المكان الذي يستقر
به للاستراحة من عناء السفر، أما الإغريق
فقد أطلقوا على مصر اسم "إيجيبتوس" أي
الأرض الخصبة السوداء، ثم تحول إلى "إيجبت"
في اللغات الأجنبية.
عند إنشاء أي حضارة
يُؤَمَّل في استمرارها وبقائها ينبغي أن
توضع الموارد المائية
في الحسبان، وهذا ما حدث بالضبط في
حضارة العراق عند نهري دجلة والفرات،
وحضارة مصر عند وادي النيل. فاستقر البشر
على ضفاف وادي النيل، وأقاموا هناك إقامة
دائمة، وبدءوا بعمل مجتمعات قبلية صغيرة
في قرى متناثرة حول الوادي تطورت مع
الزمن، فكانت مدنًا ثم أقاليم يربط بين
مصالحها وادي النيل من الجنوب حتى الشمال،
فكانت الوحدة الوطنية التي قام بها "مينا
نلامر" موحدًا بين الدلتا والوادي،
رامزًا لتلك الوحدة بقرص الشمس ممدود
الجناحين كرمز لاتحاد الدلتا بالوادي.
قَسَّم المؤرخون التاريخ
المصري إلى ثلاثة عصور: مصر القديمة، ومصر
الوسطى ومصر الحديثة تضم ثلاثين أسرة
حاكمة، وضعت كل منها بصمتها على الحضارة،
فمنهم من وَحَّد القطرين "مينا"،
ومنهم من عمل على تطوير الفنون "خِنت"،
ومنهم من استعمل مياه فيضان النيل في
التنمية الزراعية "ودمو"، ومنهم من
قام بأول إحصاء سكاني عام "عذايب"،
وغيرهم كثيرون تنافسوا على تطوير البلاد..
وما زالت البرديات تضم في خلجاتها أسرارًا
ما زلنا نجهلها حتى الآن بداية من عمل
التحنيط، والعمارة، والطب وغيرها الكثير
والكثير. ومن عجائب الدهر أن المصري
القديم كان يؤمن بالبعث، وأن هناك حياة
أخرى، فكانوا يدفنون مع الموتى الذهب،
والفضة، والأواني، والطعام، والأثاث وحتى
الكتب اعتقادًا منهم بأن المُتَوَفَّى
سيستخدم تلك الأدوات في العالم الآخر. ولم
يصل الأمر بإيمانهم بالبعث فقط، بل كان
منهم المُوَحِّد بالله مثل "إخناتون"
الذي دعا إلى أن يُقام العدل، ويُمنع
النفاق حتى اعتقد بعض المؤرخين بأنه رسول
طرأ على رسالته التحريف من بعده، ومنهم من
يرفض هذا ابتداءاَ.
حضارتنا
الفريدة،وهي ملك لأبناء المنطقة كلهم
الذين وحدهم الإسلام، وما زلنا إلى الآن
نجهل عنها وعن أسرارها الكثير والكثير حتى
صارت تلك الحضارة ثروة يحاول اكتسابها كل
طامع، ويُمَنِّي كل مجهول الهوية نفسه
بأنه ينتسب (إليها) وأن أيدي أجداده شاركوا
في إنشائها؛ فبدأ يطالب بحقه فيها،
ويستميت لإثبات وجوده في مصر بأي السبل.
كما فعل اليهود بادعائهم بأنهم بناة
الأهرام؛ ويزعمون ذلك لأنهم كانوا عبيد
الفراعنة، وفي الحقيقة مصر بَنَت الأهرام
قبل أن يتواجد اليهود؛ لأنهم كانوا شرذمة
من البادية يعبدون الماشية والصخور، فكان
من اليسير على الفراعنة استعبادهم. وهم ما
زالوا يتذكرون فيما بينهم أنهم كانوا
عبيدًا للمصريين، ويزعمون أنهم من بنوا
الأهرامات؛ ففي كتابهم "الهاجاده"
"اذكروا أنكم كنتم عبيدًا لفرعون"
وهنا لا أجد ردًّا على تلك الادعاءات أفضل
وأبدع من رد الدكتورة
نعمات أحمد فؤاد في كتابها "إسرائيل
ماذا تقول.. الوقائع والكتب" والحديث
على لسانها" "أقول: العبيد لا يصنعون
حضارة أو إعجازًا مما تشهد به الروائع من
صنع المصريين الأحرار. الحضارة تولد في
أمة مستقرة وقريرة، عندها النيل ومجران
وسهلان وصحراوان غنيتان بالكنوز ..
الحضارة لا تولد في الشتات المذعور" ..
نعم، إنه لأبلغ رد على أدعياء الحضارة
الذين ما استكفوا بسرقة أرض فلسطين؛
فطمعوا في حضارة أملاً في أن تمنحهم
الأصالة.
وهكذا بدت لنا آثار
الفراعنة آية تثبت قدرة الخالق في خلقه،
وكأن كل حبة رمل في أثر تشهد لله تعالى
بالعظمة، وتُرَتِّل في زهو وفخر قوله
تعالى: "سَنُرِيْهِمْ آيَاتِنَا فِي
الآفَاقِ وَفِيْ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ شَهِيْد" [فصلت: 53] صدق
الله العظيم.

طالع
بقية موضوعات الجسر
حواء وآدم
|