|
العنف الاجتماعي يجتاح المدن
هبة
التهامي
في
تقريره الإستراتيجي السنوي الأخير أكد مركز
الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
بالقاهرة أن إسدال الستار على مواجهات
السلطة الباطشة للمعارضة الدينية –خاصة
المسلحة-والتي أسماها التقرير "مرحلة
العنف الديني" التي شهدتها مصر في العقد
الأخير،لا يعني اختفاء العنف ،إذ حل العنف
المجتمعي محل العنف السياسي، في تطور خطير
للواقع الإجتماعي المصري ، وهو ما يمكن رصد
أشكال مناظرة له في دول أخرى بالمنطقة لم
يفرد لها التقرير المساحة التي يفردها لمصر
بشكل خاص.
وأكد
التقرير على عدم جدوى التشريع وحده في
مواجهة تلك المشكلة المعقدة وأن أعمال العنف
لم تتوقف أو تقل وانما انتقلت لساحة
المجتمع والحياة اليومية.
وأرجع
التقرير هذا العنف المتصاعد إلى سقوط هيبة
القانون واحترامه ، وعندما يصاب مجتمع بهذا
المرض يصبح مستقبله في خطر حقيقي وأخطر ما
يؤدي إليه هو أن يزداد الإحساس العام
بانقسام المجتمع إلى فئتين، إحداهما فوق
القانون والأخرى تعاقب به، وعندئذ قد يتحول
مبدأ المساواة أمام القانون إلى وهم يعتاد
الناس على عدم تصديقه وحينها ندخل إلى مرحلة
يتراجع فيها معنى المواطنة نفسه.
وأبرز
التقرير أن أخطر ما يترتب على الربط المبالغ
فيه بين الثراء والخروج على القانون هو خلق
أجواء تدفع للحقد الاجتماعي الذي يضر بتطور
المجتمع والاقتصاد. ويستطيع من يشاء استغلال
الاختلال في سلوكيات بعض المستثمرين ورجال
الأعمال وتحويلها لمادة الاستفزاز
الاجتماعي ، ودعا إلى أن يكون تأكيد احترام
القانون جزءاً لا يتجزأ من تنشئة الشباب
ومناهج التعليم وكذلك الإعلام.
فقد
أدى ضعف وتحلل مؤسسات التربية الأولية (الأسرة
–المدرسة وغيرها) والتغير الاقتصادي
والاجتماعي ،وكذلك انتشار العشوائيات أو
مدن الصفيح التي تنتشر كالنطاق على خاصرة
المدن الكبرى، و ركود لتكرس وزيادة انخراط
فئات مجتمعية في
قطاعات الاقتصاد الأسود (المخدرات –
الدعارة – التهريب وغيرها)و العداء تجاه
الدولة وأجهزتها المختلفة مما أثمر نمط نوعي
من العنف الاجتماعي وهو ما يمكن أن نطلق عليه
العنف الوظيفي أو الارتزاقي ويطلق عليه
اصطلاحاً "البلطجة".
وأشار
التقرير إلى أن الحاجة لإعادة تأكيد سيادة
القانون قبل إدخال تعديلات عليه مما يقتضي
أن لا يكون أحد فوق القانون وأن يتم تطبيقه
على الجميع صغارًا وكبارًا.
ففي
دراسة هامة للمركز القومي للبحوث
الاجتماعية والجنائية قدرت حوادث العنف
المجتمعي خلال عام 1998 بحوالي 5000 حادث، كانت
المناطق العشوائية والهامشية مسئولة عن 7%
منها على الأقل والخطير هنا أن هذه المناطق
أصبحت بمثابة مجتمع مواز للمدن الكبرى، فبعض
صغار المجرمين الذي يتعيشون من بيع قوتهم
الجسدية، وتضرب عرض الحائط بالأطر
والانساق، القانونية والقيمية، والمقارنة
المؤسفة في هذا الصدد تتمثل في تورط عدد من
بعض أعضاء المؤسسة التشريعية في ممارسات لا
يمكن تصنيفها في غير خانة البلطجة والفساد
الهيكليين.
والعنف
في المدارس:
وكشف
التقرير أن الدراسات تشير لوجود عنف متزايد
أيضاً في المدارس يعكس علاقة عضوية بين
التنشئة الاجتماعية والعنف على مستوى
الطلاب،وأوضحت الدراسات في قطاعات الطلبة
الشعور بالإحباط وعدم الأمان وانتشار
النماذج العدوانية وزيادة التوتر بسبب
حالة العنف العامة، والتمادي في العقاب
الجسماني في تربية الطفل وعدم استقرار
الأسرة والفقر وسوء الحالة الاقتصادية
ونظام التعليم الحالي وما تنشره وسائل
الإعلام من مادة عنيفة، وانتشار البطالة
والمشكلات السكانية ومشاكل الصحة
والمواصلات –هذه
كلها أسباب تهيئ نفسية المراهقين والشباب
للعنف، وفي هذا السياق يجب التفرق بين نمطية
متمايزين وإن كانا متكاملين، بمعنى أن
أحدهما يعد بمثابة إعداد وتأهيل للآخر وتعني
بذلك العنف الطلابي، أي المشاجرات
والسلوكيات العشوائية التي ينخرطا فيها
الطلبة داخل أسوار المدارس والمؤسسة
التعليمية أو على مقربة منها والعنف الجنائي
الذي يأخذ صوراً متعددة كالسرقة والقتل
والاغتصاب وغيرها وفيما يتعلق بالنمط الأول
وهو الأخف حدة تشير كافة الدلائل التي يمكن
استخلاصها من التابعات والتحقيقات الصحفية
المتوافرة إلى تزايد معدلاته بشكل ملحوظ هو
عنف يأخذ في كثير من الأحيان شكل الشغب
ويتوازى مع النمط السابق ، وقد تنامت حوادث
العنف الجنائي التي يمكن تصنيفها تحت مسمى
"جرائم الطلبة" تزايد ملحوظ على مدار
السنوات الأخيرة وعلى الرغم من ضعف البيانات
والدراسات التحليلية المتعلقة بهذه النوعية
إلا أن التقارير الأولية المتوافرة تؤكد هذا
المنحنى.
وأكد
التقرير أن العنف المؤسسي يغذي العنف
المجتمعي ويقصد هنا التعسف الإداري والأمني
الذي تكمن خطورته في استناده إلى القوة
وسطوه الدولة ذاتها (ماديًا ورمزيًا) ونفيه
لإمكانيات الحوار والتفاوض، الأمر الذي
يؤدي لتفجر العنت التلقائي كآلية وحيدة
للتعبير عن التذمر أو الدفاع عن المصالح
المهدرة وذلك في دائرة مفرغة من العبث
والعنت المضاد.
ودعا
التقرير بشدة إلى إصلاح النظام القضائي
ليكون أكثر استقرارًا وسرعة وعدالة ليساهم
بكفاءته في إعادة هيبة الدولة.
وذكر
أنه لا يمكن التطلع إلى إصلاح حقيقي للنظام
القضائي بدون
إستقلال القضاء والنظر للقضية وليس لشخص
المتهم.
كان
التقرير السنوي السالف قد أثار نفس القضية
لأول مرة ليتم استمرار التأكيد عليها للعام
الثاني على التوالي، حيث كان في تغطيته
لأحداث عام 1998 وجود إرهاصات تفاقم العنف
المجتمعي في الوقت الذي ينحسر فيه العنف
السياسي /الديني مؤقتًا، وعدم إمكان
الاعتماد على الأداة التشريعية وحدها
لمواجهة ظاهرة معقدة. وانتقد المقارنة في
التقارير الرسمية بين معدلات العنف في مصر
ومعدلاته في الولايات المتحدة للتقليل من
شأن الظاهرة، مع التغاضي عن أية فروق في
الأنماط الثقافية والاجتماعية.
ولفت
التقرير النظر إلى أن مساهمة التعسف الإداري
والأمني في نشوب أحداث عنف مجتمعي جماعية في
عدة مناطق ، ولقد جاء القانون ليشدد
العقوبات على صغار العنف رغم تعاظم انتهاكات
الكبار. ويلاحظ أن انتهاك القانون أصبح
ظاهرة يقوم بها رجال الأعمال والوزراء
وأعضاء مجلس الشعب. وحتى بعض الأثرياء العرب
الزائرين والمقيمين -من غير المصريين.
جدير
بالذكر أن النظام السياسي يحاول من خلال
قضايا محاربة الفساد وأشهرها قضية نواب
القروض -التي اتهم فيها عدد من رجال المال
والأعمال ونواب البرلمان بالحصول غير
المشروع على قروض ضخمة من البنوك -قد صدر
فيها منذ أيام حكماً قاسياً من محكمة أمن
الدولة العليا في محاولة للتأكيد على أنه لا
أحد فوق القانون، وهي الرسالة التي لن تصل
للمواطن العادي ما لم يلمس تحسناً موازياً
في الأوضاع المعيشية ، والمناخ السياسي
والاجتماعي العام.
إقرأ
في الأخبار:
المرأة والإعلام في زمن العولمة
-
طالع بقية موضوعات أخبار وأرقام
حواء وآدم
|