بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
دكتور/ جلال أمين:
نعم .. المرأة أفضل حالاً.. ولكن ما هو ثمن التقدم ..؟
     ليس أهم ما يميز د/جلال أمين أنه أستاذ اقتصاد بارز أو كاتب متميز لا تستطيع أبداً أن تترك مقالاً له إلا بعد أن تنهيه، إنما الذي يميزه في نظري أنه إنسان ما زالت عنده القدرة على الدهشة المستمرة، لذا يستوقفه ما لا يستوقف الآخرين فيرى ما قد نمرّ عليه مرور الكرام، ويحلله، فتتعجب كيف لم تلاحظ ما لاحظه أو ترى ما رآه… وأنه يقرأ الواقع ويعيشه مفتوح العينين ولا يكتفي كاقتصادي بقراءة الأرقام …أو الاختباء وراءها.
أحمل في حقيبتي كتبه التي قرأتها بعناية وآخرها كتابه الذي فاز بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب: ماذا حدث للمصريين، والذي تعرض فيه لمركز المرأة، وذهبت لأناقشه تحديداً في: ما الذي حدث… للمصريات، كحالة تتكرر بمعظم جوانبها في العديد من البلدان العربية والإسلامية.
كيف يرى تغير وضع المرأة بعد أن تعلمت وعملت، وهل هي في نظره أحسن حالاً، وما هي التحديات داخل الأسرة وخارجها…وما الذي يميز نساء جيله عن بنات جيلنا...؟.
بين أمي وابنتي
**كاقتصادي.. كيف تفهم تطور وضع المرأة في العقود الماضية؟
هناك طبعاً الاقتراب الإحصائي.. أن أقرأ نسب مشاركة المرأة ووضعها في التعليم والعمل والسياسة، ولكن عندما خطر لي أن أستعرض التطور الذي طرأ على مركز المرأة في مصر خلال الخمسين عامًا الماضية، فضّلت ألا أذكر إلا ما رأيته بعيني، وخبرته خبرة شخصية ومباشرة. ومن ثمّ بدا لي أن أنسب طريقة لتناول الموضوع هي أن أقارن بين حال أمي كما عرفته عندما كنت طفلاً صغيرًا، وبين حال ابنتي بعد أن تزوجت وأصبح لها طفل صغير. ولكني ألزمت نفسي باستبعاد كل ما هو غريب واستثنائي، وأن أقتصر على ما أعتقد أنه عام وشائع، ومن ثم فلن أقول عن أمي إلا ما أعتقد أنه كان مشتركًا بينها وبين معظم نساء جيلها، ولن أقول عن ابنتي إلا ما أراه يمثل الاتجاه الشائع الآن فيمن كن في مثل سنها ومثل طبقتها الاجتماعية.
** وماذا وجدت؟
عندما أقارن بين حال أمي منذ نحو خمسين عامًا، وبين حال ابنتي الآن يستولي عليّ العجب من أكثر من وجه؛ العجب من الفرق الشاسع بين الحالين، والعجب من الذين لا يريدون الاعتراف بما حققته المرأة المصرية من تحرر وتقدم عقلي ونفسي. إني أنظر إلى ابنتي فأجد أن لها وظيفة تشغلها من الصباح الباكر حتى الرابعة بعد الظهر، وهي وظيفة ليست روتينية، بل تتطلب ابتكارًا ومبادرة. وهي تنشغل بعد ذلك (وقبل ذلك) بطفلها الصغير وبأمور بيتها وحاجات زوجها. وهي تحضر في نفس الوقت لشهادة عليا بالجامعة تتطلب منها حضور محاضرتين مسائيتين كل أسبوع. وقيادة سيارة في بعض من أشد شوارع القاهرة ازدحامًا، عدا الاستذكار والاستعداد للامتحان وكتابة البحوث. ومع ذلك فهي أكثر حرصًا مائة مرة مما كانت أمي على مظهرها وهندامها، وتختار ملابسها وتصفف شعرها بعناية أكبر. وتبذل جهدًا أكبر بكثير مما كانت تبذله أمي في تجميل بيتها واختيار أثاثه.. إلخ.
ما الذي كانت تصنعه أمي إذن؟ لا وظيفة ولا دراسة ولا اهتمام بهندام أو ملابس، ولا بتجميل البيت، ولا قيادة سيارة، بل ولا خروج من البيت إلا لماماً، ولا فيديو ولا تليفزيون، بل ولا أذكر أني رأيتها تدير أسطوانة على فونوغراف، أو تنصت إلى الراديو، وذهاب نادر جدًا إلى السينما أو المسرح، وقراءة نادرة جدًا أيضًا لا تكاد تزيد على نظرة سريعة إلى الأبواب الخفيفة في بعض الصحف، ولا تفنن في اختيار اللعب أو الكتب لأولادها، كما تفعل ابنتي الآن؛ إذ لم يكن الاعتقاد شائعاً وقتها بأهمية هذه أو تلك، كما أنها لم يكن لديها الوقت ولا صفاء البال للتفكير في ذلك، لم يكن لديها الوقت.. لماذا؟ ما الذي كانت تصنعه إذن إن لم تكن تفعل أي شيء من هذه الأشياء؟.
هل كان المطبخ وطهي الطعام هما كل ما يشغل حياتها؟ نعم أو يكاد، وكم يبدو الأمر الآن مدعاة للرثاء.
بالطبع.. أنا طرحت هذه المشكلة في التمييز بين المرأة والرجل في محاضرة لي موثقة ومطبوعة منذ عام 1983م، وكانت في مجمع النقابات المهنية في 8 مارس ليوم المرأة العالمي، حيث أجريت دراسة على كل التشريعات الأردنية، ولبيان المواقع التي فيها إجحاف بحق المرأة أو تمييز ضدها، وكان من ضمن المحاور قانون العقوبات. وأشرت إلى هذا التمييز بشكل واضح في ذلك الوقت، كما كتبت العديد من المقالات في الصحف من أواسط الثمانينيات. وللأسف أقولها بشدة: لا تصبح القضية قضية إلا عندما يطرحها الإعلام الغربي، أنا فعلا كنت أتمنى أن تؤخذ بجدية لأن فيها إزهاق أرواح بريئة، وحتى عندما يكتشف الأهل أن بناتهم بريئات لا يدافعون عنهن، ونحن نعرف -دينيًا وإنسانيًا- بأن إزهاق أرواح بريئة أمر يستحق الوقفة الصارمة.
إن هذا النوع من الجرائم يكثر كلما كانت العائلة أفقر وكلما كانت البيئة أكثر شعبية، والسبب أن هذه الجرائم تحدث عندما يتضح الأمر، أما عندما يكون الأمر سريا يكون هناك إمكانية لعلاجه ولا تحدث الجريمة، فإذا كانت العائلة غنية يكون عندها إمكانية عمل عملية لإعادة البكارة أو الإجهاض إذا كان هناك حمل غير شرعي، بسبب قدرتهم المادية وسهولة تحركهم بالخفاء، على عكس الناس الفقراء، وهذا دليل على أن الإنسان بطبيعته لا يحب ارتكاب الجرائم، ففي إحدى الحالات التي مرت معي، الأخ قام ببيع ذهب زوجته لكي يعمل عملية إجهاض لأخته التي اغتصبت، ولكنه لم يجد الطبيب، وأخته كانت في الشهر الرابع فذهب واشترى مسدسًا وقتلها، لو أنه تمكّن من إخفاء الموضوع لما اضطر إلى قتلها، لكن المجتمع والقيم السائدة تجعل هذا الشخص يشعر بالخزي إذا لم يقتل، وليست قناعته الذاتية.
** ولماذا لم تسع أنت لتغيير هذا الوضع وفتح آفاق أوسع لها؟
هذه نقطة هامة وهي دور الرجل في تغيير وضع المرأة..ببساطة لأن الوعي ببؤس هذا الروتين اليومي والإحساس بالحاجة لإثراء الحياة بأمور أخري لم يكن موجوداً ، لا لدينا ولا لديها هي ذاتها.
كانت أمي ذاهبة أو آتية من المطبخ يتصبب عرقها، وهي تجهز الطعام لابن بعد آخر من أبنائها الذين يصلون من مدارسهم أو جامعتهم على فترات، فلا يقبل أحد منهم الانتظار ولو لربع ساعة حتى يأتي أخوه، ويطالب كل منهم بحقه في الأكل بمجرد وصوله وإلا مات جوعًا، فيثور عطفها وتحضر له الطعام على المائدة بعد تسخينه، فيقبل عليه حضرته دون أن يكلف خاطره بمبادلتها الحديث، بل ويسمح لنفسه أن ينتقد هذا الصنف من الطعام أو ذاك، ثم يذهب لينام أو ينطلق "للمذاكرة" مع أصحابه.
كانت أمي كثيرًا ما تردد ضاحكة "إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا". ولم تكن في الواقع تشعر -إلا نادرًا-، بأية غرابة في الأمر برمته. كما أن أبي -الأديب والمؤرخ المرموق أحمد أمين -مع كل تحرره الفكري واتساع أفقه- لم يكن هو بدوره يرى أية غرابة في الأمر. لقد كتب مرة في كتابه (حياتي) الذي أودعه سيرته الذاتية، وهو يصف شعوره وخواطره عندما رأى أوروبا لأول مرة أن الفضل الأكبر في تقدم الأمم الأوروبية يعود لدرجة المرأة في الرقي، ولكن لا شك أن ملاحظته عن المرأة تنطوي على جزء كبير من الحقيقة، ومع ذلك فلا يبدو أن أبي قد بذل جهدًا كبيرًا للارتقاء بمركز المرأة في بيته هو، أو لعل الأدقّ أن أقول: إنه ربما اكتشف في وقت مبكر من الزواج أنه مهما بذل من جهد فإنه لن يستطيع أن يغيّر كثيراً من مركز المرأة في بيته هو أو خارجه؛ إذ كانت التربية التي تلقتها أمي والظروف التي ترعرعت فيها تكاد تحتم أن يكون مركز المرأة على ذلك النحو.
نحن نتعرض للأسف لهجمة بأشكال مختلفة من قوى مختلفة نفترض فيها أن تعالج الموضوع من جوهره بشكل علمي وموضوعي، مثلاً: سمعت "السيد عبد اللطيف عربيات" على قناة BBC يجيب على سؤال عن هذا الموضوع وقال إنه إسلاميا ضد الحملة. وكما فوجئت بـ "السبيل" أن "أبو زنط" و"علي أبو الراغب" مستشار السبيل و"صالح العرموطي" -الذي هو أيضا محسوب على الاتجاه الإسلامي- كلهم يقولون: إن هذه الحملة مغرضة، ونحن لا نقبل أن ترضخ الحكومة للضغوط وتعدل القانون (!)
** يبدو الأمر لجيلي غريباً، كيف تقبلت النساء هذا الدور وحده دون آفاق أخرى قد تكون أيضاً لازمة لإثراء هذا الدور ذاته؟
التنشئة هي الكلمة؛ صحيح أن الإنسان ليس أسيرًا لها، لكنها في أحيان كثيرة تكون حاسمة. كانت أمي تمثّل جيلاً كاملاً من النساء المصريات اللاتي تربين وترعرعن على نظرة غريبة حقًا إلى الرجال، تدور على اعتبارهم في الأساس مصدر أمنهم الاقتصادي، ولكنه مصدر غير موثوق به ومعرّض للتقلب والتحول في أية لحظة، ومن ثم فإن عليهم التدرب على فن الإبقاء عليه وإتقان هذا الفن، وإلا تعرضن لمصير لا يحسدن عليه. إني لا أبالغ بالقول بأن العلاقة بين الزوجين كانت بناء على ذلك أقرب إلى العلاقات السياسية التي تحكمها فنون الحرب والدبلوماسية والمراوغة منها إلى العلاقات العاطفية. ولن يبدو هذا غريبًا متى تأملنا حال المرأة المصرية في ذلك الوقت. فقد كانت المرأة المصرية محرومة في أغلب الأحوال من أي مصدر يؤهلها لكسب العيش بطريقة مستقلة عن الزوج، ولم تكن تحظى في أغلب الأحوال بأي تعليم على الإطلاق يمكنها -ولو نظريا- من هذا الكسب. كانت التبعية الاقتصادية للرجل هي إذن وبلا شك الأصل في هذا المركز السيئ، ليس فقط بمعنى الاعتماد الفعلي على الرجل، بل وأيضًا عدم القدرة على تحقيق أي نوع من الاستقلال الاقتصادي عنه حتى لو أرادت.
تلقت أمي منذ صغرها كما تلقت الآلاف المؤلفة من النساء المصريات من جيلها الدرس الخالد في أن الزوجة "يجب أن تقص جناحي زوجها لكيلا يطير". وأن أفضل طريقة لإتمام هذا القص هو كثرة الإنجاب. وكانت النتيجة أن أبي الذي كان يخطط أن يكون له ولدان انتهى بأن يكون لديه ثمانية بفضل تلك النصيحة الخالدة التي تلقتها أمي منذ نعومة أظافرها. وفي رأيي أن هذه التبعية الاقتصادية وما ترتب عليها استمرت تلقي بظلها القاتم على العلاقة بين أبى وأمي طوال حياتهما معًا. لم تكن بالطبع علاقة خالية من المودة أو العاطفة، ولكن كانت هذه تأتي على فترات متقطعة ومتباعدة كفترات إشراق الشمس في سماء ملبدة بالغيوم. كانت المرأة أيام أمي إذا امتدحت الرجل أشادت في الأساس بأنه "لا يترك شيئًا يحتاجه البيت إلا قام بتلبيته". أفضل الرجال كان هو "سخي اليد" وأسوأهم هو من ينفق أمواله "خارج البيت" على الكيف أو القمار أو النساء. وكانت تغتفر له أشياء كثيرة -مما لا تغتفر له الآن- إذا كان ينفق بسخاء على أهل بيته.
أين نحن الآن من هذا كله؟ لقد نجحت المرأة المصرية إلى درجة بعيدة جدًا في كسر هذه التبعية الاقتصادية، فخرجت للعمل وكسب القوت والتعليم، وصارت في أحوال كثيرة جدًا ندًا للرجل، وزميلته في المصالح الحكومية والشركات والجامعات. ومع ارتفاع معدل التضخم وازدياد أعباء الحياة أخذ الرجل يبحث عن المرأة التي تستطيع أن تتحمل معه هذه الأعباء، فأصبح يفضل المرأة العاملة، وأدى ذلك بالضرورة إلى اكتفائهما بعدد أقل من الأولاد، وبيت أصغر، مما أدى بالتالي إلى أعباء منزلية أخف ومطبخ أصغر وطهي أقل، وإذا بوظيفة المرأة الأساسية تنقلب رأساً على عقب. وتتحول العلاقة القائمة على المعارك الحربية والسياسية إلى علاقة تتطلب العاطفة في الأساس، وكثيراً ما تتوافر لها هذه العاطفة. لم يعد أهم ما يعيب الرجل في نظر المرأة هو "جيبه" كما كانت تقول أمي نقلاً عن أمها، وإنما أشياء أخرى لا يسيطر عليها الاقتصاد لحسن الحظ. وهذا ليس فقط تحسناً في وضع المرأة بل وضع الرجل أيضاً، فالعاطفة الآن أساسية في العلاقة ونحن الآن كرجال أكثر وعياً بحاجتنا إليها، وليس من الغريب إذن ذلك التطور الكبير الذي طرأ على الأغاني العاطفية التي كانت تحرك قلب أبي وأمي، وتلك التي يمكن أن تحرك قلب ابنتي. فالمرء يعجب من كمية دموع العين التي ذرفها المغنون، واحدًا بعد آخر حزنًا على بعد الحبيب، ومن كمية ساعات الليل التي لم تر فيها العيون النوم شوقًا إليه، بالمقارنة بما يشيع في أغاني اليوم من فرح وابتهاج بالحياة وتفاؤل برضا الحبيب. كان الحزن الذي يخيم على أغاني الحب طوال النصف الأول من القرن، واليأس التام من ملاقاة الحبيب، ولهيب الشوق الذي لا يمكن إطفاؤه.. إلخ كلها تعكس انفصالا حديديًا بين الجنسين، أو زواجًا لم يكن لأحد الطرفين اليد العليا في إتمامه، لا الرجل رأى العروس قبل أن يتزوجها، ولا هي رأته أو كلمته قبل أن تُزف إليه. وكان أبي وأمي وهما يستمعان إلى أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد المطلب القديمة، المملوءة حزناً وشجناً ويأساً كانا يبكيان مع المغنين الحب الذي لم يتمتعا به.
الاستقلال الاقتصادي .. والسعادة
** العمل والاستقلال الاقتصادي - إذن - حققا سعادة أكبر للأسرة ؟
(يضحك) ليس بشكل نهائي من النقيض للنقيض …هناك تنويعات أخري تثري الرؤية…ونساء لم يعملن وأكثر سعادة، خطر لي أن أختبر صحة هذا التفسير الاقتصادي لمركز المرأة في مصر بأن أنظر في حالة أختيَّ.. أي جيل بين أمي وابنتي، كيف كان حالهما من حيث التبعية الاقتصادية للزوج بالمقارنة بأمي وابنتي؟ وكيف كان حالهما من حيث العلاقة العاطفية بينهما وبين زوجيهما؟ وجدت أن أختيَّ تقعان في المنزلة بين المنزلتين في كلا الأمرين: لقد خطتا بضع خطوات إلى الأمام بالمقارنة بأمي من حيث الاستقلال الاقتصادي عن الزوج، كما أن علاقتهما الزوجية كانت فيما يبدو لي أكثر هناءً. لم تعمل أيهما في وظيفة قط، ولم تكسب قوتها بعملها قط، ولكن التعليم الذي حظيت به كل منهما كان يسمح لها دائمًا ولو نظرياً بأن تكسب قوتها لو أرادت بعكس الحال مع أمي، كما أن فرص العمل المتاحة للمرأة في عصرهما وفي مثل طبقتهما كانت أكثر بكثير مما كانت متاحة لجيل أمي، وإن كانت أقل بكثير مما هو متاح الآن لجيل ابنتي…وهو جيل بالمناسبة فيه من تختار البقاء في المنزل ولا تحقق دخلاً منفصلاً عن الزوج، لكنها الإمكانية التي ترتبط بالمكانة في نظر نفسها ونظر زوجها، والعبرة بالقدرة على الاختيار.
لقد حققت المرأة في الخمسين عامًا الماضية درجة تستحق الإعجاب حقًا من الاستقلال الاقتصادي، ومن التفتح العقلي، ومن الثقة بالنفس، ومن الجرأة على التعبير عن نفسها ومشاعرها الحقيقية..لا شك.
التفسير المادي والبعد العقيدي
** أشم في كلامك مُنحى للتفسير المادي للظواهر؟
تشمين أم تتشممين!!؟ أنا أواجه كثيراً بمقولة إن التفسير المادي هو تفسـير ماركسي، وهذا غير صحيح، فالظروف المادية والاقتصادية لا يمكن إغفالها أو تجاهلها في تفسير التغير الاجتماعي، لكنني كنت وما زلت أرى أن ماركس كان مفيداً كمحلل اجتماعي واقتصادي، لكنه غير كافٍ خاصة لغياب البعد العقدي والروحي في تحليله، وهي جوانب لا تُغفل في دراسة أي مجتمع كان.
** كيف تشعر بذلك في حياتك الخاصة؟
أنا سعيد بسؤال "تشعر" لأن الشعور والإحساس كثيراً ما يكون بداية للأسئلة التي يسعى البحث العلمي للإجابة عليها. أنا مثلاً أشعر أنني لكثرة أسفاري مطلوب مني كجد أن أحضر هدايا لحفيدي، وأكاد ألمح السؤال في عينيه عندما أحتضنه عائداً، و يقول لي حمداً لله على سلامتك يا جدي، لكنني أصر على ألا أربط وجودي في حياته بالهدايا…وأحرص على أن تكون الصلات الأسرية في عينه صلات بر ورحمة دون توقعات، بل تكون الهدايا مفاجآت غير متوقعة. أيضاً هنا أريد أن أضيف أن الرؤية المادية ليست فقط نظريات بل سلوك، وإن جيلنا كان لا يربط بين السعادة والصور المادية، فأنا أرى جيل ابنتي يشتري لطفل واحد أضعاف ما كان في حوزتي أنا و إخوتي كلهم من ألعاب، في حين أننا كنا نخترع اللعبات و تكون عادة جماعية. فالطفل الآن قد يكون ظاهرياً أحسن حالاً لكن هل هو أسعد؟ لا أدري.
وهذه قضايا هامة للمرأة لتفكر فيها كأم ومربية، وهذا دور للمرأة أحسب أن تجاهله ليس من الحكمة في شيء!
**هل نستخلص من ذلك أن المرأة المصرية قد حققت تقدمًا مستمرًا وبدون انقطاع طوال الخمسين عامًا الماضية؟
يا ليت الأمر كان كذلك حقيقة. فالحياة لا تعرف هذا التقدم في كل شيء في نفس الوقت، وأنا لي كتابات كثيرة في نقد فكرة التقدم الرأسمالية الميكانيكية التي تفترض أن علينا اللحاق بالغرب، وأن التطور التاريخي تطور خطي صاعد، وإنما لا بد أن نتوقع أن يكون ثمن التقدم في أمر من الأمور تأخرًا في أمر أو أمور أخرى.
كان جيل أمي يتمتع رغم كل شئ باستقرار غريب واطمئنان إلى أن المستقبل سيكون على الأرجح مثلما كان عليه الماضي، صحيح أن المرأة كانت مهددة دائمًا بأن يقلب لها الزوج ظهر المجن، ولكن فرص حدوث ذلك كانت فيما يظهر أقل بكثير مما هو قائم الآن، وكان الرجل بدوره في جيل أبي أكثر استقرارًا وأكثر اطمئنانًا إلى المستقبل منه الآن، فانعكس ذلك في درجة أكبر من الطمأنينة للأسرة بأكملها. كان الاستقرار والاطمئنان للمستقبل ناشئين عن قلة الفرص المتاحة؛ قلة الفرص المتاحة للرجل والمرأة على السواء: فرص الكسب والثراء، وفرص السفر أو الهجرة، وفرص المغامرة بوجه عام. ومع قلة الفرص واحتمالات التغيير ساد الاطمئنان إلى أن الحياة سوف تسير على الأرجح كما كانت، وكان هذا مصدرًا للاطمئنان النفسي لم يعد متوافرًا الآن. وانعكس هذا بدوره في شعور الأولاد بالاطمئنان إلى المستقبل بعكس ما نراه اليوم من قلق لا يبدو أنه قابل للعلاج، ولهاث وسباق وتنافس لا تبدو له نهاية. قد يكون هذا التطور السلبي الذي طرأ على المرأة والرجل والأولاد جميعًا في الحياة الحديثة ليس إلا الوجه الآخر لنفس العملة؛ استقلال اقتصادي أكبر، وفرص أكبر لتحقيق الذات، وحياة عاطفية أكثر إرضاءً، في مقابل قلق أكبر وخوف أكبر من المستقبل وتلهف أكثر على ما يمكن وما لا يمكن تحقيقه. إنه على الأرجح ليس إلا ثمن …ثمن ماذا؟.. "الحرية"!؟!.
ما زال أمامنا مهام ثقيلة لفهم وتركيب الرؤية لمسيرة المجتمع العربي بعيداً عن الأفكار السطحية والأحكام الجاهزة، فالإنسان مخلوق مركب وكذلك المجتمع…و أنا شخصياً لا أكف عن التساؤل والنظر..(يضحك) أو على الأقل … أحاول!
حاورته هبة رءوف عزت

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع