|
المطية
الطبقية و.."العروس المُسْتَعْصِيَة"
- أمنية جهاد
-
قرأت
مقال "العروس المستعصية" التي تحدث
كاتبها عن نماذج العرائس المختلفة ما بين: "المشروع"
والسلعة.. وما إلى ذلك من عرائس لا يبحثن إلا
على المادة؛ غافلات "إذا جَاءَكُم مَنْ
تَرْضَوْنَ دِيْنَهُ وَخُلُقَهُ.."، وقد
اعترف كاتبها أنه لا يعمم الظاهرة، وأنه يعلم
أن هناك نماذج "نادرة" غير تلك التي
ذكرها.. لكن هل هذا حقًّا هو واقع الأمر؟! وإن
كان شخصه يمثل العديد ممن يعتبرون أنفسهم ضمن
"من ترضون" فلماذا لا ترد واحدة ممن
يحتسبن أنفسهن "ذات الدين"؟! لن أكرر ما
يراه هو "اتهامًا للشباب باللهاث وراء
الجمال" رغم صحته إلى حد كبير، ورغم مدى ما
يمثله ذلك من "خيبة أمل" حين نرى الشباب
الذي نأمل أن يبني أُسَرًا تقام على سواعدها
هذه الأمة أهم شرط عنده في عروسه أن يكون "شكلها
حلو"!!.
لكن
ما سأقوله أنني لا ألوم على من يحدد هدفه من
الزواج، ويسعى في بحثه في ضوء هذا الهدف، فمن
يرى أن عِفَّته ستتم إذا تزوج من امرأة جميلة..
وهذا لا يعني بالطبع أنه سيتنازل في التزامها
الديني – فله كل الحق أن يرفض "ذات الدين"
إذا لم يرضَهُ حُسْنها، وقادرٌ ربه أن يرزقه
من يرضى بجمالها ودينها ليتحقق له العفاف،
كذلك فإنني لا ألوم على "ذات الدين" التي
تبحث في الزواج عن "الاستقرار" وترى أن
المادة عنصر هام، بل وأساسي لتحقيق هذا
الاستقرار، ولها كذلك الحق أن ترفض من ترضى
دينه وخلقه إذا لم تَكْفِها إمكانياته
المادية، وقادرٌ ربها أن يعطيها من يُعِفُّها
ويحفظ عليها دينها.
غير
أن عندي ما أقوله لكل منهما..أقصد: "من ترضون"
و"ذات الدين".
إن
الشاب الذي يَحْيا الآن في كنف أبويه يرى أنه
يعيش في مستوى "لائق"، وكثيرًا ما يختار
من تعيش في نفس مستواه – إن لم يكن أعلى-
ويطالبها أن توافق أن تبدأ معه حياتها متحملة
لصعوبات البداية، ناسيًا أو متناسيًا، أنه
بذلك يريد منها أن تتنازل عن مستواها ومستواه
لمستوى أدنى يبدآن منه معًا.. وأتساءل هل يرضى
هو بمن تعيش في مستوى أدنى من مستواه؟ هل
يختار من تعيش أسرتها في المستوى الذي سيبدأ
هو عنده ويرفعها معه.. أم أنه يقول: إن هذه
الفتاة ذات دين وحسن لكن يا لَلْخَسارة..
مستواها غير لائق..
وأتحدث
عن "ذات الدين" أليست هي تلك التي تؤمن أن
كونها تختار من ترضى دينه وخلقه - وإن لم يكن
ذات قدرات مالية عالية - لا يعني أنها تنقص من
رزق الله لها.. أليست تلك التي لا تلوم زوجها
يومًا إن ضُيِّقَ عليهما في الرزق؛ لأنها
تقتدي بمن حين مات زوجها وسئلت من أين ستعيشين
قالت:" ما عهدت زوجي رزّاقًا ولكن عهدته
أكَّالاً، فإن ذهب الأكَّال بقي الرزاق"..
أليست تلك التي تعلم أن على زوجها السعي وعلى
ربها الرزق.. أليست تلك التي لا تخشى الإملاق
على أولادها ولا تحمل هَمَّ "المستوى"
الذي سيعيشون فيه لأنها تعرف أنهما لابد
وسينالان رزقهما الذي كتب الله تعالى لهما..
تلك التي تعلم أن ربها أجاز أن تُؤتَى قنطارًا
وبعث لها رسولاً يخبرها أن "أَعْظَمُ
النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مُؤْنَة"،
فتأبى أن تكون كهؤلاء اللواتي يتمادين في
استخدام كلمة "الكفاءة" ليدارين
مطامِحُهن– أو مطامعهن – في زوج مَطِيَّةَ
ارتقاء لطبقة معينة، أو على الأقل الحفاظ على
مستوى معين. هل ذات الدين هي تلك الصوّامة
القوَّامة التي ترتدي الزي الإسلامي أم أنها
تلك التي تعمل لهذا الدين.. وإن كانت تلك التي
تعمل للدين، فأنَّى لها ذلك دون أن تعمل به
وتضحي من أجله؟!
وأعود
لأقول أنها شخصيات وطبائع، ليست مرتبطة
بالتزام ديني أو حتى بطبقات بعينها في
المجتمع، فإن اعتبرنا السعي لمستوى مادي أعلى
تطلُّع مشروع أو طمع غير مقبول، فإنه في كلتا
الحالتين لا يرتبط بطبقة دون الأخرى، فهذا
شيء نسبي يبقى في شخص المرء سواء أكان أغنى
الأغنياء أم أفقر الفقراء.
ولقد
قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): "إذا جاءكم
من ترضون "دينه" و"خلقه".. أليس
الخلق جزء من الدين؟.. لكنه يعلم – عليه
الصلاة والسلام – أن هناك طبائع وصفات شخصية
قد لا تتنافى مع الدين، لكن الأَحْرى بأُولِي
الدين تركها وهناك أخرى لا تقتصر على أولي
الدين وإن كانوا أحق بها من غيرهم..
ونرى
على ذلك أمثلة كثيرة.. فهناك من تركوا حياة
الترف والرفاهية ورضوا أن يكونوا من أبسط
الناس معيشة لأنهم آمنوا بالفكر الشيوعي،
وهناك من تركوا حياة المُلْك والجاه ليتزوجوا
ممن أحبوا ويعيشون معهم كعامة الناس.. وكثيرات
تركن عيشة القصور لسكنى "الأعشاش" لأنهن
بذلك يَحْيَيْنَ مع من أحببن وارتَضَيْنَ
شخصهم.. إن هؤلاء يفعلن ذلك بلا رجاء لجزاء في
الآخرة أو قصور في الجنة أو حب يخلد في نعيم
أبدي.
أليست
"ذات الدين" بيقينها بقدر الله في الدنيا
وجزائه في الآخرة أَوْلَى بذلك من أولئك؟! (رحم
الله "عمر" و"فاطمة" أحفاد مروان بن
عبد الملك!!).
وإن
كان هذا هو حال "ذات الدين" "ومن ترضون"
فمن إذن سيقوم بتكوين الأسرة المسلمة المؤمنة
التي تضحي بكل ما تملك من أجل "هجرة" أو
"جهاد"، إن كان حلم "ذات الدين"
اليوم هو "الخاتم السوليتير"، وأقصى
أماني "من ترضون" أن يجمع المهر ويبني
البيت فمن سيَشْرِي نفسه ابتغاء مرضاة الله؟!..
وإن نوى.. فمتى؟!.. والشاب الآن يعمل بدل العمل
اثنين أو يعمل ليل نهار ليُكَوِّن نفسه
ماديًّا، يشكو إلى إخوانه غيابه عن كثير من
أعمال الدعوة فيذكرونه "إِنَّ أناسًا
بالمَدِيْنة.." ..
تاركًا فرص التمتع بحياته في أحلى سنين
العمر- كي يستطيع أن "يظفر بذات الدين"!!
هذا إن لم تَلْقَه في الطريق فتنة المال
الحرام أو على الأقل المشبوه!
وبالرغم
من أن "الحال المادي" متمثلاً في الفقر
أو الغنى هو أكثر شيء قابل للتغير والتبديل في
المرء.. نرى أننا نقف عنده الآن وكأنه مسألة
جوهرية لا يمكن إغفالها أو التنازل عنها.. إن
كان هذا هو حالنا فمتى سنجد من تَحُثُّ زوجها
على الجهاد ودفاعًا عن حقه وتفخر به إن جاءها
مقطوع اليد أو الأرجل وتحتمله إذا عاد
جريحًا، ومتى سنجد من يضحي بماله لمساعدة
المحتاج، أو يَسْعد ويُقْدِم على ترك أهله
وماله ليخرج في سبيل الله.. أيكون هذا هو ذلك
الذي يتَحَفَّظ أن يتقدم بخطبة إحداهن خوفًا
من "صدمة" الرفض!!.
وأخيرًا،
فإن "ذات الدين" و"من ترضون" أولى من
غيرهما باتباع منهج ربهما وليتدبروا آياته
التي يقول فيها:
"وَتُجَاهِدُوْنَ
فِي سَبِيْلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ …"،.. ثم يقول: "إِنَّ
اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِيْنَ
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ
لَهُمُ الْجَنَّة"… فيا من تتطلعون لأن
تكونوا ربانيين.. ربكم يربيكم ويعلمكم أنه حين
أمركم أن تقدموا جاء بالمال أولاً، ولكن حين
قَبِلَ هو أخذ النفس أولاً؛ لأنه يَعْلم أن
عندكم المال أغلى، ولكنه يعلمكم أن عند الله
– سبحانه – النفسُ أعز، وكُلٌّ من عنده ..وهو
مالك الأمر.
اقرأ
أيضًا:
-
العروس المستعصية..
-طالع
بقية موضوعات الجسر:
حواء وآدم
|