|
قطار العولمة
هبة رؤوف
عزت
كلام
كثير يقال عن العولمة، إننا أصبحنا قرية
صغيرة، وأن الإنسان عليه أن ينفتح للأفكار
والأشخاص، وأن العولمة "قطار" إن لم
ندركه…
فاتنا.
ومشكلتي
مع تصور العولمة كقطار هي أن تلك الصورة
الذهنية تجعل العولمة في اتجاه واحد، فالقطار
له وجهة تلزم الجميع، فلا خيارات، وإنها صورة
تستبطن أن الذي يقف في وجه القطار سوف
يَدُوسُه ويُسَوِّي به الأرض.. وهو بذلك لا
يدافع عن ذاته، بل ينتحر!.
أيضًا المكان الذي ينطلق منه
القطار هو مكان يجب بكل قوة أن نفر منه ونركب
القطار، حتى لو تعلقنا بآخر عربة ووقفنا في
ازدحام خانق، المهم أن نركب وبسرعة وإلا
بقينا للأبد في مكاننا البائس.
وصور
ودلالات أخرى كثيرة يدركها القارئ الفطن،
ونحن ليس لدينا مشكلة في أن نتقبل الأمر، بل
أزمتنا والمعضلة أن الآخر لا يتقبلنا!.
أسير
في شوارع لندن وأدخل في المتاجر الصغيرة
وألقى تحية قبل أن اشترى الجريدة، فلا يرد
صاحب المتجر ويقول باقتضاب "خمسون بنساً!"
أسأل في مؤتمر أكاديمي سؤالاً
فينظر المحاضر إليَّ في عداء ويتجاهل السؤال
ولا يرد، ونظرته تقول: ما شأنك أنت استمعي فقط
ولا تجادلي!
أقدم
جواز سفري للموظف في مطار هيثرو لندن فيقول لي
باندهاش لا يخلو من هجوم: لماذا تبتسمين هكذا؟!
وأخبره
أنني أحمل ابتسامة دائمة فيضحك بمرارة، ثم
يفتح الجواز ويقول بتعجب: صورتك أيضًا مبتسمة
عجبًا!
وأسير
في شوارع نيويورك الباردة فينظر لي الناس
مرتين لا مرة..
والمشكلة
ليس في أن يقبلك الآخر زائرًا أو مقيمًا،
المشكلة الأكبر أن يصبح الآخر هو المعيار،
فتدخل في بعض الأماكن السياحية أو التجارية
في بلدك أنت فتشعر أنك مختلف، وأنك خارج
السياق، بل إذا تقدمت في فندق (والفنادق مراكز
للعولمة) تسأل في الاستقبال عن ضيف أو صديق
وتَقَدَّم معك أجنبي، تَوَجَّه له الموظف
وتَرَكَك، حتى ينتهي آخر سائح من آخر تساؤل،
ثم يلتفت إليك أخيراً بنظرة باردة وبدون
ابتسامة متسائلاً عن.. مطالبك!.
لا
تُدْخِل أولادك محلات الأطعمة السريعة
الأمريكية فيراك الأقارب متطرفًا، ولا
تلبسهم ما يحمل حرفًا لاتينيًّا أو صورة
لديزني الذي انحاز للصهاينة فيتهمونك
بالمبالغة، بل والتعقيد الزائد وهكذا وهكذا..
العولمة
لا غبار عليها.. إذا كانت انفتاحًا على الآخر..
إنما الوجه الآخر القبيح لها هو انغلاق الآخر
تجاهك.. والغربة.. في الوطن.
-
طالع بقية موضوعات أهلاً
حواء وآدم |