|
على
هامش التِّرْحال
بقلم: زينة
سليم
أنا
في الكويت، ليست مرتي الأولى في الخليج، لقد
نشأت في إحدى الدول الخليجية ونُعِّمْتُ
للغاية بالسنوات السبع التي قضيتها بين
المَدْرسة السورية وبين المنزل. ولكنها مرتي
الأولى في الكويت.
كيف
بدأت القصة؟ ومتى؟ بدأت منذ ستة أشهر عندما
تلقَّيت مكالمة هاتفية من مديري الحالي إبان
إعدادي لرسالة الدكتوراه وهو يسأل ماذا
تفعلين؟ فقلت رسالتي، فسأل هل من الممكن
تنضمي إلى فريق العمل في منظمتنا التنموية في
بداية الأسبوع أي بعد خمسة أيام ؟ قلت مستحيل
أنا في خضم الاستعداد لامتحان الدكتوراه، قال
المستحيلات أربعة وهذه ليست إحداها، وقد كان.
ومنذ ذلك الحين لم يُقِر لي قرار في أي مكان،
فلم أَعُد أعرف لي موطنًا، وإن كان اختياري
الطبيعي للموطن هو كتاب الله الذي أحمله معي
أنَّا توجهت ويغوص عقلي مع كلماته ومعانيه.
أنا
هنا بناء على دعوة تلقيتها من منظمة دولية
تعمل في ذات مجال منظمتي التنموية، تلقيت
التأشيرة والتذكرة قبل سفري بيوم واحد، جمعت
أشيائي على عُجالة، فكعادتي نَاءَ وقتي قبيل
السفر بالواجبات الوظيفية وغيرها.
في
الطائرة استخرجت روايتي، وبدأت روحي
رِحْلَتَها المفضلة بين السطور، وكانت تلك
وسيلة جيدة للهروب من ملاحظات وأسئلة جاري
مثل: الفيلم الذي أشاهده رائع، أو هل الرواية
حلوة لهذه الدرجة؟، أو هل أنت ذاهبة إلى زوجك
في الكويت؟ …إلخ. يا سيدي المرأة المسافرة هي
رفيقة سفر لها خصوصيتها وليست وسيلة مباحة
للتسلية كالتي يوفرها تلفاز أو مذياع الطائرة.
متى تُفْهَم هذه الحقيقة في وطن يَعْبُر إلى
قرن جديد بفكر الرجل وحده.
في
الفندق صدمتني الفخامة وما بهرتني، هل نملك
ونحن من الدول النامية تلك الرفاهية؟ وإن كنا
نملكها فكيف نوظفها؟
عرفت
قبيل مجيئي أن مدير عام منظمتي سوف يكون في
حفل الافتتاح، وعلمت أيضًا أن محاضرتي هي
الأولى على الجدول، معنى ذلك أن لديَّ امتحان
في غاية القسوة فليستر الله وليُوَفِّق. تأخر
الضيوف الرسميون عن حفل الافتتاح فقد كانت
لهم ارتباطات أخرى صباحية..ها هو مديري، دومًا
في موعده، تقدمت وسلمت وسألت هل سينتظر
لمحاضرتي …قال: أيْ نعم.. يا ربي لقد ثبتت
الرؤية إذن، على الله توكلنا. رئيس الجلسة
يقدمني وأنا بين: اللَّهُمَّ لاَ سَهْلَ..
وَرَبِّ اشْرَحْ لِيْ صَدْرِي..ولم يظهر على
وجهي سوى تلك الابتسامة المِهَنِيَّة الجافة.
هل
سأنسى الكلمات؟ هل سأرتبك؟ ما نسيت، وإن ضاعت
كلمات واختفت أفعال، ثم فقدت بعض الصور، أما
فيما دون ذلك فقد مرَّ الأمر على ما يرام بل
وطلب الجميع نسخة من محاضرتي والصور الملحقة
بعدما انتهيت، انصرف مديري فور انتهائي فلم
أعرف رأيه. توحشت في الرَّدِّ على أحد
السائلين إذ كان خلال إجابتي يتكلم، فلم أجد
نفسي إلا وأنا أقول له هل ما زال السؤال مهمٌّ
لديكم أم عرفتم له الإجابة فأدخر جهدي ووقتي
لسائل آخر؟ أحيانًا يظهر هذا الوحش ويرد هكذا
إذا ما لمست استصغارًا لشأن المرأة أمامهم.
نحن
نسقط وننحدر وسنظل كذلك إلى فترة من الزمن
يعلم الله مداها، لقد بدأ أحد المتحدثين
إلقاء كلمته باللغة الإنجليزية وهو العربي
الخليجي حتى رأيت أغلب الحضور وهم من العرب
يرتدون سماعات الترجمة، لم تلفت هذه الحقيقة
نظر الأخ المحاضر، ولا دفَعَت من لَحِقَه إلى
سلوك غير مسلكه، فانقضت الجلسة في استعراض
كبير للمفردات الإنجليزية، وما أذهلني
وأغضبني هو أني عندما تحدثت وقعت في ذات الفخ.
كانت المحاضرة الأخيرة لأحد الضيوف الأربعة
الأجانب فبدأ حديثه بقوله :"قال نبيكم: "الْمَعِدَةُ
بَيْتُ الدَّاء" بالعربية، يا للذل!! يا
للهوان!!. خرجت فور ذلك من الجلسة فما كنت
لأتحمل الخِزْيَ، وتذكرت فورًا الوفد
الألماني في اجتماع دولي نظمته إحدى المنظمات
التابعة للأمم المتحدة، وهو يبدأ حديثه بقوله:"
ألمانيا تتحدث اللغة الألمانية"، ثم تحدث
بالإنجليزية لأن الألمانية ليست إحدى لغات
الأمم المتحدة…لقد هُنَّا فسهل الهوان علينا
في كل أمر صغر أم كبر…هل أخبركم بالمزيد في
الجلسة التالية؟ بدأ أحد المتحدثين بقوله:
آسف لقد كتبت محاضرتي بالعربية؛ لذلك سوف
ألقيها بالعربية فأرجو أن تعذروني، فسمعنا
صوت أحد الحضور وهو محاضر سابق يقول له :"ولو
تحدَّث بالإنجليزية"، هنا بلغ السيل
الزُّبَى لم أعد أملك الصمت، وجدتني أقول :"نعم
فليتحدث بالإنجليزية ليرتدي كل الحضور العرب
السماعات أيها العربي الأكاديمي في مؤتمر
عربي في بلد عربي"، ساد الصمت للحظات، ثم
قال المحاضر: سأتحدث بالعربية واسترسل. خرجت
من توي لِلِقاء منظِّم المؤتمر الذي قال لي
بعد طرح الأمر عليه: "اللغتان لغتان
رسميتان للمؤتمر بناءً على طلب المحاضرين لقد
أصبحنا غرباء يا سيدتي "، حدثتني نفسي أننا
نصنع غربتنا بأيدينا ولا حول ولا قوة إلا
بالله.
رأيت في الكويت عكس ما قد يعتقد كثيرون، شعب
بسيط متواضع مضياف يساعد الغريب ويرحب به،
جلس معنا على ذات الطاولة وزراء سابقون
وحاليُّون ضحكوا وتكلموا وهو الأمر الذي
قلَّما تراه في بلد عربي، رأيت في الكويت
آثارًا بعيدة للغزو العراقي وجراح لم تندمل
بعد. يُنْهُون دومًا حديثهم بدعاءٍ قصير لطيف
وهو "يعطيك العافية"، كلماتنا ليست
كالكلمات وحواراتنا دافئة ومليئة. أهي مجرد
عادات حوارية أم رغم المحن مازالت قلوبنا حية
وغنية بأمنيات حقيقية لبعضنا البعض؟!.
أفتقد
أسرتي بشدة، حدثني أبي هاتفيًّا من أوروبا؛
ليقول إنه سيمضي حوالي الشهر هناك، معنى هذا
أنني لن أراه لمدة طويلة، هذه الأيام نحن
طائران في اتجاهات مختلفة، ختم بقوله هل أنت
بخير قلت له الحمد لله ..لا ينقصني إلا رؤياك.
مرت 5 أيام بين الجلسات وورش العمل، وأخيرًا
كنت في لجنة التوصيات التي استغرق عملها عدد
طويل من الساعات دون راحة. الحمد الله الآن
أنا في الطائرة، في طريقي إلى منزلي.
استقبلتني الحفيدة الصغيرة بضمَّة قوية، وهي
تقول: احكي لي حكاية قلت: حاضر حكاية الأرنب
الشجاع ، صرخت قائلة: لا أنا عايزة حكاية فيها
أمير.
يا
ربي..!، جيل وراء جيل ومازلنا في انتظار الأمير.
-طالع
بقية موضوعات صوت النساء
حواء وآدم
|