|
تابع ملف المرأة المغربية
د.
محمد بريش:
حال الأسرة يحتاج إلى تغيير، وليس إلى تدويل
د. محمد بريش أحد الرموز الإسلامية وأمين الهيئة الوطنية لحماية الأسرة المغربية التي تضم أحزاب وجماعات مختلفة التوجهات جمعها هدف دعم الأسرة المغربية في وجه الأجندة النسوية .
الزميلة فتيحة عبدلاوي في الرباط سألته عن الهيئة التي تأسست في نوفمبر 1999 فقال:
"في الواقع لا شيء ينشأ من فراغ، هناك دوافع وعوامل تدعو للتكتل في جبهة... وفكرة الهيئة نشأت في أذهان الناس من مدة، وبالطبع المغرب يضم العديد من جمعيات تهتم بقضايا الأسرة والطفولة والمرأة... إلخ ولكن هذه الهيئة الوطنية نشأت عندما أصبح هناك نوع من الإجماع: لا بد من التحرك لحماية الأسرة نظرًا للتأثيرات والعوامل الطارئة على الأسرة المغربية، بحيث بدأ يظهر نوع من الوضوح للتحلل من الأخلاق والتفكك من القيم والثوابت الأصيلة، فقامت المشاكل الاجتماعية بشكل جلي؛ فبدأت بوادر الإصلاح تظهر إلا أن عمل الإصلاح لا بد أن ينبثق من المعرفة لساحة الواقع، وللمقومات الوطنية ولصيرورة وثوابت المجتمع وحجم المتغير فيه، وفعلاً قد انبرى لهذا العمل العديد من الناس لكن هذا التدويل لقضية المرأة يجد نوعًا من الصدى بحكم الظلم الاجتماعي على المرأة والأسرة، وهناك تراكم لمظالم في هذا الصدد نتج عنه ظلم مركب كبير متنام ورفع هذا الظلم أدى إلى عدة مشاريع إصلاح، منها من سيزيد من الظلم بدعوى إصلاحه، ومنها ما يجعله مدخلاً من النوع العقائدي ولا يشك أحد أن الإسلام مستهدف من عدة جهات، والمسلمون سمحوا لأنفسهم بذلك… الأسرة المسلمة هي الحصن الحصين والمساس بها كان منذ القديم فوصل الأمر إلى أن الناس تجرءوا على المرجعية الشرعية التي انكمشت في المدونة، وولاة الاستعمار سموها أحوالاً شخصية بينما هي قضايا مجتمعية (الإرث، الزواج، الطلاق، الموت، الحياة...) كل هذا من شأن الجماعة والمجتمع، فحينما يولد المولود فلا بد من الإشهار بعقيقته، وإشهار الزواج، والجنازة...
فلما أصبح القانون الغربي هو الذي يسيرنا أثر ذلك فينا... وبهذا أصبح ينال هذه الأحوال الشخصية التغيير، فكان لا بد من تكوين هيئات منها هذه الهيئة الوطنية: "وهي هيئة سياسية، وفكرية، وعلمية، تقوم بالدفاع على الموجود ثم السعي لإيجاد المفقود لما يصلح للأسرة المغربية للحفاظ على ثوابتها ومقوماتها".
وقد ساهم في إنشاء عن هذه الهيئة فعاليات المجتمع المغربي تتمثل في الأحزاب: حزب الاستقلال، وبعض أشخاص من حزب الاتحاد الاشتراكي، وحزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الحركة الشعبية الوطنية، وحزب العدالة والتنمية، وحزب الاتحاد الدستوري، والحزب الوطني الديموقراطي ثم بعض الجمعيات الثقافية والاجتماعية، منها الجمعية المغربية للتربية ورعاية الأسرة، وجمعية تجديد الوعي النسائي، وجمعية النبراس الثقافية... بالإضافة إلى العديد من رجال الفكر والثقافة، ووزراء سابقين... إلخ. والله نسأل أن يبارك الجهد للإصلاح."
بيان تأسيس الهيئة الوطنية
لحماية الأسرة المغربية
أوضاع الأسرة المغربية في حاجة ماسة إلى إصلاحات واسعة
خير ما نستهل به هذا البيان هو الآية القرآنية الكريمة التي جاء فيها: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا" (النساء: 1)
وبعد :
اجتمع يوم 28 رجب 1420، الموافق 7 من نوفمبر 1999، بالرباط ثلة من العلماء والمفكرين والمثقفين ومن الفعاليات الوطنية وممثلي عدد من الجمعيات الثقافية والاجتماعية -نساء ورجالاً- لتدارس وضعية الأسرة المغربية وما يتهددها من مخاطر، ويعترض رسالتها من عوائق.
وبعد استحضار مجمل المشاكل التي تعاني منها الأسرة المغربية بسبب الغزو الثقافي والإعلامي والسلوكي لنمط الحياة الغربي المتحلل من القيم والأخلاق، والسائر في طريق التفكك إضافة إلى رواسب عصور الانحطاط التي ما تزال الأسرة المسلمة تعاني منها وبعد مناقشات مستفيضة لهذه القضايا، فإننا نحن المشاركين في هذا الملتقى:
1 - نعتبر أن الأسرة المغربية، بقيمها الإسلامية ونظامها الشرعي، وبرسالتها السامية، هي الركن الحصين في بنياننا الاجتماعي وحجر الزاوية في حفظ هويتنا وكياننا، وحفظ مصالح ومستقبل أبنائنا وأجيالنا.
2 - ندعو الشعب المغربي المسلم إلى مزيد من الاستمساك بروابطه الأسرية وأسس علاقاته العائلية المستمدة من الشريعة الإسلامية، التي هي الأساس المتين لوحدته وتماسكه وتكافله، كما ندعوه إلى التبصر والحذر من كل أشكال الانزلاق نحو التفكك والتحلل التي تدق أبواب أسرنا وتقتحم حياتنا ومجتمعنا.
3 - نؤكد أن أوضاع الأسرة المغربية في حاجة ماسة إلى إصلاحات واسعة على الأصعدة التربوية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية، وأن تلك الإصلاحات لن تكون ناجحة ومجدية وفعالة إلا إذا كانت في إطار ديننا وقيمنا، ومبنية على حقيقة واقعنا واحتياجاتنا، ونابعة من إبداعنا وذاتيتنا لا عن تقليد وتبعية.
4 - نعلن رفضنا ومناهضتنا لكل الخطط والبرامج التي تتجاوز وتتجاهل الشريعة الإسلامية ومقتضياتها الأخلاقية والتشريعية والتي تستهدف الإضرار بالأسرة المغربية.
5 - ندعو الجهات المسؤولة إلى مراجعة الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية بما يتوافق مع مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية، فهي الكفيلة بحماية الأسرة والمرأة والنهوض بهما وتأهيلهما لأداء رسالتهما السامية في التنمية البشرية وحفظ الأجيال، والدفع بالمجتمع نحو تنمية ونهضة سليمتين في رحاب شريعتنا، وفي ظل هويتنا وأصالتنا، مع الانفتاح المتزن البناء على عالمنا وما يزخر به من تطورات إيجابية ومنجزات متقدمة، والاستفادة الإيجابية من المواثيق الدولية فيما لا يتعارض مع أحكام الشريعة.
6 - نعلن عن تشكيل "الهيئة الوطنية لحماية الأسرة المغربية" وندعو كل الفعاليات المهتمة وكل الغيورين عن مؤسسة الأسرة الحريصين على صيانة كيانها ووظائفها، من شخصيات وجمعيات وأفراد وهيئات، إلى الإسهام في هذه الهيئة ودعمها ومساندة أهدافها وأعمالها ومواقفها. "وقل اعملوا، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".
الهيئة الوطنية لحماية الأسرة
انطلقت هذه المبادرة من معاينة واقع الأسرة المغربية الذي يتميز بمساهمة المرأة الفعلية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، والذي يبرز كذلك ظاهرتين خطيرتين:
(1) تردي أوضاع الأسرة المغربية في العقدين الأخيرين بسبب تفشي مظاهر الفقر والأمية والبطالة، وتفاعل هذه العناصر بشكل سلبي، مما ساهم في عملية تفكيك الأسرة، وتعريضها لمخاطر الانحلال والتفسخ والضياع.
(2) تعرض الأسرة المغربية في السنوات الأخيرة لمخططات استعمارية أجنبية، تتبناها مؤسسات غربية بدعم مالي مكثف، لزعزعة الثوابت الدينية والحضارية للأسرة المغربية، بهدف اختراقها لإضعافها، وتركيز البنيات الاستغلالية لمجتمعنا.
وتتبع هذه المخططات الغربية المنهجية التالية:
- تعبئة العديد من المؤسسات والمؤتمرات والخبرات الدولية في هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة.
- توجيه دعم مالي كبير مباشرة للمنظمات غير الحكومية، وربط صلات قوية معها، وإملاء التوجهات العامة لها تحت عطاء الخبرة والهندسة الاجتماعية.
- تغليف هذه المخططات لتسهيل تمريرها، بطابع علمي وحداثي، وبمجموعة من الاقتراحات الإصلاحية التي يصعب رفضها نظرًا لواقعيتها.
- التركيز على المرأة عوضًا عن التركيز على تنمية الأسرة، لعزلها عن محيطها الطبيعي، والتمكن بالتالي من توجيهها حسب الأنماط الثقافية الغربية البعيدة كل البعد عن ثقافتنا الإسلامية، وخصوصياتنا المغربية.
- توظيف بعض المنظمات غير الحكومية التي تقبل عن سذاجة أو عن استلاب فكري أن تكون أيادي تنفيذ هذه المخططات، لإعطائها طابع الشرعية.
وكان الرد الطبيعي أمام هذين الخطرين أن تلتقي شرائح مختلفة من المجتمع المدني، تمثل قواعد شعبية واسعة، بدافع الغيرة والشعور بالمسؤولية، وإيمانًا بخطورة الأوضاع الاجتماعية، وبالمؤامرات المتعددة الجوانب التي تهدف إلى استغلال المشاكل الاجتماعية لاختراق البنية الأسرية، من خلال عنصر أساسي فيها وهو المرأة.
وإيمانًا كذلك بأن الفئة المغربية المتغربة التي تتبنى هذه المخططات الأجنبية نخبة لا تمثل إلا نفسها، والمصالح الأجنبية التي تخدمها، وإن عملية المناولة التي تقوم بها هي مجرد نقل بفكر غربي ولغة أجنبية وتصور أجنبي لمشروع يعزل المرأة عن الأسرة ويخرجها منها، وأنها فئة تعاني من انفصام في الشخصية، وانفصال عن القواعد الشعبية المسلمة، التي تدَّعي الدفاع عنها والتكلم باسمها.
وإيمانًا بأن مسلسل المخططات الأجنبية يدخل في إطار استراتيجية دولية لعولمة الأنماط الاستهلاكية والثقافية الغربية الرخيصة، وأن هذه العولمة تمُرُّ عبر ضرب خصوصيات المجتمعات العريقة حضاريًّا، مثل ضرب بنية الأسرة الإسلامية لإضعاف مناعتها، وإن هذا المسلسل لن يتوقف عند مخطط واحد، بل يستهدف مستويات أخرى تمس بشكل مباشر الأسرة، مثل التعليم والإعلام والاقتصاد، وأن رصد هذه المخططات ومواجهتها يحتاج إلى هيئة لها طابع وطني، وجذور حضارية إسلامية، ونظرة تحليلية شمولية، وقاعدة شعبية تمثل كل الشرائح الاجتماعية المغربية.
لذا تبنَّت الهيئة الوطنية للدفاع عن الأسرة انطلاقًا من استقرائها للتوجهات الدولية والواقع الذي تعيشه الأسرة المغربية العمل على واجهتين:
(1) التصدي لكل المشاريع والأعمال والمبادرات والمخططات، من أي جهة كانت، وأيًّا كان القناع الذي تتخذه، التي تسعى إلى إضعاف الروابط الروحية للأسرة، سواء كان ذلك تحت عطاء الحداثة، أم التنمية، أم تنظيم الأسرة، والتقيد بالدستور المغربي الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة وأن أمير المؤمنين حامي حمى الدين حسب مقتضيات الفصل 19 من الدستور.
(2) تعبئة كل الوسائل والطاقات المادية والمعنوية داخل المجتمع المدني المغربي وباسمه، لدعم مكتسبات الأسرة المغربية، وتنميتها في إطار مجتمع التكافل.
ولبلوغ ذلك تلتزم الهيئة الوطنية لحماية الأسرة بالسير وفق الخطة التالية:
- العمل على حماية الأسرة من كل زيف أو تحريف أو خطط تسعى إلى عزل المرأة عن الأسرة في إطار تصور مجزًّأً، يهدد كيان المجتمع وتماسكه.
- وضع برنامج عمل تربوي وثقافي واجتماعي على المستوى الوطني والمحلي؛ لتوعية أفراد الأسرة المغربية بحقوقهم والتزاماتها، ولدعم الأسرة وتمكينها من المساهمة الفعالة في التنمية الشاملة.
- القيام بصفة خاصة بتوعية المرأة المغربية في محيطها الحضري والقروي، بحقوقها وواجباتها التي سنَّتها لها التشريعات الإسلامية، والحرص على ممارستها لهذه الحقوق، ومواكبة التطورات الاجتماعية فيما يخص القوانين التي تحفظ لها حقوقها، بما لا يتعارض مع الثوابت الشرعية.
- القيام بدراسات معمقة حول مظاهر الانحراف الاجتماعي، وتقييم آثاره على تماسك الأسرة، وتحديد أسبابه، خاصة عند الرجل، واقتراح حلول له.
- العمل على حماية الطفولة المغربية من التشرد والانحراف، وذلك باقتراح قوانين تلزم الأسرة بتربية أبنائها على الاستقامة وروح المواطنة، كما تلزم الدولة برعاية الأطفال المشردين وعدم التخلي عنهم.
ونحن إذ نقوم بهذا العمل نضع في اعتبارنا المرحلة الجديدة التي يعيشها المغرب حاليًا، والتحديات التي يواجهها، والآمال التي يطمح إلى بلوغها تحت قيادة أمير المؤمنين محمد السادس نصره الله، والتي تتخذ من الديموقراطية، ودولة الحق والقانون منهجًا واضحًا لا رجعة فيه، ومن شأنه أن يكفل لكافة أفراد الشعب المغربي ومختلف شرائحه وفئاته التعبير الحر عن رأيهم، في إطار احترام الدستور المغربي، واحترام المواثيق الدولية ما لم تتنافَ مع مبادئ الشريعة الإسلامية.
|