English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

قصة صابرينا.. مأساة الهجرة والغفلة 

د/حوسينات سامية- فرنسا


تذكرتك أختاه صابرينا وأنا أسمع مأساة سلوى التي انتحرت هذا الأسبوع … واحدة من مآسي العرب المسلمين في ديار الغرب.. ترمي هذه الأم المسكينة بنفسها من أعلى طابق إثر الهجوم المفاجئ للشرطة الفرنسية على بيتها مُتَّهِمَةً ابنها بالاتجار في المخدرات ..تفاصيل القضية غامضة ولا يتسع الحديث عنها في هذا المقام.. لكن المأساة هنا تفرض نفسها.. أم مسلمة: سلوى.. ترمي بنفسها وتنتحر في ظروف محزنة رهيبة.. لا أعرف سلوى.. سمعت عن مأساتها كغيري من الناس في أخبار هذا المساء.. وتذكرتُكِ أختي صابرينا لأنكِ أنتِ كذلك فارقت عالم الأحياء وأنت في ريعان الشباب.. وقصتك أيضًا مأساة.. فقلت في نفسي كم من سلوى قبلها ضاعت.. وكم من سلوى ستضيع .. وكم من صابرينا ستغادر عالمنا.

صابرينا شابة عربية … من بنات ما يسمى "بالجيل الثاني".. لم تتجاوز بعد الرابعة والثلاثين.. لم أكن لأعرف عنها شيئًا لأنها تسكن بعيدًا عن هذه المدينة، لكن الله قدر لها أن تأتي لهذا المستشفى، وقدر لي أن أزورها لعلِّي أخفف عنها قليلاً مما تعانيه.. ألمَّ مرض خطير.. حزن عميق.. وكَمَدٌ دفين جرَّاء شلل مفاجئ ظهر منذ أيام.. وبُعْدٌ قاسٍ عن الأهل الذين لا تراهم إلا مرة في الأسبوع.. تم التعارف فعلمت أنها لا تتكلم العربية إطلاقًا.. وأنها كانت تعول أهلها بعد وفاة والدها.. تعولهم بالعمل تارة هنا وتارة هناك بمرتبات زهيدة.. فهمت أنها تجهل خطورة مرضها الذي لا يرحم، ودُنُوُّ شبابها من الذبول إلى الأبد، أردت أن أختَصِر الطريق.. فالوقت ضيق وما تبقى إلا شهور قليلة من حياتها.. فبدأت رغم قصر مدة معرفتي لها.. بدأت أكلِّمها عن الحياة وكفاحنا فيها.. كلنا نجري كلنا نسعى.. وأن دوام الحال من المحال.. عن الإنسان ودوره ورسالته في هذه الحياة.. وعن الحكمة من وجودنا على هذه الأرض.. وعن الحكيم المبدع.. عن الله الخالق الرحيم الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه.. هو الملاذ والملجأ لا مفر منه إلا إليه.. لقِيْتُ استجابة منها وتفاعلاً منقطِع النظير رغم تشتت أفكاري بسبب خوفي أن يلفت كلامي انتباهها إلى قرب الرحيل.. وبسبب تسرعي للوصول إلى بيت القصيد ألا وهو الرجوع إلى الله تعالى قبل غروب الشمس إلى الأبد.. نعم لقيت استجابة لم أكن أحلم بها.. فتبددت كل مخاوفي وزادت شجاعتي في مواصلة الكلام، وإثارة موضوع الإنابة إلى الله والرجوع إلى الأصل والعودة إلى الحق.. زرتها ثانية فسعدت كثيرًا بذلك، وبدَأَت من تلقاء نفسها بالحديث عن الإسلام الذي تنتمي إليه ولا تعرف منه شيئًا، وعن  القرآن الذي سمعت عنه قليلاً أو كثيرًا.. وقالت بابتسامة مشرقة: إنها بدأت هذا الأسبوع  في قراءة ترجمة للقرآن بالفرنسية، وذكرت أن هذا الكتاب كان أجمل هدية أهديت لها في حياتها.. هذا الكتاب الذي ذَهَلت عنه سنين طويلة.. إنها الغفلة..

هممت أن أُكَلِّمها عن أقدس علاقة وأوثق صلة تربط بين المسلم وربه.. ركن الإسلام الأعظم.. الصلاة.. وددت لو أحدثها عن رحمة الله سبحانه، ورخَصِهِ الكثيرة للمريض في أداء هذه العبادة العظيمة.. فلا يمنعها شلَلُها ولا مرضها من الصلة بالله كي تدعوه وتتضرع إليه، وتسأله الرحمة فهو الودود الغفور الرحمن الرحيم.. مجيب دعوة المضطر إذا دعاه.. لكنني لم أفعل.. أصبت بمرض العصر: طول الأمل.. قلت: سأذكرها بهذا كله في الزيارة القادمة.. لا أريد أن أثقل أو "اضغط" عليها.. رغم أن عامل الوقت كان يضغط على أنفاسها.. فوجئت بها بعدها تهاتفني من بيت والدتها، حيث ستقضي أيامًا هناك ثم تعود للمستشفى.. تكلمت معي طويلاً ووعدتني المسكينة أنها بمجرد أن تُشْفَى ستزورني، بل سنتزاور باستمرار.. وأنها تتمنى العودة للعمل في أقرب وقت.

ومرت عشرة أيام.. وذات مساء رَنَّ الهاتف فإذا صديقة لي في قسم الإنعاش بالمستشفى تخبرني أن صابرينا تحتضر، وأن عليَّ أن أسرع إن أردت رؤيتها قبل رحيلها الأبدي عن هذا العالم.. موقف رهيب …… مشهد حزين …… الأم واجمة قابعة في زاوية من الغرفة والأخوات يحطن بها يبكين أختهن بصمت.. لا يدرين ما العمل في هذه الظروف وفي هذا المستشفى الحزين؟! ….ها هي ذي … صابرينا ذات البسمة الدائمة ……..صاحبة الآمال والأحلام الكثيرة تلفظ الآن أمام عينَيَّ أنفاسها الأخيرة …أناديها بعجالة لتنطق بالشهادتين – ولكم حلمت أن نتدارس معناها ونتذوق فحواها معًا وبكل روية - .. أقرأ عليها آيات من القرآن – ولَكَم وددت أن نقرأها سويًّا -….أتمتم لها دعوات ولَكَم حلمت أن تسمعها وتفهمها وتحفظها وهي حية …… ورحلت صابرينا.. رحلت آخذة معها أحلامها وآمالها وآلامها ومأساتها …. مأساة الغرباء.

اقرأ أيضًا في نفس الباب:

- إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان

  حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع