إذا كان التلفاز -كما يعده الخبراء- من أبرز وسائل الاتصال التي تنقل للمشاهدين خبرات غير مباشرة عن الواقع الخارجي، وتمارس تأثيراتها على معارف واتجاهات المشاهد
وسلوكه، فالأطفال هم أكثر المشاهدين تأثرًا بما تقدمه القنوات الفضائية المتعددة من عادات وتقاليد وأعراف وعقائد وقيم لا تتوافق -في أحيان كثيرة- مع ثقافتنا وقيمنا العربية، خاصة وأنه لم يعد من المتاح حجب هذه البرامج عن الوصول إلى أعينهم، ويتزايد الخوف مع ارتفاع المستوى الفني والحرفي للبرامج المقدمة عبر الفضائيات الدولية، واعتقاد الطفل بأن ما يراه في الواقع التليفزيوني هو الواقع الحقيقي، وما لذلك الاختلاط بين المرئي والحقيقي من عواقب وآثار نفسية وتربوية.
وتؤكد الدكتورة/ زينب زمزم
(الأستاذ غير المتفرغ بالمعهد العالي للسينما بالقاهرة قسم الرسوم المتحركة- وعضو اللجنة المنظمة والفنية لمهرجان القاهرة الدولي لأفلام الأطفال- والمنتج والمخرج لعدد من الأعمال الدرامية المبتكرة للأطفال التي استطاعت أن تحصد العديد من الجوائز الدولية في هذا المجال).. تؤكد في دراستها عن المخاطر الثقافية للقنوات الفضائية على الطفل المصري: أنه بدأت تظهر بالفعل بعض هذه المخاطر في القيم والأبطال والرموز والطقوس؛ فعلى مستوى الرموز تنتشر بين الأطفال الآن ظاهرة تداول الصور الضوئية التي تعبر عن مجتمعات غربية؛ سواء أماكن أو شخصيات أو رموز مشهورة بما في ذلك السلع الاستهلاكية، كما يلاحظ أيضًا انتشار المعرفة بأبطال بعينهم لدى الأطفال من خلال تعرضهم للمضمون الأجنبي مثل: "باور رينجرز" -مغامرو القوة، جرايديزر، سلاحف النينجا، هرقليس، زينا، أميرة الحروب، وغيرها من الأنماط التي يخشى من انتشارها بين الأطفال، خاصة وأنها شخصيات تختلف في مكوناتها الثقافية وطقوسها وقيمها عن المجتمع العربي، والطفل يتعلم من خلال الملاحظة ويهوى التقمص وتقليد السلوكيات العدوانية التي تصدر عن هذه الشخصيات.
** ونسأل الدكتورة زينب زمزم: كيف نستطيع مواجهة هذه المخاطر؟
-يمكن دعم الهوية الثقافية للطفل في إطار الهوية الإسلامية العربية من خلال إنتاج برامج تخدم المكونات الثقافية في الطقوس والرموز والقيم والأبطال أيضًا، ورفع مستوى الإنتاج لبرامج الطفل، وتحقيق قدر من التعاون بين التليفزيونات العربية المتقدمة في مجال الإنتاج المخصص للطفل مثل مصر والأردن وسوريا وتونس وغيرها، وإنشاء شركة إنتاج خاصة ومستقلة تتولى الاتفاق على إنتاج المبدعين المخصص للأطفال وتتولى مسئولية توزيعه في الداخل والخارج، إلى جانب تقديم إرشادات للآباء والأمهات لتحقيق قدر من الرقابة في تعريض أبنائهم للمضمون المقدم من خلال القنوات التلفزيونية الدولية.
** وما هي جهودك في هذا المجال كمنتجة ومخرجة للعديد من الأعمال الدرامية التي تقدم للأطفال؟
- الحمد لله.. كانت لي أكثر من تجربة ناجحة في هذا المجال في إنتاج برامج رسوم متحركة، ولأول مرة استخدمنا الصلصال -وهو أحد الخامات التي يستمتع الأطفال بتشكيلها- في إنتاج سلسلة من الحلقات عن قصص الأنبياء في إطار خصوصية الثقافة الإسلامية والعربية وأذيعت على الكثير من القنوات العربية في رمضان الماضي، وباستخدام الصلصال أيضًا قدمت فيلم (حلم الفخاري) عن صناعة الفخار ركزت من خلاله على بعث قيمة التعاون والحنان ومساعدة الكبير للصغير، وفيلم "شمس النهار" عن قصة الكاتب الكبير توفيق الحكيم.
بالإضافة إلى أننا استخدمنا لأول مرة على مستوى الشرق الأوسط خيوط الصوف وتحريكها لإنتاج عدة أفلام للأطفال منها فيلم (شلة أصحاب) الذي -يقدم من خلال عدد من الشخصيات المصنوعة من الصوف (كلب - قطة - حمار - ثعلب)- معنى التعاون بين الأصدقاء والإصرار على الإتقان في العمل ورفض الإنسان أو الشخصية الكسول.
** وكيف بدأت التفكير في استخدام الصلصال لتقديم أعمال للأطفال؟
بدأنا عام 1993م عن طريق تكوين ثلاث شخصيات تعلم الحروف الأبجدية للأطفال وحصل هذا العمل على العديد من الجوائز، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها الصلصال على مستوى الشرق الأوسط لتقديم أعمال للأطفال.
قبله كانت هذه التقنية معروفة في المجر وتشيكوسلوفاكيا وروسيا ورومانيا، لكن الأعمال المقدمة كانت قاتمة الألوان وحركة الشخصيات تشبه حركة الإنسان الآلي، ولهذا تلافينا هذه السلبيات، فكانت الشخصيات التي قدمناها ذات ألوان مبهرة إلى جانب حرصنا على حركتها الرشيقة والسريعة، وعمومًا فهذه الأعمال تصلح للأطفال في سن ما قبل المدرسة أكثر من غيرهم.
** وهل تختلف تكاليف إنتاج أعمال بالصلصال أو بخيوط الصوف عن تلك التي تقدم بالرسومات المتحركة؟
التكلفة تقريبًا متساوية، فالدقيقة تتكلف حوالي ما بين 7-10 آلاف جنيه، والخمس عشرة دقيقة تحتاج إلى حوالي 3 أشهر من العمل من خلال 30 فناناً وفنانة في الصلصال، لأنه عمل يدوي في المقام الأول ويستخدم فيه الديكور وتقنيات السينما والمسرح في زوايا التصوير والإضاءة وحركة الشخصيات التي تتم بواسطة فنان على مستوى عالٍ من الحرفية حتى لا تخرج الحركة ضعيفة أو تتغير ملامح الشخصية، خاصة وأن الصلصال مادة حساسة وطرية، وتحريكها يتطلب إمساكها بطريقة معيّنة حتى لا يطول وجه الشخصية أو تنبعج أو غير ذلك، كذلك الحال بالنسبة لتحريك خيوط الصوف والشخصيات التي يتم تشكيلها من خلال هذه الخيوط إلى جانب تصميم الشخصية نفسها، وشكل الوجه الذي يجب أن يحمل قسمات خفيفة الظل ليحبها الطفل ويتعلق بها.
ولهذا توازي تكلفة العمل اليدوي وتقنيات التحريك والتصوير والديكور-تقريبًا- تكلفة الرسوم المتحركة التي تتطلب دائمًا شراء برامج كمبيوتر لرفع تقنيات هذه الأعمال وتقديمها بصورة أكثر إبهارًا وأكثر ثراءً في الألوان والشخصيات والحركة لتستطيع أن تواكب الأعمال الأجنبية.
** وما هي التحديات التي ما زالت تعوق الإنتاج العربي ليستطيع مواجهة الإنتاج الأجنبي الغزير؟
في الواقع أن الإنتاج الأجنبي أكثره عبارة عن حلقات ممطوطة كما وجدنا في حلقات (الكابتن ماجد)، فنلاحظ أن معظم حركات الشخصيات مكررة والحوار بينها عبر مقاطع صغيرة تعبر عن الوجه فقط وليس الشخصية كاملة فيما يسمى بالتحريك المتوسط، ولهذا تكون تكلفتها أقل ويستغرق إنتاج الحلقة التي مدتها ربع ساعة شهرًا فقط، بينما لا ينبغي أن نقلد نحن هذه الأعمال لكي ننتج إنتاجًا غزيرًا، فإنتاجنا -كما برز في المهرجان الصيني الدولي لسينما الأطفال- يتميز بالابتكار دائمًا والثراء الصوتي والموسيقى المناسبة مع العمل، والشخصيات لها مواقف وأحداث درامية محددة غير قابلة للمط أو التطويل غير الهادف، ودائمًا لدينا أفكار لاستخدام خامات جديدة، وستكون هناك مفاجأة قريبًا لمادة جديدة أخرى غير الصلصال وخيوط الصوف لتقديم الجديد دائمًا للطفل حتى لا يشعر بالملل، وأفكر أيضًا في تقديم شخصية عربية ستقوم بمغامرات ورحلات وهي شخصية (ابن بطوطة) بعد الانتهاء من الجزء المتبقي من قصص الأنبياء والمبشَّرين والمبشَّرات بالجنة.
**ما هي التحديات التي تواجه العمل العربي الآن في مجال الرسوم المتحركة؟
من التحديات التي تواجه العمل العربي الآن في مجال الرسوم المتحركة: التكلفة العالية لبرامج الكمبيوتر التي تستخدم في إضافة تقنيات جديدة في مجال الرسوم المتحركة والتي تبلغ تكلفة الواحد منها حوالي 200 ألف جنيه، ودائمًا هناك الجديد، لكننا لا نستطيع شراء كل هذه البرامج بمجرد نزولها للأسواق بنفس السرعة، وهي تفيد في الإضافة لمزيد من الإبهار والسرعة في العمل وتوفير الوقت