بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أَسْبِلة النساء في الاجتماع

خالد عزب


يُعَدُّ إنشاء الأَسْبِلة من أكثر الأفعال وأكبر الأعمال تديُّنًا وتقوى وورعاً، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل ذات مرة عن أفضل الأفعال، أجاب خير ما تفعله أن تقدم الماء لمن يسأل عنه. وكلمة سبيل عربية الأصل، وجمعها سُبُل، والسبيل هو الطريق، وسبيل الله هو الجهاد، والمراد بالسبيل كمصطلح في العمارة الإسلامية المواضع الموقوفة المُعَدَّة لأن يوضع فيها الماء المُسيل أي المجهول في سبيل الله.

انتشر بناء الأسبلة داخل المدن وعلى طرق التجارة والحج، وعدت الأسبلة منشآت معمارية مائية ذات صبغة اجتماعية، كان الكثير من الأتقياء يُنشِئونها تقربًا إلى المولى عز وجل في الدنيا وأملاً في ثوابه في الآخرة، وذلك بتوفير مياه الشرب والوضوء النقية النظيفة العذبة، لسقاية المارِّين في الطرقات والزقاقات وارتواء عطشهم من حرارة قيظهم، ويتكون السبيل من وحدتين أساسيتين: الأولى وهي الصهريج أسفل الأرض لتخزين الماء، والثاني هي حجرة التسبيل، وهي تُشَيَّد فوق الصهريج لتقديم الماء لمارة، وقد أبدع المعمار المسلم في زخرفتها ببلاطات القيشاني والرخام والمصبحات النحاسية، ويوجد في بعض الأسبلة شاذروان بحجرة التسبيل، وهو لوح رخامي بها تعريجات زخرفية، يعلو هذه اللوح صهريج ماء تنساب منه المياه على اللوح الرخامي لتبريدها خلال هذا الانسياب فيتلقفها المارة بدرجة تبريد تتناسب مع حاجة جسم الإنسان لها، وكان يعلو بعض حجرات الأسبلة كتاتيب لتعليم الفتيات والفتيان المسلمين من الفقراء في مظهر آخر من مظاهر التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم.

وشيدت في مدينة القاهرة مئات الأسبلة في العصرين المملوكي والعثماني، بعضها شيد على يد سيدات فضليات كان لهن قصب السبق في عمل الخير، والأيادي البيضاء في وجه البر، ذكرت أسماؤهن صراحة وبدون أي انتساب لآبائهن أو أزوجهن أو أولادهن على منشآتهن. وهذا يبين لنا مدى ما وصلت إليه المرأة المصرية في مجتمعنا الشرقي في العصر العثماني الذي يؤمن بدورها الفعال جنبًا إلى جنب مع الرجل. ومن أمثلة أسبلة المرأة بالقاهرة.

*سبيل وقف كلسن:

يقع هذا السبيل في عطفة الأنصاري المتفرعة من شارع بورسعيد، وقد شيدته كلسن هانم في منتصف القرن 11 هـ/17م، وترجع أهمية هذا السبيل إلى أنه يعتبر أول سبيل عثماني شيدته امرأة بمدينة القاهرة، كما أنه يعتبر ثالث سبيل من نماذج الأسبلة العثمانية المفردة، أو المستقلة التي لا تعلوها كتاتيب.

لسبيل كلسن شباك تسبيل نحاسي مغشي بمصبعات، وذلك بالواجهة الجنوبية الغربية، يعلو هذا الشباك عتب مستطيل تزخرفه صنجات مزررة تتوسطها كلمة (الله حي).

تدخل إلى السبيل عبر مدخل مقبى فيه يؤدي إلى ممر صغير به باب يفتح على حجرة التسبيل المستطيلة الشكل، ذات الأرضية الرخامية، ويوجد بالحجرة شاذروان لتبريد الماء.

أما السقف فقد زخرف ببراطيم خشبية ملونة ومذَهبة ذات أشكال مختلفة من رسوم هندسية ونباتية في تداخل جميل وتناغم عذب.

* سبيل الست صالحة:

يقع هذا السبيل في ميدان السيدة زينب بالقاهرة، حيث الواجهة الرئيسية، أنشأته الست صالحة حسبما ورد اسمها صراحة بالنصَّيْن التأسيسيَّيْن أعلى شباكي السبيل، ويرجع تاريخ إنشائه إلى 1154م هجرية/ 1741م.

* سبيل رقية دودو:

يقع هذا السبيل بشارع سوق السلاح، وقد أنشئ على روح المرحومة رقية دودو بنت بدوية شاهين بنت الأمير رضوان بك، ويرجع تاريخ إنشاء هذا السبيل إلى سنة 1174 هجرية/ 1761 ميلادية.

تقع الواجهة الرئيسية لسبيل رقية دودو على شارع سوق السلاح، وذلك من خلال شبابيك بمصبعات نحاسية باستدارة السبيل، ويُعَدُّ هذا السبيل من الأسبلة التي تأخذ واجهة حجرة تسبيله بروزًا في الشارع لتصبح ذات ثلاثة شبابيك للتسبيل، ويُعَدُّ هذا السبيل أول سبيل بالقاهرة ذا واجهة مقوسة شيدته امرأة، والأسبلة الباقية من هذا النوع بالقاهرة نادرة.

وتحتوي واجهة السبيل على لوحات رخامية ذات كتابات توحي بطبيعة المنشأة منها:

* نص يقرأ:

1- أيها الوارد إلى هذا السبيل اشرب ماءً زلالاً به يشفي العليلا.

2- الله تعالى يرحم من كان على اسمها هذا السبيل.

* ونص يقرأ:

1- سبيل الله يا عطشان الله يرحم الواقفة.

2- وينصر السلطان ويجزيها ثوابًا وإحسانا.

* سبيل نفيسة البيضا

يقع هذا السبيل خلف باب زويلة بالقاهرة القديمة، وهو أحد المكونات المعمارية لمجموعة خيرية أنشأتها السيدة نفسية البيضا، زوجة مراد بك الكبير سنة 1211 هجرية، 1797 ميلادية. وتتكون هذه المجموعة من سبيل يعلوه كتاب ووكالة تجارية بها محلات تؤجر ويستغل ريعها للصرف على السبيل والكتاب، وحمامين يُسْتَغل ريعهما لأوجه الخير، ويعلو الوكالة والحمامين ريع لإسكان فقراء المسلمين بمبالغ رمزية. عرفت هذه المجموعة التي أوقفتها نفيسة على أوجه الخير بالسكرية، إليها رجع نجيب محفوظ في إحدى رواياته، ودخلت هذه المجموعة ضمن ما انبهر به الغرب من نماذج العمارة الإسلامية .

تقع واجهة السبيل والكتاب على القصبة العظمى للقاهرة، وهي من الواجهات المقدسة باستدارة، تطل على الشارع بثلاثة شبابيك، توجد في دخلات معقودة ترتكز على أربعة أعمدة ملتصقة بالواجهة، وهذه الشبابيك مغشَّاة بأشكال زخرفية نباتية متشابكة كقطعة الدانتيك، ومما يسترعي الانتباه زخرف الجزء العلوي المعقود من هذه الشبابيك، حيث إنها تشبه نهدَيْ امرأة، وهذا النوع من الزخرفة أراد به الفنان أن يعبر أو يشبه عطاء الأم لطفلها الحنان والحياة من ثديها، لعطاء السبيل لوارديه العطاشى والظامئين للماء الذي هو مصدر الحياة.

ومن أسبلة المرأة بالقاهرة أيضاً سبيل أم الخديوي إسماعيل، وسبيل الست شويكار وسبيل الست عائشة، وسبيل كوسة سنان.

وتحتفظ دار الوثائق المصرية بوقفيات السيدات اللواتي أنشأن هذه الأسبلة، فقد أوقفن أراضي زراعية ومنشآت معمارية ذات ريع؛ لكي يصرف من ريعها على تشغيل هذه الأسبلة، ومدِّها بالماء وصرف مرتبات العاملين بها وصيانتها بصفة دورية، بل وشروط تشغيلها، وتشرح بإسهاب كيفية تشغيل هذه الأسبلة، ونوعية الماء الذي يُمْلأ بها الصهريج الخاص بكل سبيل، هذا بالإضافة إلى المنشآت الملحقة به. ومما هو جدير بالذكر أن اهتمام الواقفات لم يقف عند حد إنشاء الأسبلة فقط، بل شمل أيضاً وراعى فصول السنة ونسبة زيادة استهلاك الناس للمياه في الصيف؛ ولذا كانت بعض الأسبلة لا تفتح إلا بين صلاة الظهر والعصر في وقت الحر الشديد مع ترشيدها في فصل الشتاء، ووضعت الواقفات الشروط الواجب توافرها فيمن يعملون بالسبيل، والتي أصبحت فيما بعد شروط صحية يؤخذ بها فيمن يتولى أعمالاً تتصل بالطعام والشراب، وهي نظافة البدن والثياب، وأن يكون مقبول الهيئة والشكل وهو ما يؤثر بالإيجاب فيمن يناوله المياه، سليم البدن والجسد من العاهات، ذا مروءة حتى لا يتكاسل عمن يطلب الشراب.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

اقرأ في نفس الباب: المرأة بين العلم والعمل والأسرة

حواء وآدم

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع