|
في لبنان العُنوسَة تهدِّد النساء
سالم
مشكور
الأزمة
الاقتصادية تلقي ثقلها الكبير على الأحوال
التي تعيشها الأسرة اللبنانية، فترفع من
حالات الطلاق أو توسع حلقة "الهجر"،
وتشمل أوساطاً لم تكن تعرف سابقاً هذا "المخرج"
وترفع سن الزواج، وتحول الإقدام على هذا
الارتباط الطبيعي الذي لا تستمر من دونه
المجتمعات الإنسانية، إلى ما يشبه المغامرة
غير المأمونة العواقب .
ويرتفع
سن الزواج حاليًا في لبنان، بشكل ملفت وحسب
المناطق، ففي بيروت مثلاً، سن الزواج لدى
الذكور هي 32 عاماً تقريباً، وهي نحو 29 سنة في
محافظتي لبنان الشمالي ولبنان الجنوبي،
والوضع مماثل لدى النساء فيما يتعلق
بالفروقات العمرية. فسن الزواج الأول للنساء
هو أقل من 26 سنة في لبنان الشمالي، وحوالي 29
سنة يعود سببها إلى المستوى الثقافي للذكور
وللإناث سويًّا، وقد يرتبط ببعض العادات
والتقاليد.
وقد
أُجْرِي مسح (في جامعة سيدة اللويزة عام 1997م)
لمجموعة مؤلفة من 400 شخص، أظهر أن العمر
المثالي للزواج الأول يتراوح بين 30 و 33 سنة
من العمر للذكور وبين 22 و 25 سنة للإناث. لكن
حالات الزواج تظل منخفضة عن المعدلات
الطبيعية، كذلك فإن الزيادة الهائلة في
المستويات التعليمية للإناث خاصة، تسببت في
تأخير حالات الزواج.
العامل
الأهم وراء ظاهرة قلة الزواج، هو النقص في
عدد الشركاء من الذكور، خصوصاً في ما يتعلق
بالإناث اللواتي أكملن دراستهن العليا، كما
أن الهجرة لها تأثيرها أيضًا.
رضا
حاطوم خريج إدارة أعمال قسم المحاسبة منذ
ثلاث سنوات يقول: لو سنحت لي الفرصة منذ
اليوم الأول لتخرجي لما وجدتني هنا اليوم،
لكن ماذا أفعل؟ قدرنا وقدر جيلنا أن يدفع ثمن
أخطاء الكبار
رضا
يعتبر أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة منذ
سنوات ساهمت في هجرة ثلث الشباب اللبناني أو
أكثر،ويري أن المجتمع اللبناني سيتحول بعد
سنوات إلى مجتمع أعزب وعائلات مشتتة ومفككة.
جاكلين
سابا موظفة في شركة اتصالات تقول: إن الأزمة
الاقتصادية المتفاقمة منذ سنوات عدة أبعدت
فكرة الارتباط ليس فقط عن ذهن الشباب، بل
أيضاً عن تفكير الفتيات أيضاً، إذ أصبحت
الفتاة تفكر فقط في كيفية تأمين حاجاتها
اليومية من ملبس ومأكل ..، فكيف بها وهي التي
تعمل أحياناً أكثر من 12 ساعة يوميًّا أن تقبل
بتحمل مسؤولية أسرة وأن توفق بين بناء
الأسرة وإنجاب الأطفال وتأمين متطلبات
الحياة ؟ الدكتور زهير حطب الباحث في قضايا
الأسرة وشؤون المناهج التربوية، اعتبر أن
الأوضاع الاقتصادية السيئة تدفع بالجماعة
عادة إلى التخفيف من الشروط لتسيير حصول
الزواج كمعبر للحياة الجنسية ومقتضياتها
بالنسبة للشباب، وإذا ما رفضت الجماعة
وتغافلت عن تذليل هذه الظروف، فإنها تعرقل
بذلك تحقيق النشاط الجنسي والحياة الجنسية
لدى الشباب تحت المظلة الشرعية وضمن الأطر
المقبولة اجتماعيًّا، وبالتالي تفتح ثغرة
في نظام الزواج، وتفتح المجال للشباب كي
يبحثوا عن تلبية حاجاتهم الجنسية خارج الأطر
الاجتماعية المقبولة أي الزواج.
ويتابع
د. حطب أما في مجتمعنا اللبناني فإن مؤسسة
الزواج تتحرك ببطء شديد في ظل ضوابط العادات
والتقاليد والتكاليف الاجتماعية والمادية
وأزمات السكن والعمل والبطالة، وهذا كله
يؤدي إلى ازدياد أعداد الشباب غير
المتزوجين، أو هو أمر له تبعاته الاجتماعية
والنفسانية والعائلية إلى حد كبير.
فعلى
الصعيد الاجتماعي يلقى بهذه الفئات على هامش
المجتمع ومناسباته ونشاطاته لأن هذا
المجتمع لا ينتهي إليه إلا المتزوجون،
ونادراً ما يدعى عازبون للمشاركة في
المناسبات واللقاءات والسهرات الاجتماعية
التي ينظمها زملاء العمل لسبب وحيد وهو أنهم
غير مصحوبين بزوجاتهم، وبالتالي تعيش هذه
الفئة ذكوراً وإناثاً حالة عزلة وهامشية
اجتماعية، وإن كان أفرادها يحتلون مواقع
رخيصة في سلم العمل المهني.
وعلى
الصعيد العائلي يواجه العازبون التباساً
عائليًّا دائمًا، فمهما تقدم بهم السن،
ومهما ارتقى العازب في مجال عمله الوظيفي،
ومهما كسب من دخل، يبقى في نظر مجتمعنا
اللبناني شخصاً غير راشد اجتماعيًّا
وعائليًّا، بمعنى أنه غير مسؤول عن أي شيء،
مما يدفع أهله إلى التدخل الدائم في شؤونه
والضغط عليه لإملاء إراداتهم لأنه لم يكتشف
بعد مصالحه.
والواقع
أن ما يشير إليه الدكتور حطب من "علاقات
خارج إطار الزواج " كأحد إفرازات ندرة
الزواج أصبح بحد ذاته أحد الأسباب المؤدية
إلى قلة اتجاه الشباب إلى الزواج إلى جانب
العوامل الأخرى.
من
عوامل ارتفاع سن الزواج - وبالتالي اتساع
ظاهرة العنوسة في لبنان - الوعي الاجتماعي
المُشَوَّه والذي يجعل للزواج متطلبات
مادية مرهقة تدفع الشباب إلى الفرار، وتكون
النتيجة ضررًا يلحق بكلا الجنسين، فالقناعة
تكاد تكون معدومة عند غالبية الفتيات
اللبنانيات والزواج لا يتم عادة، إلا
بمصاريف باهظة بدءاً من حفل الزواج وليس
انتهاء بأثاث المنزل الذي تتفاخر الزوجات
بجودته وماركاته المعروفة. كل هذا يجعل
تكاليف الزواج تفوق ما يمكن أن يجنيه الشاب
طيلة عشرين أو ثلاثين عاماً، وبالتالي فإن
الهروب من الزواج يكون هو الحل.
عامل
آخر، يتصل بالوعي الثقافي الاجتماعي هو
انصراف اهتمام الشباب اللبناني عن بناء
الأسرة واتجاهه إلى مواضيع أخرى مثل اقتناء
سيارة فاخرة، أو تغيير جهاز هاتفه النقال كل
حين، واستخدام الهاتف لسبب أو بدون سبب مع ما
يرتبه ذلك من تكاليف باهظة في لبنان. فضلاً
عن إنفاق الكثير من موارده في النزهات
والمطاعم، والمرابع الليلية (بالنسبة للبعض)
مما يجعل دخله الشهري لا يكفي لنصف الشهر،
وبذلك يدفع عن ذهنه أي تفكير في الزواج.
هذه
العوامل وغيرها تجعل العنوسة تهدِّد فتيات
لبنان .. بل رجاله أيضاً.
اقرأ
في الأخبار:
المرأة التركية تعمل في "البودي جارد"..!!
االمرأة الفلسطينية بين الشتات وفخ التوطين
حواء وآدم
|