English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

النور .. والأفاعي

حوسينات سامية


رأيته من بعيد.. بوجهه النيِّر الجميل وردائه الأبيض الناصع الطاهر……… ملك وجداني ذلك الحسن وذلك الصفاء والطهر.. في عالم اسودَّت الدنيا فيه بالقبح القبيح والمكر الصريح والجو العكر…… وجدتني سائرة إليه وكلي براءة وسعادة واطمئنان…… ولكنني وأنا في الطريق صادفت عقارب وأفاعي سوداء عمياء لم أرها من قبل، ومع ذلك اقتربت مني واعترضت طريقي مصطنعة ابتسامات وحركات عطف وحنان كاذب …… إلى أين يا بنية؟… قلت بكل عفوية.. بل أنتم ماذا تفعلون هنا في وسط هذا الركام من القاذورات؟…… لماذا اخترتم هذا الجوّ المظلم العكر؟…… ألم تروا ذلك النور المشع؟… ألم تنظروا إلى ذلك الصفاء الرائع……؟

ارتفعت الضحكات والقهقهات الساخرة .. أتقصدين ذلك التمثال الأبيض؟…… أتعنين ذلك الشيخ الهرم…… الظاهر أنك بنت ساذجة …… ربما صدقت كلام أبناء ذلك الشيخ الهرم وهم يمدحون أباهم بما ليس فيه…… آه يا بنية كم من مثلك من المغرورات شدهن الحنين إلى ذلك الحسن الزائف، وسِرْن إلى ذلك التمثال الأبيض القديم فعشن في كنف ذلك الشيخ المسن المريض فسقين كأس الشقاء والفقر والتأخر والركود حتى الثمالة…… حرام عليك أن تدفني شبابك وعلمك وجمالك بالالتحاق بركب المغرورات المخدوعات.. الرَّجْعِيَّات…… مكان أمثالك هنا.. معنا نحن أبناء اليوم والمستقبل .. أنصار الجمال والتقدم… والتحرُّر………

نظرت ثانية إلى وجوههم السوداء وإلى محيطهم المدنس بالقاذورات وإلى الحزن العميق الذي  لم تفلح ضحكاتهم الكاذبة في إخفائه…… أما عن الروائح الكريهة المنبعثة منهم فحدث ولا حرج.. فلم أر مجالاً للمقارنة بينهم، وبين ذلك النور والطهر المُشِعَّين من ذلك الوجه الجميل … لم أجد عناءً في أن اخترت المضيَّ في طريقي نحو النور…… آه ما أقساها لذعاتهم .. إنها مؤلمة جارحة …… لم تنجح محاولات الإقناع .. فها هي ذي العقارب والأفاعي تحيط بي الآن وتلذعني وتتبعني في هذه الطريق المحفوفة بالشوك والألم والجراح…… لكنني ما إن وصلت إلى صاحب الوجه الجميل - ورأيت نوره عن قرب ولمست طهره واستبشرت بالخير الوافر في العيش في كنفه - حتى نسيت آلامي وجراحي وتعب الطريق…… وبدأت أسئلتي تنهال عليه وهو ينظر إليَّ نظرة الأب الحنون…… قلت له: بالله عليك من أنت؟… من أنت حتى يكن لك كل هذا العداء والكيد من أشد الناس حاجة إليك؟… من أنت حتى يعمى عن رؤيتك المبصرون… من أنت حتى يحال بيني وبين الوصول إليك؟ … أنت هنا في مدينتنا منذ قرون الكل يعرف اسمك ولكن قليل من يبصر نور وجهك …من أنت بالله عليك… أجابني بكل هدوء.. - انظري بنيَّتي عبر هذه النوافذ في هذا الجدار… ستعرفين من خلالها كل الحقيقة عني وعنك وعن أعدائي -……………

نظرت من النافذة الأولى فرأيت ظلامًا دامسا مروعًا…… الناس هناك كانوا أشبه ما يكونون بالبهائم يتناطحون دون كلل ولا ملل… القويّ منهم يأكل الضعيف…… النساء من خشب …… سلبت منهن كرامتهن وإنسانيتهن…… إنهن يُبَعْن في الأسواق مع أثاث البيوت ………… بل رأيت من يحفر حُفرًا ويلقي بهن غير مبالٍ بصراخهن واستنجادهن…… فوضى رهيبة … ظلماتٌ بعضها فوق بعض …… أسرعت وتنحَّيت عن تلك النافذة مستاءة من فظاعة ما رأيت… فأشار إلى صاحب الوجه النيِّر طالبًا مني أن أصعد وأنظر من النافذة الثانية .. وأنا أتجه إلى هذه النافذة لاحظت أن وجهه زاد إشراقًا وبهاءً كأنه تذكَّر أحداثًا سعيدة وأحبابًا أعزاء……… نظرت .. وما أجمل ما رأيت…… رأيت نورًا على نور…… شمس ساطعة…… حقول خضراء  فاتنة …أشجار زاهية مثمرة …………آه يا إلهي إنه هو …… نعم هو … هاهو ذا صاحب الوجه الجميل يمدهم بالنور الذي لا ينفد.. إنهم يحبونه ويُجِلُّونه ويطيعونه.. يعرفون اسمه وكنهه ويتبعون أوامره …… العباد وجوههم من نور…. بل إن النور يسعى بينهم عن أيمانهم وشمائلهم…… رحماء بينهم…………إخوان متحابون يجدون ويكدحون لبناء قصر جميل عظيم … الكل متعاونون في هذا البناء……… حتى النساء لم أر مثل جمالهن وطهرهن في حياتي قط………………. إنهن يُعِنَّ الرجال في ذلك البناء الضخم ……………… وددت لو أناديهن عَلَّهُن يقبلنني معهن………….تمنيت أن أخترق زجاج هذه النافذة العجيبة لأذوق حلاوة العيش هناك مع الطاهرات الجميلات العاملات المجدات للمشاركة في ذلك البناء … لكن سرعان ما توقف الحلم؛ إذ أنني سمعت صاحب الوجه النير يبعث آهات مؤلمة ويذرف دموعًا حارة …………أردت أن أسأله عن سر ذلك فأشار إلى النافذة الثالثة .. إنه كان يتحسر كأنه تذكَّر كنزًا ضاع أو عزيزًا افتقد… ما أحزن ما رأيت من هذه النافذة الثالثة…… إن العباد هنا بدأت تظهر عليهم ملامح سكان النافذة الأولى… آه ماذا أرى…… إن هناك من يقوم ليلاً أو نهارًا …علنًا أو خفية … بتهديم القصر أو تشويهه …… بل إنهم يحاولون تارة بالإغراء .. وتارة بالقوة.. وتارة أخرى بالكيد والمكر والافتراء ليصدوا العاملين عن إتمام ذلك البناء الجميل…………… هناك من يحاول جادًا الترميم، ولكن دون جدوى؛ لأن المُهَدِّمين أكثر عددًا وقوة ومكرًا………. واحسرتاه ماذا دها

النساء هنا إنهن يطلبن أن يصنعن من خشب لأنه أجمل………… ما هذا الهراء… أيستبدلن

الذي هو أدنى بالذي هو خير …………………… بدأت الفوضى واندلعت الحروب بين من يريد إتمام بناء القصر وتزيينه ومن يريد تدميره وتدنيسه أو تشويهه……………… بكيت بكاءً مرًّا. كاد يصيبني اليأس.. أنا الساذجة التي كانت تريد العيش مع الأخيار الأطهار وتبني معهم أجمل قصر وتحيا معهم أبهى عصر…… أنَّى لي ذلك الآن أمام كيد الكائدين الأشرار ……………….. بكيت بكاءً مرًّا ……كدت أيأس… كدت أفقد الأمل.. لكن فجأة أحسست بحرارة عجيبة وشممت روائح قمة في الطِّيبة… رفعت رأسي فإذا بي أرى مصدر النور والطيبة والبهاء ………… إنه حشد رائع عظيم.. حشد من النساء قادم من بعيد بقوة وعزم وإصرار.. إنه يدوس على العقارب والأفاعي ولا يلتفت للَّذعات والاعتراضات …………… وصل الحشد المبارك من النساء الطاهرات الجميلات………………. وهذا حشد آخر قد وصل معهن.. حشد من الرجال الأقوياء … سواعدهم من فلاذ … إرادتهم من حديد ……. النور يسطع من وجوههم ………… تعاون الجميع رجالاً ونساءً ورفعوا صاحب الوجه الأبيض النيِّر على أكتافهم وقرّبوه من النافذة الرابعة… شعرت بالقوة والأمل معهم فانضممت لركبهم المبارك………………… لا أدري ما الذي رآه من هذه النافذة.. لأنه عند نزوله عادت إليه ابتسامته المشرقة وظهرت عليه علامات السعادة والاستبشار والرضى ……………. أردت أن أسأله فبادر قائلاً: ………….. بنية لن تري بعد اليوم في مقلتي دمعة ولن تخرج من صدري زفرة حسرة ما دمت على أكتافكم، وما دامت الأرض تنجب أمثالكم.

فجأة رفع الأذان لصلاة العصر منبعثًا من الفيَّاقة العجيبة التي اشتريتها من مكة…. أفقت من حلمي العجيب فوجدت في يدي.. كتاب المستقبل لهذا الدين للأستاذ سيد قطب .. حان الآن إخوتي وقت الصلاة…… تقبل الله منا ومنكم.

اقرأ أيضًا في نفس الباب:

- "الهِجْرة والمرأة"

  حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع