حين
تمر بنا ذكرى هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-
وصحابته رضي الله عنهم نقف متأمِّلين معتبرين
لما فيها من عظات ودروس وعبر... ويدهشنا موقف
المرأة المسلمة الأولى، ومدى فهمها لدينها
وإدراكها أن نصرة دين الله في واقع الحياة،
والعمل على تطبيق منهجه في حياة الفرد
والأسرة والمجتمع والدولة لهو من أجَلِّ
الأعمال التعبدية.
ولقد
أدركت المرأة المسلمة هذا المعنى إدراكًا
عميقًا تغلغل في مسارب نفسها، فإذا هي لا تقل
عن الرجال تضحية وجرأة، بل إن بعض النساء من
سلف هذه الأمة تفوَّقْن على كثير من الرجال.
فهذه
أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تقطع المسافة
الطويلة بين مكة وجبل ثور في جوف الليل، لم
يثنها عن مهمتها وحشة الطريق ووعورة المسلك
وترصد الأعداء، ولم يمنعها ثقل الحَمْل وهي
في شهورها الأخيرة أن تتسلق الجبل الوعر الذي
يعجز عن تسلقه الرجال الأشداء؛ لأنها تعلم أن
في إنقاذ رسول الله –
صلى الله عليه وسلم –
وصاحبه، وإنجاح مقصدهما ووصولهما إلى دار
الهجرة، نصرةً لدين الله، وإعلاءً لكلمته،
وإظهارًا للحق وجنده، ومن ثم كانت تقوم
بمهمتها الصعبة هذه كل يوم على قدميها متخفية
حذرة، فتصعد الجبل وتوافي رسول الله –صلى
الله عليه وسلم- وصاحبه بما تحمل من زاد
وأخبار، ثم تعود أدراجها إلى مكة تحت رداء
الليل الأسود.
ولم
تكن هذه المهمة هي كل ما أدَّته أسماء رضي
الله عنها نحو دينها ونصرة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، بل تعرضت لمحنة قاسية ثبتت فيها
ثبات الجبال الراسيات يوم أحاط بها رجال من
المشركين يسألونها عن أبيها، فأنكرت أمره
وتجاهلت خبره، فأمعنوا في الشدة والغلظة حتى
إن أبا جهل لطمها لطمة أطارت قرطها من أذنها،
فلم يوهن ذلك من عزيمتها، ولم يَفُلّ من
تصميمها على الاحتفاظ بسرها المكنون، ومضت في
إباء وعزم تقوم بمهمتها؛ لتضرب بذلك مثلاً
على أن المرأة قادرة وجديرة بحفظ الأسرار،
وأهلاً لتحمل الأمانة ذلك لأنها قد تربَّت في
مدرسة الإيمان.
لقد
كانت نصرة دين الله والالتحاق بركب دعوته
يُشْغِل المرأة المسلمة في صدر الإسلام، إذ
كان الإيمان يَعْمُر قلوب المسلمات غضًّا،
فكُنَّ يهاجرن في رفقة أزواجهن، وخروجهن
للهجرة كخروج الرجال التماسًا لطاعة الله
ونصرة لدينه.
كانت
هناك قضية يُؤمِنَّ بها كما يؤمن الرجال،
ويُضَحِّين في سبيلها كما يضحي الرجال.
وهنا
وعند بداية هذا العام الهجري الجديد التفتُّ
حولي فأرى أن دين الله يحتاج لكل جهد من رجل
كان أو امرأة أو طفل، فيا أخواتي كُنَّ كجدتكن
أسماء مثالاً للجدية والجلد وحفظ الأسرار.
ويا
إخواني امنحوا أخواتكم الثقة، وأحسنوا تربية
أبنائكم وارفقوا بهم حتى يكونوا ذُخْرًا
للإسلام، وحتى نكون أهلاً لتحقق نصر الله على
أيدينا.