بعد أن انقضى شهر فبراير/شباط .. وانقضت معه بهارج ما يسمى في أوروبا عيد الحب، وما أثاره
الحدث في صحافتنا من ضجيج، وقيل وقال،
ومهاترات وتبادل للمهاترات، وكأنها المرة
الأولى التي تحتفل فيها أوروبا بعيد الحب هذا!!،
وما كان لذلك كله من دلالات عميقة على أوضاعنا
الإعلامية المؤلمة، وتبعيتنا الفكرية
المخزية، وفراغ جعبتنا من الأفكار والعواطف
معًا، وما أكده من أننا جميعًا مازلنا أو على
وجه الدقة ما فتئنا عالة على الغرب؛ لا في
طعامنا وشرابنا وملبسنا فحسب؛ ولكن في توجيه
أهوائنا!! .. وفي توجيه ردود أفعالنا مقابل هذا
الذي نعتبره أكبر عملية غزو حضاري شهدها
العالم منذ عصر الفتح الحضاري الإسلامي؛ الذي
جعل العباد والبلاد تدخل في دين الله أفواجًا
طمعًا في اللحاق بركب الحضارة الإسلامية.
بعد مرور فبراير واستعادتنا لهدوء
أعصابنا إثر فَوْرة العشق الجماعي التي
أصابتنا وعودتنا شيئًا فشيئًا إلى إيقاعاتنا
الحزينة الغاضبة المعترضة .. وإلى انغماسنا في
حياتنا اليومية الروتينية المالحة .. بعد
انقضاء فبراير أردت أن أدخل هذه الساحة
الممنوع الحديث عنها، المحظور الاطلاع عليها
.. والتي نحن أبعد ما نكون منها، وذلك على
الرغم من أنه ما من أمة اليوم تتغنّى بها كما
نفعل، بل تكاد تكون أغانينا وللأسف الشديد
مقتصرة وفقط على موضوعات الحب .. والحبيب !
تقليعة الحب الأوروبية هذه ذات أصول
ثقافية حضارية دينية بحتة؛ سخرها الغرب
جميعًا- متلاعبًا بالعواطف- لمطالب السوق
وحركة التجارة؛ ولكن وعلى الرغم من ذلك فإن من
شأن مثل تلك التقليعة أن تترك في النفس الكثير
من التأمل والشعور بالحنين، وأن تصيب القلوب
بحساسية مفرطة خاصة ونحن نعيش في مجتمعات لا
تعرف الحب، ولا تعترف به ولا تعرف كيف تعيشه
ولا كيف تحميه كنَبْتة صغيرة تنمو في القلوب،
وتزهر كل صباح ألف نجمة ياسمين تفرش الأرض
بالعنبر وتحمل إلى النفوس الطيب والراحة
والسلام.
لقد توقف شعورنا بالحب عند قيس ليلى
وكثير عزة، وعشنا حياتنا في جفاف روحي ونفسي
قاتل؛ نراوح بين حب عذري خيالي، وعشق جنسي
مرضي، وجعلنا الحب شيئًا مستثنى من قواميس
المتزوجين، وعبرنا عن جوعنا العاطفي بأساليب
مرضية مقززة أو بقسوة وشدة اعتبرناهما
عنوانًا عريضًا للرجولة، التي تقلصت كل
معانيها في قواميسنا المعاصرة إلى التسلط
والقدرة على قهر الآخرين، والذين هم في كل
الأحيان أفراد الأسرة التي بنيناها؛ فكان آخر
ما فكرنا فيه لدى بنائها موضوع الحب !.