بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
في تونس: العنوسة ظاهرة اجتماعية
تونس - صلاح الدين الجورشي

    كشفت آخر عملية مسح للسكان في تونس -تم الإعلان عن نتائجها مع مطلع 2000 عن جملة من المعطيات الإحصائية المهمة مكنت علماء الاجتماع من الوقوف عند بعض الظواهر الجديدة التي برزت في المجتمع التونسي نتيجة تحولات بنيوية عميقة ومخيفة لم يقع الانتباه لها أو تحليل تداعياتها على نمط الأسرة والعلاقات الاجتماعية، من بين هذه الظواهر تأخُّر سن الزواج في تونس، حيث تبين أن نسبة الرجال غير المتزوجين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و 29 سنة قد مرت من 71 % خلال عام 1994، إلى نسبة 81.1 %، أما في صفوف النساء فقد بدا الأمر للبعض مثيرًا أكثر للقلق؛ حيث قفزت نسبة الإناث غير المتزوجات، واللاتي تتراوح أعمارهن بين 20 و 24 سنة، إلى حدود 79.7 % من مجموع هذه الفئة العمرية. أما الإناث اللاتي يتراوح سنهن بين 25 و 29 عامًا، فقد بلغت نسبة العازبات منهن 47.3 % من المجموع الإجمالي لهذه الشريحة، ويتبين من نتائج المسح أن هذه النسبة لم تتجاوز في عام 1994 معدل 37.7 %. أي أنه خلال ست سنوات فقط تعززت ظاهرة العنوسة بإضافة 10 % من الفتيات التونسيات، و تأخر سن الزواج عند الشبان إلى حدود 32 عاماً، وعند الإناث إلى 29 عاماً؛ لهذا عبر البعض عن قلقه ومخاوفه من الانعكاسات السلبية التي يمكن أن تنتج عن هذه الظاهرة الاجتماعية الجديدة.
فسر بعض أهل الاختصاص الظاهرة بإرجاعها إلى أسبابها الاقتصادية، خاصة بالنسبة للرجال، فاستكمال الدراسة الجامعية، وما يعقبه من بحث عن الشغل قد يمتد بضع سنوات، خاصة بعد أن تفشت ظاهرة بطالة أصحاب الشهادات الجامعية، وهو ما جعل السلطة تضع مسألة تشغيل خريجي الجامعات في مقدم أولوياتها، أما الشاب الذي لم يستكمل دراسته الجامعية فإنه بعد أن يقضي فترة قد تطول في البحث عن وظيفة شاغرة، يكتشف عند استلام أول راتب له أن الإنفاق على أسرة ليس بالأمر الهين، وأن عليه أن يستعد ماليًّا لبناء عش الزوجية وذلك لبضع سنوات أخر، من هنا ساهمت التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها تونس منذ السبعينيات في صنع عقلية جديدة أساسها إعادة ترتيب الأولويات، على حد تعبير أحد الخبراء في علم الاجتماع قديمًا كان الزواج يسبق الحصول على وظيفة، أما اليوم فقد أصبح الشغل يتقدم كل الضروريات الأخرى، خاصة بعد أن اختلت نسبيًا توازنات الطبقة الوسطى، وأصبح على الأسرة التونسية متوسطة الدخل أن تقدم مساعدات جدية لأحد أبنائها الراغبين في الزواج، يضاف إلى ذلك أن نمط العلاقات الاجتماعية وتغير القيم العامة بين الجنسين؛ جعل الذكور يتعاملون بأكثر أريحية مع مسألة الزواج، ومنهم من يعتبر تأخير قرار الزواج عاملاً إيجابيًا يساعد على حسن انتقاء الفتاة المناسبة، بعد عملية غربلة وفرز قد تشمل أحيانًا عشرات الفتيات المختلفات في المستوى التعليمي والتجربة والانتماء الاجتماعي، كما أن الأغلبية الساحقة من الذكور يعلنون بوضوح أنهم يرغبون الزواج من الفتاة العاملة، ويتطلعون إلى أن تقاسم زوجها دخلها وكل ما تملك. وبذا أصبح العامل الاقتصادي مهمًا جدًّا ومحددًا في كثير من الحالات، والغريب أنه بالرغم من توسع ظاهرة العنوسة لا تزال نفقات الزواج باهظة ومخيفة، خاصة لذوي الدخول الضعيفة، وهو عامل إضافي يزيد من مخاوف المقدمين على الزواج.
أما بالنسبة للإناث فإن تأخر سن الزواج يشكل خطرًا على حياة الكثير منهن وعلى توازناتهن النفسية والاجتماعية، فالمجتمع التونسي رغم مسحة الحداثة التي تبدو في جميع أركانه، لا يزال ينظر بنوع من السلبية للفتاة العازبة، ولا يرتاح كثيرًا للمرأة التي تعيش بمفردها، مهما حاولت إثبات حسن سلوكها، فالفكرة التقليدية التي تعتبر الزوج مهما كان وضعه هو غطاء المرأة وحاميها لا تزال سائدة في أوساط عديدة، والبعض لا يزال يرى في بقاء الفتاة دون زوج "عورة"، حتى لو كانت قاضية أو طبيبة أو أستاذة جامعية، فالمرأة المعتمدة على نفسها لم تصبح إلى حد الآن قيمة مستقلة بذاتها، يضاف إلى ذلك أن المرأة التي بدأت تتجاوز سن الثلاثين لأسباب ليست مسئولة عنها تصبح أقل حظاً في وجود الزوج المناسب وحتى غير المناسب، من هنا نشأ ما أطلق عليه الباحثون الاجتماعيون بظاهرة "التباعد بين أفراد الجيل الواحد"، حيث لوحظ بأن "ذكور الجيل الواحد أصبحوا غير قادرين على الارتباط بإناث الجيل نفسه"، فإناث الجيل الواحد يعولن كثيرًا على الارتباط بذكور الأجيال السابقة، لهذا أخذ الفارق في السن بين الأزواج والزوجات يتسع تدريجيًّا.
هل يمكن أن نتحدث عن وجود أزمة زواج في المجتمع التونسي في الوقت الراهن؟. قد يكون الحديث عن أزمة بالمعنى الدرامي للكلمة أمرًا مبالغًا فيه، لكن المؤكد أن البناء الأسري يمر بتحولات عميقة، وأن هناك صعوبات تتزايد أمام خيار الزواج، هذا الأمر فتح المجال لكي تبرز وتنتعش عدة ظواهر لم تكن من تقاليد التونسيين والتونسيات، من بينها صيغة التعارف بين الجنسين عن طريق وكالات الزواج وإعلانات الصحف التي تفشت بشكل غير مسبوق، وكما كانت تفعل الجدات من قبل من خلال زيارتهم لأضرحة الصالحين أقبلت الحفيدات المتعلمات على استشارة المنجمين ومن يدعون كشف الغيب والدجالين لمعرفة مدى حظوظهن في الحصول على زوج المستقبل!!
الأرقام تؤكد بأن ظاهرة العنوسة مرشحة لمزيد من الاستفحال، لكن المجتمع لم يطرح على نفسه البحث عن الحلول الجدية والعاجلة للتخفيف من هذه المشكلة، حيث لا توجد جمعيات تبادر في هذا الاتجاه كما حصل في الجزائر أو في بلاد عربية وخليجية عديدة

اقرأ في هذا الباب:
- مسيرة نسائية عالمية عام 2000
- ماذا يقرأ العرب في معرض القاهرة للكتاب؟

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع