|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
عمان - إبراهيم غرايبة
أملنا أن تكون بيوتنا بيوت عز، نجتهد آباءً و أمهات في سبيل ذلك ، فماذا عن بيوت خلت من الآباء و ترعاها أمهات "بديلات"؟
تعمل حياة، أو "ماما حياة" أمًا بديلة في قرى الأطفال (S O S) في عمَّان، وتبلغ من العمر ستًا وثلاثين سنة، وهي غير متزوجة، وتعمل في قرى الأطفال منذ ست سنوات. وتشرف على ستة أطفال، ثلاثة منهم ذكور تتراوح أعمارهم بين أربع وثماني سنوات، وثلاث إناث تتراوح أعمارهن بين ثلاثة عشر وأربعة عشر عامًا، وهي تحمل الثانوية العامة.وقرى الأطفال (SOS) مؤسسة دولية، تقيم قرى صغيرة للأطفال الأيتام وتهيئ لهم أسرًا بديلة، وأمهات بديلة ليعيشوا في هذه القرى التي ترعاهم، وتلقى هذه المؤسسة دعمًا وتسهيلاً تنفيذيًا كبيرًا، وتنفق أموالاً طائلة في رعاية الأيتام وتنشئتهم. جاءت "حياة" من الريف الأردني لتقيم في عمان مع الأطفال في القرية المخصصة لإيواء الأيتام، والتابعة لمؤسسة بالغة الأناقة تديرها سيدات وفتيات من أحياء عمان وأسرها الغنية المتمدينة والقوية أيضًا.. ولا تخفي أنها تشعر بغربة في عملها الذي اقتلعها من أسرتها الريفية المتماسكة، وفي الجو الاجتماعي والإداري للمؤسسة الذي يبدو بالنسبة لها عالمًا بعيدًا غامضًا تفصلها عنه هوة عميقة. ترى "حياة" أن علاقتها مع زميلاتها في العمل تتضمن مستوى جيدًا من التعاون والتفاعل، وأن فرص الصداقة والتقدير مع الزميلات متوسطة، وقد لا يكون واضحًا كيف ميزت في إجابتها بين التقدير والصداقة، وبين التفاعل والتواصل والتعاون مع الزميلات، لكن إجابتها تعني قدرًا من الرضا عن زميلاتها اللاتي يتماثلن معها في الظروف والمعاناة. مهنة الأم البديلة في الوسط الريفي قد لا تكون من الخيارات الأولى لعمل الفتاة، وإن كانت مهنة ليس عليها تحفظ في ذلك الوسط الذي بدأ يتخلى عن كثير من المواقف التي تمسَّك بها فترة طويلة عندما تعرض لموجة تحديث مفاجئة وقسرية وسريعة. يقتضي عمل "حياة" أن تقيم في مكان عملها، وأن يتواصل عملها وعلاقتها بأسرتها التي كونتها لها المؤسسة وكلفتها بأمومتها على مدى ساعات اليوم كما لو كانت أمًا حقيقية، وذلك في محاولة لتهيئة أجواء للأطفال الأيتام لتكون قريبة من أجواء الأسر العادية في المجتمع، ومطلوب منها تبعًا لذلك أن ترعى هذه الأسرة على نحو دائم وأن توقف نفسها على هذه الأسرة. والعمل هذا وإن كان يوفر للأم البديلة جوًا معيشيًا آمنًا ومعقولاً بالنسبة لفتاة بعيدة عن أسرتها، لكنه يعني الانقطاع شبه التام عن مجتمعها الأصلي والمجتمع المحيط كله.
إنها تشعر بالرضا عن عملها، ويبدو أنها ارتبطت عاطفيًا بأسرتها (الأطفال) التي كلفت برعايتها، وأفراد أسرتها يُقدِّرون عملها، ولا يُظنّ أنها عملت دون موافقة أهلها ورضاهم، ولكنها تشكو بمرارة من المجتمع الكبير المحيط بها، ونظرة أفراده إلى مهنتها، كما أن صلتها بالمجتمع ضعفت أو انقطعت؛ فعملها لا يساعد على هذه العلاقة، بل على العكس فقد عزلها عن المجتمع، وتشكك حياة في أن مهنة الأم البديلة قد حققت لها مكانة اجتماعية. والغريب أنها تقول: إن تقدير زميلاتها لعملها أقل من جيد (متوسط) وهي إجابة غير متوقعة، قد تدل على عدم رضاها عن الوسط الذي تعمل فيه من الزميلات والعاملات في المؤسسة، ويفترض بداهة أن زميلاتها أكثر من يتعاطف معها ويقدر عملها. وقد تكون أسباب ذلك متصلة بـ "حياة" نفسها، ولكن يرجح أنه بعد ست سنوات من العمل المتواصل لها في المؤسسة أن أسباب ذلك ترجع إلى نظرة حياة وزميلاتها إلى أنفسهن وعلاقتهن بالإدارة الأنيقة المعزولة، أو لنقل بصراحة أكثر: إنه الانطباع الذي تكون لدى حياة وزميلاتها عن الفوقية والفرق الكبير بينهن وبين القائمات على المؤسسة، إضافة بالطبع إلى شعور حياة وزميلاتها بأن عملهن وإن كان إنسانيًا نبيلاً لكنه ليس عملاً مرموقًا. تبدو إجابات حياة عن علاقتها مع الإدارة في أحسن حال، ولكن الفصل المتعلق بعلاقتها مع الإدارة هو الوحيد الذي أجابت عليه بسرعة وبداهة أنه جيد في جميع مفرداته! وكانت أحيانًا تتردد في الإجابة، وقد تضع إجابة ثم تغير رأيها وتتراجع نحو إجابة أخرى، ولنقل أيضًا إن الإجابة سليمة، فإن ما يحتاج إلى دراسة وتحليل لماذا تنجح المؤسسة في إدارتها وعلاقتها مع العاملات وتحقق لهن هذا المستوى المتقدم من الرضا والاحترام ولا تستطيع أن تطور علاقاتهن بالمجتمع المحيط ومع أطفال المؤسسة، وكيف حققت هذا الرضا للعاملات، وهي كما في إجابات أخرى لا تقدم التدريب والحوافز والترقيات؟! تشعر حياة بعاطفة قوية حقيقية نحو الأطفال الذين ترعاهم، ولكنها تعاني من لا مبالاتهم. فهم يشعرون أنها أمًا بديلة وليست حقيقية، والحياة الأسرية لا تكتمل في غياب الرجل، وتمثل هذه الإشكالية (غياب الرجل) في حياة الأطفال خللاً ونقصًا واضحين لدى حياة. فهي ترى أن الرجل وجوده ضروري وبخاصة للأولاد الذكور وفي سن المراهقة على الأخص، الأطفال يشعرون بأمومة حياة ويحترمونها ويتعاونون معها، ولكن حياتهم ليست طبيعية، وهم كما ترى حياة بحاجة إلى أن يندمجوا في المجتمع المحيط ويشاركوا فيه، ولا بد من وجود آباء بديلين أيضًا لا يعملون بالضرورة كالأم البديلة، ولكن وجودهم وإشرافهم يمثل إشباعًا عاطفيًا للأولاد، ويحقق ضرورات تربوية واجتماعية. ورغم أن حياة قالت في الحديث الشفوي العفوي معها إن عملها كأم بديلة عادي وروتيني، وإن علاقة الإدارة بهذا العمل ليست مبرمجة أو قائمة على خطة تربوية مسبقة أو تصور واضح لكنها قالت في الإجابات الكتابية: "إن الإشراف والتوجيه الفني كان جيدًا في وضوحه وعدالته وأسلوبه، ويساعدها على تطوير أدائها المهني بشكل جيد وعلى التغلب على الصعوبات، ولكن من الواضح أن العمل عفوي واجتهادي ويقع على عاتقها أساسًا، وإن الإشراف لا يتجاوز بعده الإداري والمالي والتنظيمي البحت. وحياة تبدو كما الأطفال الذين ترعاهم خائفة على نفسها ومصيرها واستمرارها في العمل ومستقبلها الحائر أيضًا، هل أصابتها عدوى هؤلاء الأطفال الذين يشعرون بالخوف والحيرة ويجتهدون في فعل كل ما يبعد عنهم الغضب، ويقلل خوفهم من المخاطر الصغيرة والكبيرة؟ يحاولون أن يحققوا رضا الإدارة خوفًا من المجهول والمستقبل. هل حولها عملها والمجتمع المحيط إلى يتيمة هي الأخرى؟ وكأن هذا الأسلوب يزيد الأيتام عددًا ويزيدهم يتمًا وغربة؟ حياة وأطفالها الذين ترعاهم يلقون علينا سؤالاً عن جدوى هذا الأسلوب في رعاية الأيتام ومدى ضرورته؟ ألا يستطيع المجتمع بجزء قليل مما ينفق على قرى الأطفال أن يستوعب هؤلاء الأيتام لو وفر للعائلات الراغبة والمستعدة في تبني الأيتام ورعايتهم قليلاً من التمويل والإشراف والمتابعة لينشئوا في المجتمع أناسًا عاديين يفرحون ويغضبون، ينضبطون ويتمردون، ويندمجون في مجتمعهم وينتمون إليه، وسيتيح تقليل النفقات أن تشمل هذه الرعاية جميع الأيتام.. وحتى عندما نحتاج إلى مثل هذه المؤسسات، فماذا يمكن أن تفعل ويفعل المجتمع ليدمج الأطفال وأمهاتهم البديلات في المجتمع ويشعروا بالانتماء إليه والتفاعل معه؟. إن برامج رعاية الأيتام تحل المشكلة بمشكلة أخرى لا تقل عنها خطورة، وأحيانًا تبدو كما لو أنها تنفق المال الكثير لتصنع مشكلات جديدة. فهل نحن بحاجة لحلول مختلفة لمشكلة مؤلمة ..و تزداد مع الأيام إيلامًا؟
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||