|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
هل هو متعب وممتع في نفس الوقت؟! هل هو ممتع من حيث هو متعب؟! من أهم وظائف الأديان والمذاهب التي تتناول حياة الإنسان أن تقدم نظامًا لتسمية الأشياء وتصنيفها وتوصيفها: ما هو حسن منها، وما هو قبيح. وفي حياتنا تحدث تغيرات في تسمية الأشياء وتوصيفها وتصنيفها، وهنا محاولة للتأمل في هذه التغيرات الطارئة، وانعكاساتها. * الصيام مثلاً: - الهدف من الصيام حدده القرآن وسماه بوضوح: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"(البقرة:183). إذن التقوى هي الهدف، وهي المحور في الصيام كعبادة. والأحاديث تكمل المفردات، وتزيد من معالم الصورة: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب.." ، " رمضان أوله رحمة، وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار" ، "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه". المفردات والصفات إذن تشمل: الخلق الحسن والبركة والرحمة والمغفرة والعتق من النار، وفي مواضع أخرى تتحدث عن الجوع والتعب. وفي ممارساتنا - حتى وقت قريب- كنا نتجاوب مع هذه المعاني بمجالس الذكر، وكان المقرئون، ومنشدو التواشيح والمدائح هم نجوم أمسياتنا. وفي الأعوام الأخيرة بدأنا نسمع ونستعمل مفردات أخرى من قاموس آخر: "تمتع" بسحور رمضاني "شهي" في مكان كذا.. "استمتع" بالجو الرمضاني مع "أشهى المأكولات". وحتى الذين لا يذهبون إلى تلك الأماكن يتداولون كلمات مثل: التسلية، وقضاء وقت ممتع.. إلخ. * وفي الزواج أيضا:
في القرآن: " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(الروم:21). وفي الأحاديث: كلمات عن الزواج، وما فيه من إكمال الدين، وغض البصر، وإحصان الفرج. وفي الفقه والتشريع نجد معاني المسئولية، وعمارة الأرض باستمرار النسل تبدو أغلب، أو جنبًا إلى جنب مع معاني المتعة الحسية في موضع حلال. واليوم نجد من يتحدث عن الجانب الجسدي كأنه المحور الأهم في العلاقة الزوجية، ونجد من يسأل ويلح، أو يغضب ويثور، وربما يفصم العلاقة لأنه لا يصل إلى ذروة "اللذة" فيها، أو لا يرضى عن "تجاوب" زوجته معه. وتنهار اليوم بيوت كثيرة لأن هذا الجانب مضطرب، ولو كان الاضطراب بسيطًا، أو ناتجًا عن جهل لأمكن إصلاحه، لكن المبالغة أحيانًا لا يمكن إصلاحها. وأحاديث المجالس، وفراغ الأوقات تسري فيها حكايات وتجارب تحسين "الأداء" الجسدي أكثر مما تدور حول الأداء الإنساني بين الزوجين، أو الآراء التربوية تجاه الأبناء!! ومرة أخرى تنسحب معاني وكلمات المسئولية والمودة والرحمة، وهي معبأة ومحملة بالعديد من التجليات، التي تشمل الجوانب المادية أيضًا، لتحل محلها أسماء وصفات، وألفاظ أخرى. * الأمر خطير: عندما نهى الرسول عن تسمية الأشياء بغير أسمائها كان يعلمنا درسًا هامًا: لأن الأسماء والتوصيفات كما أنها تحمل قيمًا نابعة من الدين أو المذهب الذي يطلقها فإن الأسماء والتوصيفات أيضًا تنشر قيمًا، وتخلق انطباعات، وذهنيات محددة. الأسماء ليست محايدة، والكلمات لها شخصية ومعالم وآثار مثل البشر تمامًا. والكلمة الطيبة غير الكلمة الخبيثة كما يعلمنا القرآن، وميزان الكلمات التي تقال من رضا الله، أو لتسبب سخطه معلم هام من معالم ديننا. وتأثير التركيز اللفظي على جوانب المتعة واللذة الحسية في الزواج يكرس توجهًا معينًا في التفكير يُعلي من شأن المتعة كقيمة حاكمة في العلاقة، نبحث عنها ونحزن حين لا نصل إليها. وكذلك رمضان فإن التركيز على ألفاظ ومعاني المتعة يدفع إلى الهامش- تلقائيًا- معاني التقوى، ودروس الجوع بالنهار، وتعب القيام بالليل. ووصف العبادة بالمتعة هو اختصار مخلٍّ على زاوية محددة في إطار ظاهرة واسعة، وهي ليست الزاوية الأهم، وبالتالي لا يكون التوصيف الأوفق. وتأتي الصورة الساكنة و المتحركة لتضيف قوة إلى المعاني المختلفة عن المعاني التي تريد العبادة تدعيمها ،و لتقدم للمسمى شكلاً شائعاً يختلف عن مقاصده. و لا أعني هنا أن خروج الصورة عن القيم تأتي من كونها عارية، أو أن خطورة الكلمة تكمن في أنها "خارجة"، بل أعني مضمون الكلمة و رسالة الصورة. إن كلمة "متعة" ذاتها لها دلالات غير كلمة "تقوى". حتى لو قلنا "متعة حلال"، وصورة الطعام اللذيذ أو الإجازة الممتعة تحمل رسالة معينة حتى لو كانت المرأة في الصورة محجبة. هل نحن ضد المتعة؟! هل يريد الله لعباده الحزن والكمد؟! هل الإسلام هو دين النكد والحرمان؟ أو الرهبنة والتقشف؟! نحن في هذا الباب نتحدث دومًا عن المتع الحلال، وعن تحسين الأداء الجسدي .. إلخ. لكننا نتناول هذه الأمور بوصفها مكونات ضمن منظومة أكبر، لا بوصفها غايات أو قيم كبرى حاكمة لهذه المنظومات مثل: الصوم أو العبادة. نتحدث عنها، ونحاول مناقشتها، وعلاج اضطراباتها باعتبارها من شئون الحياة؛ وبالتالي من الدين، وليس باعتبارها غاية الحياة أو بوصفها الدين.
وهذا يختلف في ثقافات وحضارات أخرى تبدو منتشرة، ومسيطرة بأفكارها وطرق رؤيتها للأمور، ومنها أن اللذة الحسية والمتعة بأنواعها هي قيم كبرى، وغايات عليا.
ونحن هنا نتأمل معًا في تسلل هذه الرؤى إلى حياتنا مرتدية الزي الشرعي، أو مكتسبة عدم الممانعة لأنها تبدو محايدة في شكلها، وما أريد قوله إنها ليست كذلك. الكلمات والألفاظ والتوصيفات ليست محايدة على الإطلاق.فلنقل: رمضان شهر التقوى، والقرآن، والقيام.. رمضان شهر الأمة. ولنقل: رمضان مبارك ولا نقل: رمضان ممتع ولذيذ عسى أن نخرج منه مقبولين.. كان الإفطار أو السحور شهيًا ...أو لم يكن
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||