English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
الدواء: تجارة أم أخلاق؟
د/حسام الدين عرفة
مدرس السموم-كلية الصيدلة/ جامعة الأزهر
السياسة الدوائية:
    تهدف السياسة الدوائية في أي دولة في الأساس إلى خير المجتمع وذلك بتوفير الدواء اللازم لعلاج المواطنين؛ خاصة الأدوية الأساسية بكمية كافية وبجودة وفاعلية عالية، لأن توفير الدواء هو حق لكل مواطن، لذلك لا بد أن يدعم هذه السياسة كل أعضاء المهنة الطبية. كما يبرز دور وسائل الإعلام التي يجب أن تلعب دورها في توعية المواطنين بترشيد وحسن استخدام الدواء، وكذلك المدارس والجامعات التي يمكن أن تؤدي دورًا رائدًا بالنسبة لمستعملي الدواء وواصفيه على السواء.
    ولكن التخطيط لسياسة دوائية جيدة شيء والتنفيذ شيء آخر وبالأخص في المجتمعات النامية.
    فمع الثورة العلاجية خلال الثلاثين سنة الماضية تحمَّل الأطباء أعباء ثقيلة في سبيل حسن استعمال الدواء بطريقة آمنة وسليمة، وفي المقابل تحملوا المسئولية عن الفشل في استعمال الدواء المناسب للحالة المرضية، خاصة بعد كثرة الأدوية المكتشفة سنويًا والتي لم تكن معروفة للأطباء أثناء دراستهم في معاهدهم.
الأطباء ومصالح الشركات المنتجة:
    هذا وتتعارض مصالح الأطباء دومًا مع مصالح الشركات المنتجة، ففي حين يحاول الطرف الأول تأمين العلاج بتكلفة مناسبة إيمانًا بأخلاقيات المهنة والتي أقسم على الالتزام بها، نرى أن الطرف الثاني يحاول تعظيم الربح بإنتاج أدوية حديثة ليست بالضرورة أكثر فعالية ولكنها -ربما- أعلى سعرًا. ولا شك أن وجود حافز الربح يشجع الشركات على المزيد من بذل الجهد لإنتاج مثل هذه الأدوية الجديدة. وتهتم صناعة الدواء بالترويج لاستعمال الأسماء التجارية والتي تعبر عن التركيب أو الأثر؛ بينما يفضل المختصون ومنظمة الصحة العالمية الاسم العلمي؛ وذلك للسهولة والأمان ورخص الثمن. وتدافع صناعة الدواء عن وجهة نظرها أن الاسم التجاري يحمل شارة الشركة؛ وتستطيع أن تتحمل المسئولية، إضافة إلى أن هناك بعض الإضافات الحيوية والهامة وسر الصناعة الذي يمكن أن يضيف إلى فاعلية الدواء ويقلل من آثاره الجانبية. و من المؤسف أن هنالك مجالات كثيرة هامة لا تأخذ مكانها في أبحاث الشركات نظرًا لارتباطها ببعض الأمراض التي يعاني منها العالم الثالث نظرًا لضعف قدراته الشرائية، ونقص إمكانياته في المجال الصحي.
    وتولي الشركات أهمية خاصة لتسويق الدواء، وقد دلت بعض الدراسات على أن زيادة استهلاك الدواء و اختيارات المستهلك(المريض) تعود بالدرجة الأولى إلى تأثير الدعاية غير الموجهة علميًا بل تسويقيًّا بالأساس.
    ومما يدعو للأسف أن مثل هذا التسويق للدواء قد يشوبه بعض القصور الأخلاقي فمن المعروف أن بعض الأطباء في مجتمعاتنا النامية يكونون تحت تأثير شركات الأدوية حين ترسل مندوبيها محملين بالهدايا لهؤلاء الأطباء بهدف التأثير عليهم للتوصية بمنتجات هذه الشركات للمرضى؛ بغض النظر عما إذا كانت هذه الأدوية هي التي يجب أن توصف للمرضى أم لا، بل يقوم بعضها بتنظيم بعض الجولات السياحية إلى دول العالم الخارجي بدعوى حضور المؤتمرات العلمية، ومما لا شك فيه أن هذا القصور الأخلاقي يعود بالأضرار في المقام الأول على المريض، والذي لا يقتصر دور الطبيب في علاجه على إعطائه أي دواء فحسب بل إعطائه الدواء المناسب والذي يحقق أعلى فائدة علاجية ممكنة بأقل أعراض جانبية وكذلك بأقل تكلفة ممكنة.
    ومن الملفت للنظر أننا في الدول النامية نرى أن الدواء قد يوجد تحت أسماء تجارية مختلفة، فتتصارع الشركات فيما بينها لتسويق منتجاتها، وهذا يضع بالتالي الطبيب في اختبار قاسٍ حين يرى هذا الكم الهائل من الأدوية مما يجعله في حيرة من أمره، خاصة وأنه يرى أن مندوبي هذه الشركات لا هم لهم سوى إبراز محاسن أدويتهم والتقليل من شأن غيرها من الأدوية الأخرى، وهذا الصراع بين الربح المادي والوازع الأخلاقي لا يكون ضحيته مع الأسف سوى المرضى.
    ويزيد الأمر تجاوب الكثير من الأطباء مع الإعلام الذي توجهه الشركات المنتجة للدواء دون التيقن الشخصي من فاعلية الدواء وأفضليته على الأدوية القديمة، ومن المعروف أن كون الدواء قد أنتج حديثًا لا يعني على الإطلاق أنه أفضل أو أقل خطورة من الأدوية القديمة المناظرة للقديمة، بل قد يكون الدواء الحديث أغلى ثمنًا مما يُلقي عبئًا ماديًا إضافيًا على المرضى.
    لذا فمن الأهمية بمكان أن يكون الأطباء على دراية كاملة بأهمية هذه المستحضرات الجديدة. والجدير بالملاحظة أنه يجب أن تُصاغ المعلومات سواء المكتوبة أو المنقولة أثناء الندوات العلمية بطريقة تترك للطبيب حرية اختيار ما يراه الأفضل لمريضه. مع ضرورة الاهتمام بالموازنة بين سعر الدواء وتأثيره العلاجي ومدى انعكاس ذلك على اقتصاديات العلاج.
    وقد اهتمت إنجلترا -على سبيل المثال- بهذه المشكلة، فأنشأت فريق عمل طبي دوائي منذ عام 1968 وذلك للتدارس في الموضوعات التي تهم صناعة الأدوية والمهن الطبية بما في ذلك التعليم المستمر للأطباء.
    ومن الإنصاف أن يتم التوازن بين مصلحة المريض المتمثلة في إتاحة الفرصة للطبيب المعالج لاختيار أنسب أنواع الأدوية سواء من الناحية العلمية أو الناحية الاقتصادية، ومصلحة الشركات في استمرار نموها تدعيمًا للتقدم في مجال اكتشاف أدوية جديدة تساهم في توفير علاج أكثر فاعلية.
المرضى مسئولون:
    بيد أن اللوم لا يجب أن يوجه فقط للأطباء والصيادلة فمن القضايا الهامة التي يجب أن تناقش -والتي تلمس من قريب أو بعيد البعد التجاري والأخلاقي- عملية وصف الدواء، فإن هناك نسبة كبيرة من المرضى الذين يستشيرون الأطباء ولا يعانون من مرض يحتاج إلى دواء، وبعض الأطباء يتجاوبون مع المرضى ويصفون لهم الأدوية العامة غير العلاجية مثل: الفيتامينات أو المقويات، وفي ظروف أخرى قد يرتكبون خطأ وصف أدوية مهدئة أو منشطة، أو أحيانًا أقراص منومة أو المضادات الحيوية. ومن الثابت أن نسبة كبيرة من المرضى تتناول عددًا كبيرًا من الأصناف الدوائية في وقت واحد؛ مما ينعكس على تلف كثير من عبوات الدواء بسبب عدم الاستعمال المنظم والمستمر حتى إنهاء العبوة.
    و إذا كان الطبيب يلعب دورًا كبيرًا في تخفيف حدة الصراع بين النزعة التجارية والأخلاقية فيما يتعلق بالسياسة الدوائية، فإن دور الصيدلي باعتباره المصنع والموزع لا يقل بأي حال من الأحوال عن دور الطبيب فيما يتعلق بوضع السياسة الدوائية ومراقبة تنفيذها تطورها بما يساهم في خدمة المرضى.
    فالصيدلي الذي لا يهمه سوى الربح التجاري، والذي لا يتورع عن طرح بدائل باهظة الثمن على المرضى بدلاً من الأدوية ذات القيم الاقتصادية، يساهم بصورة أو بأخرى في تعميق حدة الصراع التجاري والأخلاقي فيما يتعلق بعملية تسويق الدواء.
    ولا يقتصر هذا الأمر على ما سبق، بل للأسف نجد بعض الصيادلة يقومون بتخزين بعض الأدوية والتي تكون كمية المطروح منها قليل في سوق الدواء طمعًا في تحقيق أكبر ربح مادي عن طريق صرف هذه الأدوية في الوصفات الطبية باهظة الثمن، بدلاً من صرفها لمرضى قد يحتاجونها ولا يجدونها، ولا يقتصر هذا الأمر على ذلك، بل نجد مع بالغ الأسف قلة قليلة من الصيادلة تقوم بتسهيل بيع الأدوية المهدئة والمنومة بمبالغ طائلة لبعض المدمنين طمعًا في ربح مادي؛ ضاربين عرض الحائط بجميع القيم الدينية والخلقية.
    كذلك قد نجد بعض الصيادلة ممن لا همَّ لهم إلا الحصول على أرباح مادية يطرحون بعض عبوات الدواء التي انتهت مدة وتاريخ صلاحيتها بعد مسح هذا التاريخ، بل ولا يتورع بعضهم عن بيع بعض الأدوية التي يحصلون عليها كعينات طبية.
    من هنا نرى أن كل من الصيدلي والطبيب يلعبان دورًا حيويًا في وضع السياسة الدوائية ومراقبة تنفيذها وتطويرها، ولا يمكن عمل سياسة دوائية مرنة بدون مساهمتهما، كما يجب أن تقوم النقابات المهنية بدورها الرقابي لصالح المرضى.
    ويبقى في النهاية وعي المواطن وثقافته الصحية عاملاً أساسياً في نجاح أي سياسة صحية وعلاجية، لذا كان هذا المقال للتوعية ولفت النظر لهذه القضايا

حواء وآدم

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع