English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

عندما قرر التونسيون تحرير فلسطين مشيًا على الأقدام

تونس-صلاح الدين الجورشي


ارتبطت القضية الفلسطينية بالتشكيل الحديث للعقل السياسي العربي منذ الثلث الأول لهذا القرن، لم يُستثنَ من ذلك أي شعب أو نخبة عربية، وإذا كان سقوط الخلافة العثمانية قد شكل إعلانًا عن نهاية مرحلة تاريخية سواء بالنسبة للعرب أم بالنسبة لبقية الشعوب الإسلامية فإن الفترة الفاصلة بين وعد بلفور1917 وقرار تقسيم فلسطين1947 كانت بمثابة المَحْضِن التاريخي المضطرب الذي اقترنت فيه أيدلوجية التحرر الوطني بالصراع ضد الصهيونية.

 وإذا كان من الطبيعي أن تكون الدول المتاخمة لفلسطين أكثر انخراطًا من غيرها في النضال المباشر للحد من التوسع الإسرائيلي -فإن بقية الشعوب العربية التي تقع في أطراف جغرافية الوطن العربي عاشت أيضًا بوجدانها وبكل مقومات وجودها كل مراحل هذا النزاع التاريخي، ورغم أن الأمة مُنيت في نفس الوقت بهيمنة الاستعمار من جهة، وتوطين اليهود في أرض فلسطين من جهة أخرى -فإنها تمكنت منذ وقت مبكر من الربط بين الظاهرتين، والعمل على مقاومتهما معا، وإذا كانت أثقال الواقع القطري قد طغت في أغلب المراحل، فإن  الوعي بشمولية القضية لم يغب نهائيًّا خاصة لدى الشعوب والحضارات الأخرى.

         سنحاول في حدود هذا المقال القيام برسم بياني، نتتبع من خلاله تطور التفاعل الوجداني والسياسي للجماهير التونسية ونخبتها مع القضية الفلسطينية، منذ التقسيم إلى اللحظة الراهنة، وذلك كمثال على معايشة شعوب المغرب العربي للمأساة القومية.

الوعي المبكر بالقضية

         عندما بدأت تتكشف مؤامرة سيطرة الحركة الصهيونية على الأراضي الفلسطينية، مع أواخر العشرينيات ومطالع الثلاثينيات.. كان التونسيون يخوضون معركتين متوازيتين، تجرى الأولى على الجبهة الثقافية؛ دفاعًا عن عروبة تونس وإسلامها واستقلال شخصيتها الثقافية عن فرنسا، فتم الدفاع عن اللغة العربية في وجه البديل اللغوي ممثلاً في تركيز مؤسسات وآليات الفرنسة، فهذا عثمان الكعاك يكتب متحديًّا : "إن اللغة العربية لغة شعبنا الأصلية وعنصر من أهم عناصر ذاتيته، وركن من أقوى أركان شخصيته الوطنية، ورابط من أمتن ما بين أفراده من روابط؛ ولذا فإن البحث في هذا الموضوع لا نتردد في العودة بك إليه، ما لم تحل هذه اللغة محلها الطبيعي من التعليم والإدارة بهذا القطر العربي" مجلة الباحث العدد 40 يوليه 1947.

         كما تم الدفاع عن الإسلام ضد محاولات تحقيره، والتصدي الناجح لمشاريع استكمال الحملات الصليبية من خلال عقد المؤتمر الافخارستي في تونس عام1930، وضد تشجيع التونسيين على اكتساب الجنسية الفرنسية، ولعبت جمعية الخلدونية دورًا فعالا في ترسيخ عروبة تونس، والتأكيد على انتمائها للفضاء العربي والإسلامي، يروي الشيخ محمد الفاضل بن عاشور أن النادي الأدبي للخلدونية يغتنم الفرص لإقامة الحفلات التي تشيد بروابط العروبة، وتنشر دعوتها وأشار إلى أن الحكومة كانت تضيق ذرعًا بما لذلك الاتجاه من أثر في تكوين المستقبل السياسي على الصورة التي تخشاها.

         أما المعركة الثانية الموازية للجبهة الثقافية فهي المحاولات الساعية لتأسيس تنظيمات سياسية تكون قادرة على احتضان الحركة الوطنية، والتأثير على الجماهير، والدفاع عن مصالح التونسيين والمطالبة المتدرجة بالاستقلال.

في هذا الإطار السياسي والثقافي المتسم بالدفاع عن الذات ومقاومة الاستعمار وُلد الوعي بالقضية الفلسطينية واقترن بالنضال الوطني، فليس صدفة أن يكون من بين المشاركين في المؤتمر الإسلامي الذي عُقد في القدس عام 1931، الشيخ محمد عبد العزيز الثعالبي، إلى جانب الحاج أمين الحسيني ومحمد رشيد رضا ومحمد إقبال، هذا المؤتمر الذي كان مناسبة لصياغة وإصدار الميثاق القومي العربي، الذي نص على أن البلاد العربية وحدة تامة لا تتجزأ، وكل ما يطرأ عليها من أنواع التجزئة لا تقره الأمة، ولا تعترف به، وأن يوجه الجهد في كل قطر من الأقطار العربية إلى جهة واحدة هي استقلالها التام كاملة موحدة ومقاومة لكل فكرة ترمي إلى الاقتصار على السياسات المحلية والإقليمية، ولما كان الاستعمار بجميع أشكاله وصيغه يتنافى كل التنافي مع كرامة الأمة العربية وغايتها العظمى فإن الأمة العربية ترفضه وتقاومه بكل قواها" (د.عبد الوهاب الكيالي تاريخ فلسطين الحديث المؤسسة العربية للدراسات والنشر.)

عندما انتشرت أنباء اغتصاب الأرض من قبل العصابات الصهيونية، اهتز الشارع التونسي، وتكثفت المبادرات الشعبية للتعبير عن التضامن مع القضية، ومن أهمها تأسيس اللجنة العليا للدفاع عن فلسطين العربية، ولم يكتف التونسيون بالتنديد والتظاهر وإصدار البيانات وكتابة المقالات، بل أقدم بعضهم على القيام بعمليات فدائية استهدفت مرتكزات الوجود الاستعماري ومصالح بعض المستعمرين الفرنسيين. ويذكر المؤرخ التونسي د.مصطفى كريم في كتابه "الطبقة العاملة التونسية والنضال من أجل التحرير الوطني 1939-1953" :أن القضية الفلسطينية في تونس احتلت أهمية فائقة، وحسب تقريركريم فقد اهتمت كل الأوساط الإسلامية في البلاد عن قرب بتطور الوضع في فلسطين سواء من خلال ما يصدر في الصحافة أم الإذاعة، وظهرت أهمية هذا الاهتمام من خلال تشكيل لجان الدفاع عن عروبة فلسطين، ويضيف كريم بأنه مع اندلاع الحرب ضاعف أعضاء "اللجنة العليا للدفاع عن فلسطين العربية" نشاطهم في هذه المناسبة، ونُظمت حملات دعاية ضخمة من طرف الأوساط الزيتونيين في كل أنحاء البلاد، وقد أخذت هذه الأوساط على عاتقها عقد الملتقيات وتجنيد المتطوعين.

 وقد خلقت المشكلة الفلسطينية زخمًا عظيمًا عند المواطنين وحسب الإحصائيات الرسمية غادر تونس 2616 متطوعًا متجهين إلى القاهرة حيث يتوزعون من هناك على الوحدات المقاتلة، يروي أحد المتطوعين الذين بقوا على قيد الحياة تفاصيل تلك المغامرة فقال: في ضحى يوم من أوائل شهر مايو 1948، وفي رحاب قلعة جامع الزيتونة المعمورة انعقد تجمع ضخم حضرته جموع كبيرة من الطلبة والأساتذة، وخطب فيه ثُلّة من نخبة الزيتونة وزعماء الحركة الوطنية، وكان التزاحم على أشده وصوت الخطباء يدوي ويهز القلوب هزًّا ويستحث للكفاح ضد الاستعمار الذي استباح حرمة فلسطين العزيزة، فسالت الدموع وتحركت الهمم، فلبى النداء كثير من الحضور وكنت ممن لبوا دعوة السفر إلى فلسطين، ويضيف المواطن التونسي منصور بالنور، الذي كان يومها طالبا في الزيتونة، يستعد لاجتياز شهادة التحصيل خلال وقت قصير: قمت ببيع فراشي وبُرنسي والتحقت بالإخوة الكشافين الجوالة، كان حماس التونسيين كبيرا، الجميع مع فلسطين ضد الاحتلال الصهيوني. راجع نص الشهادة في جريدة الصباح بتاريخ 25 يونيو 1998 ص6 .

كما ورد في تقرير الأمن الفرنسي توصيف لهؤلاء المتطوعين؛ فهم من الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و 25 عاما، بعضهم من العاطلين تمامًا، وبعضهم ممن يشتغلون بالخدمات اليومية، إضافة إلى عشرات من الطلبة الزيتونيين (كتاب النشاط الصهيوني بتونس بين 1897، 1948 الهادي التيمومي ص194).

يعلق عفيف البوني على ذلك المناخ التاريخي بقوله: كانت تلك الحرب في ظل تلك الظروف المناسبة الأولى والأخيرة التي سالت فيها دماء أبناء القطر التونسي بغزارة وبالالتحام القومي الرائع، إذا استثنينا ثورة التحرير في الجزائر، وكذلك المشاركة التونسية في حرب الجهاد في ليبيا عام 1911، انظر كتابه (وعي الهوية العربية في الفكر التونسي الحديث منشورات العالم العربي).

كما لعب الزيتونيون دورًا متميزًا في التعبئة العامة؛ فرغم انشغالهم الكبير بالمطالبة بإصلاح التعليم الزيتوني.. نظمت جمعية الإخوان الزيتونية مهرجانين خطابيين شعبيين بمناسبة عيدي تأسيس جامعة الدول العربية في سنتي 1947 و1948 خطب خلالهما العديد من الخطباء الذين كانوا ينتمون إلى مختلف المنظمات والأحزاب بالقطر التونسي، كما دعت هذه الجمعية التي بعثت في سنة 1945 إلى إضراب عام بمدينة تونس؛ وذلك بمناسبة إعلان مشروع تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947، وذهبت إلى حد إعداد المتطوعين للمشاركة في حرب سنة 1948 ضمن كتائب جيش الإنقاذ العربي (راجع كتاب تأريخ النظام التربوي للشعبة العصرية الزيتون1951-1965، د.علي الزيدي، ص 76، منشورات مركز البحوث في علوم الكتاب والمعلومات، تونس 1986).

يتضح مما سبق أن القضية الفلسطينية احتلت مكانة رئيسية لدى الرأي التونسي منذ انطلاقاتها، باستثناء عدد واسع من التونسيين اليهود الذين تعاطفوا مع الحركة الصهيونية العالمية التي كان لها نشاط منظم ومكثف في تونس منذ العشرينيات، ونجحت في تجنيد الكثير من أبناء الأقلية اليهودية وإرسالهم إلى المناطق الفلسطينية التي تمت السيطرة عليها، وإن كان هناك من المثقفين التونسيين من أصل يهودي من قاوموا بشدة هذا التوجه، وحاربوا الأطروحة الصهيونية؛ باعتبارها جزءًا من صراعهم ضد الإمبريالية، أما بقية القوى الوطنية فقد تفاعلت مع القضية القومية، وإن كان تفاعلها جاء متفاوتًا في عمقه وحجمه.

 لقد كان الزيتونيون في مقدمة الأوساط التي اندفعت بقوة لتجييش المشاعر وتعبئة الرأي العام، بما في ذلك التحريض على الجهاد، وتنظيم لجان التطوع، كذلك انخرط الحزب الدستوري القديم في هذا التيار بحكم أصوله الإسلامية والعربية، لكن قدرته على التعبئة كانت محدودة. أما بالنسبة للحزب الدستوري الجديد الذي كان سيد الساحة، والمتزعم الفعلي للحركة الوطنية في الجانب السياسي على الأقل؛ فقد تبنت قيادته القضية، وأصدرت المواقف ضد قرار التقسيم وشاركت المهرجانات الخطابية، لكنها بقيت حريصة على ادعاء الأولوية للمسألة الوطنية، ولم تستجب للأصوات التي ارتفعت حتى من داخل صفوف الحزب، ودعت إلى ربط مصير القضية القطرية بمصير القضية القومية، هذا التحفظ سيتبلور بصورة أكثر وضوحًا بعد الاستقلال وقيام الدولة الوطنية.

بداية الصفحة         الصفحة الرئيسية للملف

عودة

الأخبار

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

استطلاعات

دين ودعوة

القرآن والتفسير

الحديث الشريف

السيرة

الفقه وأصوله

الأخلاق والتزكية

دعوة ودعاة

الإسلام وقضايا العصر

ملفات ساخنة

..فلسطين

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع