بم يكون الإحصار؟
الإحصار الذي يصير به المحرم محصرًا يكون من العدو؛ سواء كان العدو المانع كافرًا أو مسلمًا لتحقق معنى الإحصار منهما، وهو منع المحرم عن المضي في موجب إحرامه، فيدخل تحت عموم قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ).
والإحصار من العدو محل اتفاق العلماء، وسواء كان المحرم محرمًا بحج أم عمرة أم بهما في قول أحمد بن حنبل وأبي حنيفة والشافعي. وحكي عن مالك أن الإحصار لا يكون بالنسبة لمن أحرم بعمرة؛ لأنه لا يخاف الفوات. قال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله تعالى- في "المغني" عن هذا القول المحكي عن مالك: "ليس بصحيح لأن الآية: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) نزلت في حصر الحديبية وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه محرمين بعمرة فحلوا جميعًا".
أما إذا كان الإحصار بسبب المرض أو ضياع نفقة الحج، أو الحبس أو نحو ذلك من الموانع فقد اختلف الفقهاء في اعتبار تحقق الإحصار بهذه الموانع؛ فالمشهور في مذهب الحنابلة أن من يتعذَّر عليه الوصول إلى الكعبة المشرفة بغير حصر العدو من مرض أو عرج أو ذهاب نفقة ونحو ذلك: أنه لا يعتبر محصرًا، ولا يثبت في حقه حكم الإحصار، وهو التحلل من الإحرام، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق.
وعن الإمام أحمد رواية أخرى أنه يعتبر إحصارًا، ويصير به محصرًا، وله التحلل بذلك، وهو قول عطاء والنخعي والثوري والحنفية وأبي ثور.
والحجة لهذا القول: (أولاً): عموم قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ). والإحصار هو المنع، والمنع كما يكون من العدو يكون من المرض ونحوه. (ثانيًا): إنما يصير المحرم محصرًا من العدو، وما يترتب على ذلك من جواز التحلل له لمعنى هو موجود في المرض وغيره، وهو الحاجة إلى الترفيه والتيسير لما يلحقه من الضرر والمشقة والحرج بإبقائه محرمًا مدة مديدة، والحاجة إلى الترفيه والتيسير متحققة في المرض ونحوه، فيتحقق به الإحصار، ويثبت حكمه في حق المحرم، بل هو أولى بثبوت هذا الحكم، وهو التحلل؛ لأنه قد يمكنه دفع شر العدو بالقتال، فيدفع الإحصار عن نفسه، ولا يمكنه دفع المرض عن نفسه، فإذا اعتبر الإحصار بالعدو عذرًا، فاعتبار الإحصار بالمرض عذرًا أولى.
المرأة المحرمة تصير محصرة بموت زوجها المحرم منها:
إذا أحرمت المرأة ومعها زوجها أو معها محرم، فمات الزوج أو المحرم فإنها تعتبر محصرة؛ لأنها ممنوعة شرعًا من المضي في موجب الإحرام -أي الحج أو العمرة- بلا زوج ولا محرم من أقاربها عند عدم الزوج. وكذلك إذا أحرمت بحجة التطوع ولها محرم من أقاربها وزوج، فمنعها زوجها من الحج تصير محصرة؛ لأن للزوج أن يمنعها من حجة التطوع، كما أن له أن يمنعها من صوم التطوع، فصارت بمنع الزوج ممنوعة شرعًا، فصارت محصرة كالممنوع حقيقة بالعدو ونحوه.
وإن أحرمت المرأة بحجة الإسلام ولا محرم لها ولا زوج، فهي محصرة لأنها ممنوعة عن المضي في موجب الإحرام لحق الله -تعالى- وهذا المنع أقوى من منع العباد. ولكن لو كان لها محرم، ولها استطاعة على نفقته ونفقتها للحج عند خروج أهل بلدها للحج، فلا تكون محصرة ولو منعها زوجها؛ لأنه ليس له منعها من فريضة الحج، كما ليس له منعها من الفرائض كالصلوات المكتوبة وصيام رمضان.
حكم الإحصار:
يتعلق بالإحصار جواز التحلل من الإحرام، وقضاء ما أحرم به بعد التحلل، وهذان الأمران هما حكم الإحصار، ونتكلم عن كل واحد منهما بإيجاز:
أولاً: حواز التحلل من الإحرام:
ودليل هذا الجواز قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)، وفيه إضمار، ومعناه -والله أعلم- فإن أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة، وأردتم أن تحلوا -أي تتحللوا من إحرامكم- فاذبحوا ما استيسر من الهدي. والتحلل هو فسخ الإحرام والخروج منه بالطريق الموضوع له شرعًا.
وعلى من تحلل من إحرامه بسبب الإحصار: ذبح الهدي في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك: ليس عليه هدي؛ لأنه تحلل أبيح له من غير تفريط منه. وقد رد ابن قدامة الحنبلي على هذا القول المحكي عن مالك، فقال: "وليس بصحيح -أي قول مالك المحكي عنه، لأن الله -تعالى- قال: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ).
وإذا قدر المحصر على الهدي فليس له الحل قبل ذبحه، فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه، وإن لم يكن معه لزمه شراؤه إن أمكنه الشراء، ويجزيه في ذلك شاة أو سبع بدنة، وله أن يذبحه في موضع حصره في أرض الحل أو أرض الحرم نص عليه أحمد، وهو قول مالك، والشافعي؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحر هديه في موضعه.
وعن أحمد: ليس للمحصر نحر هديه إلا في أرض الحرم فيبعثه إلى هناك ويواطئ رجلاً على نحره في وقت يتحلل فيه، وهذا قول الحنفية فقد قالوا: يبعث بالهدي إلى الحرمين أو يبعث بثمنه ليشترى له به هديًا فيذبح عنه، وما لم يذبح لا يتحلل من إحرامه.
ومتى كان المحصر محرمًا بعمرة فله التحلل ونحر هديه وقت حصره؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه زمن الحديبية حلوا ونحروا هداياهم بها -أي في الحديبية- قبل يوم النحر.
وإن كان المحصر محرمًا بحج مفردًا أو قارنًا فكذلك يفعل في إحدى الروايتين عن أحمد وهو قول أبي حنيفة. وفي الرواية الثانية عن أحمد: لا يحل ولا ينحر هديه إلا يوم النحر -أي يوم العاشر من ذي الحجة، وهو اليوم الأول من عيد الأضحى-، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وإذا زال الحصر عن المحصر قبل تحلله فعليه أن يمضي لإتمام عمرته أو حجه، ولا خلاف في ذلك، وإن زال الحصر بعد فوات الحج وكان محرمًا بالحج تحلل بعمل عمرة.
فإن لم يكن مع المحصر هدي ولا يقدر على تحصيله بشراء أو بغير شراء، فعليه صيام عشرة أيام، ثم يحل من إحرامه، وليس له أن يتحلل إلا بعد الصيام، وهذا مذهب الحنابلة.
وقال الشافعية: إن لم يجد الهدي بأن لم يكن معه، ولم يجد ثمنه أو كان محتاجًا إلى ثمنه، أو كان يباع بأكثر من ثمن مثله في محله فالأظهر أن له بدلاً، وهو طعام بقيمة الشاة (الهدي) يوزعه على الفقراء، فإن عجز عن الطعام صام حيث شاء عن كل مدِّ طعامٍ صيام يوم. والقول الثاني عند الشافعية: البدل عن الهدي هو صيام عشرة أيام. وله إذا انتقل إلى الصوم التحلل في الحال في الأظهر؛ لأن التحلل إنما شرع لدفع المشقة، فلو قلنا بعدم التحلل إلا بعد الصيام فإن المشقة تلحقه لتضرره بالمقام على إحرامه.
الاشتراط عند الإحرام وأثره عند الإحصار:
ولو اشترط في ابتداء إحرامه أنه يحل من إحرامه متى مرض، أو ضاعت نفقته للحج، أو نفدت أو قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني. فهذا الاشتراط له أثره عند إحصاره؛ إذ يجوز له التحلل من إحرامه إذا أصابه إحصار بعدو أو بغيره من الموانع، ولا شيء عليه لا هدي ولا قضاء ولا غيره.
وحكم التحلل من الإحرام بسبب الإحصار صيرورته حلالاً يباح له تناول جميع ما حظره الإحرام لزوال الحاظر -المانع- فيعود حلالاً كما كان قبل الإحرام
عـودة
|
|