فقه الحج
2 - ما يُحْرِم به
أنواع ما يحرم به:
ما يحرم به في الأصل ثلاثة أنواع: الحج وحده، والعمرة وحدها، والعمرة مع الحج. وعلى حسب تنوع ما يحرم به يتنوع المحرمون، وهم في الأصل ثلاثة أنواع: مفرد بالحج، ومفرد بالعمرة، وجامع بينهما. فالمفرد بالحج هو الذي يحرم بالحج لا غير. والمفرد بالعمرة هو الذي يحرم بالعمرة لا غير. وأما الجامع بينهما فنوعان: قارن، ومتمتع.
ومما تقدم يعرف أن أنواع ما يحرم به هي: الإفراد، والقران، والتمتع.
ومن يحمر بهما يسمى على التوالي: المفرد، والقارن، والمتمتع.
ونبين فيما يلي المقصود بكل منهم:
أولاً: المفرد:
وهو الذي يحرم بالحج لا غير، أو يحرم بالعمرة لا غير. والإحرام بالحج وحده -أي الإفراد بالحج- مشروع، وإنما اختلف العلماء في درجة أفضليته بالنسبة للنوعين الآخرين: القران والتمتع، كما سنبينه فيما بعد.
ثانيًا: القران:
القارن في عرف الشرع اسم لمن يجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج قبل قيامه بركن العمرة وهو الطواف، فيأتي بالعمرة أولاً، ثم يأتي بالحج قبل أن يحل من العمرة بالحلق أو التقصير، سواء جمع بين الإحرامين بكلام موصول أو مفصول، حتى لو أحرم بالعمرة ثم أحرم بعد ذلك بالحج قبل الطواف للعمرة، كان قارنًا لوجود معنى القران، وهو الجمع بين الإحرامين.
ثالثًا: التمتع:
وأما المتمتع فهو في عرف الشرع اسم لمن يحرم بالعمرة، ويأتي بأفعالها من الطواف والسعي في أشهر الحج، ثم يحرم بالحج في أشهر الحج، ويحج من عامه ذلك، سواء حل من إحرام العمرة بالحلق أو التقصير -إذا لم يكن قد ساق الهدي لمتعته- أو لم يحل لكونه ساق الهدي لمتعته.
وقال الشافعي: سوق الهدي لا يمنع من التحلل من العمرة. فصار المتمتع نوعين: متمتع ساق الهدي، ومتمتع لم يسق الهدي، فالذي لم يسق الهدي يجوز له التحلل من عمرته بلا خلاف، وإذا تحلل صار حلالاً كسائر المتحللين إلى أن يحرم بالحج، وأما الذي ساق الهدي فإنه لا يحل له التحلل إلا يوم النحر بعد الفراغ من الحج، وهذا عند الحنفية والحنابلة ومن وافقهم. وعند الشافعي ومالك ومن وافقهما: يجوز له التحلل؛ لأن سوق الهدي لا يمنع من ذلك.
الأفضل من هذه الأنواع الثلاثة:
أما الأفضل من الأنواع الثلاثة -مع جوازها باتفاق العلماء- فهو التمتع ويليه الإفراد ثم القران، وهذا عند الإمام أحمد ومن روي عنه اختيار التمتع واعتباره هو الأفضل: ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة والحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد والقاسم وسالم وعكرمة.
وعند الشافعية على الصحيح من مذهبهم: الأفضل هو الإفراد، ثم التمتع، ثم القران.
وعند الحنفية: القران أفضل، ثم التمتع، فالإفراد.
شروط وجوب الهدي:
يشترط لوجوب الهدي على المتمتع جملة شروط هي:
(أولاً): أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
(الثاني): أن يحج من عامه الذي أحرم فيه لعمرته.
(الثالث): أن لا يسافر بين العمرة والحج سفرًا بعيدًا تقصر فيه الصلاة.
(الرابع): أن يحل من إحرامه العمرة قبل إحرامه بالحج.
(الخامس): أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، وهم أهل الحرم، ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر، نص عليه أحمد، وروي ذلك عن عطاء وبه قال الشافعي. وقال مالك: هم أهل مكة. وقال الحنفية: هم من كانت منازلهم دون الميقات.
المتمتعة إذا حاضت ماذا تفعل؟
المرأة إذا دخلت مكة متمتعة -أي محرمة بإحرام العمرة- فحاضت أو نفست قبل الطواف للعمرة، لم يجز لها أن تطوف بالبيت؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، ولا صلاة على الحائض أو النفساء، ولأنها ممنوعة من دخول المسجد، ولا يمكنها أن تحل من عمرتها ما لم تطف بالبيت. ولكن إن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها وتصير قارنة، وهذا مذهب الحنابلة، وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وكثير من أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: ترفض العمرة وتهل بالحج. واحتج أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- بما روي عن عائشة قالت: أهللنا بعمرة فقدمت إلى مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت، ولم أسع بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج، ودعي العمرة". قالت عائشة: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم -مكان قريب من مكة وهو خارج أرض الحرم- فاعتمرت معه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "هذه عمرة مكان عمرتك". وهذا الحديث يدل على أنها رفضت عمرتها -أي تركت وتخلت عن عمرتها-، وأحرمت بحج من وجوه ثلاثة: (الأول): قوله -صلى الله عليه وسلم- "دعي عمرتك"، (الثاني): قوله: "وامتشطي"، (الثالث): قوله: "وهذه عمرة مكان عمرتك".
والحجة لقول الجمهور حديث جابر، وفيه: "وأقبلت عائشة -رضي الله عنها- بعمرة حتى إذا كنا بسرف عركت -أي حاضت- حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، ثم دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم -على عائشة -رضي الله عنها- فوجدها تبكي، فقال: "ما شأنك؟" قالت: شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال -صلى الله عليه وسلم-: "هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلِّي بالحج"، ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طفت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا". فقال عائشة: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال -صلى الله عليه وسلم-: "فاذهب بها يا عبد الرحمن -عبد الرحمن بن أبي بكر- فاعمرها من التنعيم". وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في "صحيحه". وروى الإمام مسلم أيضًا عن طاووس عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها أهلت بعمرة فقدمت -أي إلى مكة- ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها، وقد أهلَّت بالحج، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج.
وهذان الحديثان يدلان على ما ذهب إليه الجمهور، ولأن إدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية فوات الحج، فمع خشية الفوات أولى. وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة، ومع إمكان الحج مع بقاء العمرة لا يجوز رفضها لقول الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله}. ولأن الحائض متمكنة من إتمام عمرتها بلا ضرر فلم يجز رفضها كغير الحائض. ويحتمل أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: "دعي العمرة" أي دعيها بحالها وأهلي بالحج معها، أو دعي أفعال العمرة فإنها تدخل في أفعال الحج.
وأما اعتمار عائشة -رضي الله عنها- من التنعيم ورغبتها في ذلك مع قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لها: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، فإنها -رضي الله عنها- أرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة غير مندرجة في أفعال الحج، قال لها النبي- صلى الله عليه وسلم- كما جاء في بعض روايات الحديث: "هذه مكان عمرتك"، أي التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة بأفعال الحج فمنعك الحيض من ذلك. وهكذا يقال في معنى قولها: يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج، أي: يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة، وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة. وإنما حرصت السيدة عائشة -رضي الله عنها- على ذلك لتكثر أفعالها، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يوافق عائشة -رضي الله عنها- فيما تحبه وتهواه فيما هو جائز، فقد روى الإمام مسلم عن جابر في بعض روايات هذا الحديث -حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم- ومعه زوجته عائشة -رضي الله عنها- وأصحابه الكرام، والذي رويناه من قبل -قول جابر-: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سهلاً إذا هويت -أي عائشة- الشيء تابعها عليه، فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر، فأهلت بعمرة من التنعيم.
قال الإمام النووي في تعليقه على قول جابر هذا: معناه إذا هويت عائشة لا نقص فيه في الدين، مثل طلبها الاعتمار وغيره، أجابها إليه. وقول جابر: وكان -صلى الله عليه وسلم- سهلاً، أي: سهل الخلق، كريم الشمائل، لطيفًا ميسرًا في الخلق، كما قال الله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم}، وفيه دلالة على حسن معاشرة الأزواج، قال الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} لا سيما فيما كان من باب الطاعة.
وأما الحديث الذي احتج به الأحناف وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "انقضي رأسك وامتشطي"، فالحديث صحيح رواه الإمام مسلم، ولكن ليس في هذه العبارة ما يلزم أو يدل على إبطال العمرة، قال الإمام النووي في تعليقه على هذه العبارة: فلا يلزم منه إبطال العمرة؛ لأن نقض الرأس والامتشاط جائزان عندنا في الإحرام بحيث لا ينتف شعرًا، ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأول العلماء فعل عائشة -رضي الله عنها- على أنها كانت معذورة، بأن كان في رأسها أذى، فأباح لها الامتشاط. وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحج، لا سيما إن كانت قد لبدت رأسها كما هو المندوب، وكما فعله -صلى الله عليه وسلم- فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها ويلزم من هذا نقضه. والراجح قول الجمهور لما احتجوا به

عـودة


من نحن | اقتراحات | اتصل بنا | سجل الزائرين | صفحة الحج | الصفحة الرئيسية