| 6 |
- |
محظورات الإحرام من التصرفات القولية والفعلية:
|
أولاً: نكاح المحرم والمحرمة:
عن أبان بن عثمان -رضي الله عنهما- قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا يَنكِح المحرم ولا يُنكِح ولا يَخطِب"، وقوله: "لا يَنكِح المحرم" هو بفتح الياء وكسر الكاف، أي: لا يعقد النكاح لغيره بولاية أو بوكالة، وقوله: "لا يَخطِب" من الخِطبة بكسر الخاء، أي لا يطلب امرأة للتزوج بها.
وقد أفاد الحديث الشريف أنه يحرم أن يتزوج المحرم أو يزوج غيره، وهذا مذهب الجمهور ومنهم الشافعية، والحنابلة، والظاهرية، والأوزاعي، وغيرهم، وحجتهم هذا الحديث الشريف، فمن أقوالهم المبنية على هذا الحديث الشريف ما جاء في "المجموع" في فقه الشافعية: فيحرم على المحرم أن يتزوج، ويحرم عليه أن يزوج موليته بالولاية الخاصة وهي العصوبة والولاء، فإن كان الزوج أو الزوجة أو الولي أو وكيل الزوج أو وكيل الولي محرمًا فالنكاح باطل بلا خلاف -أي بلا خلاف عند الشافعية-؛ لأنه منهي عنه لهذا الحديث الصحيح.
وفي "المغني" لابن قدامة الحنبلي: ولا يتزوج المحرم أي لا يقبل النكاح لنفسه، ولا يزوج أي لا يكون وليًا في النكاح، ولا وكيلاً فيه ولا يجوز تجويز المحرمة أيضًا.
وأجاز نكاح المحرم ابن عباس، وهو مذهب أبي حنيفة لما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو محرم. وبأن النكاح عقد يفيد ملك الاستمتاع فلا يحرمه إلا حرام كشراء الإماء.
الرد على الحنفية:
وقد رد على احتجاج الحنفية من وجوه عديدة:
(الوجه الأول): عن أبي رافع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة حلالاً -أي غير محرم- وبنى بها -أي زُفَّت إليه- وكنت الرسول بينهما. وفي رواية يزيد بن الأصم عن ميمونة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوجها وهو حلال. فرواية ميمونة -رضي الله عنها- وهي التي تزوجها النبي -صلى الله عليه وسلم- ورواية أبي رافع وهو السفير في هذا الزوج أولى من رواية ابن عباس، ولهذا روى أبو داود أن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في قوله: تزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- ميمونة وهو محرم.
(الوجه الثاني): يمكن حمل قول ابن عباس في روايته "وهو محرم" أي تزوجها -صلى الله عليه- في الشهر الحرام أو في البلد الحرام.
(الوجه الثالث): وقيل في معنى الحديث، حديث ابن عباس: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوجها وهو حلال غير محرم ثم أظهر أمر زواجه بها وهو محرم.
(الوجه الرابع): لو صح الحديثان، حديث ابن عباس، والحديث الذي احتج به الجمهور وهو: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب"، كان تقديم حديث الجمهور أولى؛ لأنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- وحديث ابن عباس يخبر عن فعله -صلى الله عليه وسلم- والقول آكد؛ لأن فعله -صلى الله عليه وسلم- يحتمل أن يكون مختصًا به.
(الوجه الخامس): عقد النكاح يخالف شراء الأمة، فإن النكاح يحرم في عدة المرأة، وفي حالة اختلاف الدين بينها وبين من يريد نكاحها، وفي كون المنكوحة أختًا له من الرضاع، ويعتبر له شروط غير معتبرة في شراء الإماء.
الزفاف في حالة الإحرام:
قال بعض الشافعية: يجوز أن تزف إلى المحرم امرأة عقد عليها عقد النكاح قبل الإحرام، كما يجوز أن تزف إليه المحرمة إذا كان قد عقد عليها عقد النكاح قبل إحرامه وقيل إحرامها.
ثانيًا: الوكالة بالنكاح:
إذا وكل حلال حلالاً -غير محرم- في التزويج، ثم أحرم أحدهما أو أحرمت المرأة المراد نكاحها لا ينعزل الوكيل، ولكن يزوج بعد التحلل من الإحرام بالوكالة السابقة، أما إذا وكله في حال إحرام الوكيل أو الموكل أو المرأة فينظر: فإذا كان قد وكله ليعقد له النكاح في الإحرام لم يصح بلا خلاف عند الشافعية؛ لأنه إنما أذن له فيما لا يصح منه، وإن قال: أتزوج لبعد التحلل من الإحرام، أو أطلق وكالته ولم يصرح بشيء صح توكيله؛ لأن الإحرام يمنع انعقاد النكاح دون الإذن بالنكاح عن طريق الوكالة.
اختلاف الزوجين في انعقاد النكاح في حالة الإحرام:
إذا تزوج بنفسه أو عن طريق وكيله، ثم أحرم الزوج، ثم اختلف الزوجان هل كان النكاح في حال الإحرام أم قبله، ينظر: إن كانت هناك بينة شرعية لأحدهما وجب العمل بمقتضاها، وإن لم يكن لأحدهما بينة شرعية مقبولة فادعى الزوج أن النكاح انعقد قبل الإحرام، وادعت الزوجة وقوعه في الإحرام فالقول قول الرجل الزوج بيمنه؛ لأن الظاهر معه وهو ظاهر قوي فوجب تقديمه، وإن ادعت الزوجة وقوع النكاح قبل الإحرام، وادعى الزوج وقوعه في حالة الإحرام فالقول قولها بيمينها في وجوب المهر وسائر مؤن النكاح، ويحكم بانفساخ النكاح لإقرار الزوج بتحريمها عليه لادعائه وقوع النكاح في الإحرام، فإن كان ذلك قبل الدخول وجب نصف المهر، وإلا فجميع المهر إن كان بعد الدخول.
شك الزوجين في وقوع النكاح في حالة الإحرام:
إذا شك الزوج هل وقع النكاح في حالة الإحرام أم قبله، ولم يدع أحدهما شيئًا، فقد قال الشافعي -رحمه الله-: النكاح صحيح في الظاهر، فلهما البقاء عليه؛ لأن الظاهر صحته، ولكن الورع أن يفارقها بطلقة واحدة؛ لاحتمال وقوع النكاح في حالة الإحرام.
حكم زواج المحرم أو المحرمة:
ومتى تزوج المحرم أو زوج غيره، أو زوجت محرمة فالنكاح باطل، سواء كان الجميع محرمين أو بعضهم؛ لأنه نكاح منهي عنه، فلم يصح كنكاح المرأة على عمتها أو خالتها، ويفسخ هذا النكاح لبطلانه، وبهذا صرح الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والظاهرية، والزيدية، هذا وإن الإحرام الفاسد كالإحرام الصحيح في فساد النكاح وبطلانه إذا وقع النكاح فيه، وفي منع سائر محظورات الإحرام، ومتى تزوج المحرم أو زوج أو زوجت محرمة، لم يجب بذلك فدية -جزاء-؛ لأنه عقد فسد لأجل الإحرام فلم تجب فيه فدية كشراء الصيد، وبهذا صرح الحنابلة.
ثالثا: الخطبة للمحرم أو للمحرمة:
عند الشافعية، والحنابلة، والزيدية، والظاهرية: تكره الخطبة للمحرم كما تكره خطبة المرأة المحرمة من قبل غير المحرم ليتزوجها بعد تحللها من إحرامها، ويكره أن يخطب المحرم لغيره من المحلين -أي غير المحرمين- للحديث الشريف الذي ذكرناه وهو: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب"؛ ولأن الخطبة في حالة الإحرام قد تفضي إلى المحظور وهو عقد النكاح في حالة الإحرام، فأشبهت الإشارة إلى الصيد في الإحرام وهي -أي الإشارة- ممنوعة، فكذا الخطبة، ولكن لو خطب في حالة الإحرام وعقد النكاح وهو حلال صح النكاح ولم يفسد.
شهادة المحرم أو المحرمة على النكاح:
ويكره للمحرم أو المحرمة أن يشهدا النكاح ويكونا من الشهود عليه؛ لأن الشهادة في النكاح معاونة عليه فأشبهت الخطبة، ولكن إن شهد المحرم لم يفسد النكاح وهذا مذهب الحنابلة، والصحيح في مذهب الشافعية إذ عندهم قول مرجوح أن النكاح لا ينعقد بشهادة شهود محرمين بحجة لورود لفظ: "ولا يشهد" في إحدى روايات الحديث الشريف: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب".
رابعًا: رجعة المحرم لزوجته:
عند الشافعية، والمالكية، والظاهرية يجوز للمحرم أن يراجع زوجته المحرمة أو غير المحرمة، سواء أطلقها في حالة الإحرام أم قبله؛ لأن الرجعة كاستدامة النكاح بدليل أنها تصح من غير ولي ولا شهود، فلم يمنع الإحرام منها كالبقاء على النكاح.
وفي المذهب الحنبلي في رجعة المحرم لزوجته إذا طلقها طلاقًا رجعيًا روايتان عن أحمد:
الرواية الأولى: أن الرجعة لا تباح له؛ لأنها استباحة فرج مقصود بعقد النكاح، فلا تباح للمحرم كما يباح له عقد النكاح.
الرواية الثانية: تباح له الرجعة، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، وهو قول أكثر أهل العلم، كما قال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله تعالى- واستدل له ابن قدامة بأن المطلقة طلاقًا رجعيًا هي زوجة المطلق ما دامت في عدتها، والرجعة تكيف بأنها إمساك بدليل قوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف} فأبيح ذلك للمحرم كالإمساك قبل الطلاق، والقول بأن الرجعة استباحة قول غير سديد؛ لأن المطلقة طلاقًا رجعيًا مباحة لزوجها ما دامت في العدة؛ لأنها لا تزال زوجته، ومراجعتها من قبله في عدتها لا يسمى نكاحًا؛ لأنها امرأته كما قلنا، ولهذا ترثه ويرثها إذا مات أحدهما وهي في العدة.
خامسًا: الفسوق والجدال:
قال الله تعالى: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}( البقرة : الآية197)
والرفث: الجماع، وهو محظور في الإحرام، وأما الفسوق فيعني جميع المعاصي كلها قاله ابن عباس، وعطاء، والحسن، وكذلك قال ابن عمر: الفسوق: إتيان معاصي الله -عز وجل- في حالة الإحرام كقتل الصيد وقص الظفر، وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب ومنه قوله تعالى: {ولا تنابرزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} وقال ابن عمر أيضًا: الفسوق: السباب، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
والجدال: المماراة والخصام، فيحظر على المحرم أن يماري مسلمًا حتى يغضبه فينتهي إلى السباب.
والنكتة في منع هذه الأشياء تعظيم شأن الحرم بتعظيم أمر الإثم فيه؛ لأن الأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان؛ وعلى هذا فيحظر على المحرم والمحرمة الابتعاد عما تضمنته الآية الكريمة من الرفث والفسوق والجدال؛ لأنه بإحرامه يكون قد تلبس بعبادة لله تعالى، فلا يتفق معها إتيان هذه الأشياء.
ما يباح للمحرم والمحرمة من التصرفات القولية:
للمحرم والمحرمة مباشرة سائر التصرفات القولية من بيع وشراء، وهبة واتهاب، ووكالة ونحو ذلك؛ لأنه لا يوجد مانع شرعي من ذلك سوى ما ذكرناه في النكاح وما يتعلق به، وما أفادته الآية الكريمة: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}.
قال الإمام الخرقي الحنبلي: وللمحرم أن يتجرد ويصنع الصنائع، وقال ابن قدامة الحنبلي تعليقًا على قول الخرقي: أما التجارة والصناعة فلا نعلم في إباحتهما اختلافًا، وقد روى ابن عباس قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزل قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم} أي في موسم الحج
عـودة
|
|