فقه الحج
5 - محظورات الحرم
محظورات الحرم نوعان: (الأول): نوع يرجع إلى الصيد، و(الثاني): نوع يرجع إلى النبات، ونتكلم عن كل نوع فيما يلي:
النوع الأول: ما يرجع إلى صيد الحرم والجزاء فيه:
لا يحل للمحرم والحلال (غير المحرم) قتل صيد الحرم إلا المؤذيات المبتدئة بالأذى غالبًا، والأصل في ذلك قوله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرمًا آمنًا} والحرم الآمن هو مكة. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}، وهذا الحكم في هذه الآية الكريمة يشمل صيد الإحرام وصيد الحرم جميعًا؛ لأنه يقال: أحرم إذا دخل في الإحرام، كما يقال: أحرم، إذا دخل في الحرم.
وقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطه إلا من عرفها". ورواه الإمام مسلم ولفظه: عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح- فتح مكة-:" لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا"، وقال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح -فتح مكة-: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطه إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها"، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الأذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال-صلى الله عليه وسلم-: "إلا الأذخر". وفي رواية لأبي داود لهذا الحديث: "لا يعضد شجرها".
ويفهم من هذا الحديث الشريف أنه لا يجوز لمحرم أو حلال أن يعضد شجرها -أي يقطعه- ولا ينفر صيدها -أي لا يجوز أن يتعرض له أحد بالاصطياد أو الإيهاج-، إلا الأذخر، حيث يجوز قطعه وأخذه، وهو نبات عريض الأوراق طيب الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب، وكما لا يجوز قطع الشجر لا يجوز قطع النبات الرقيق ما دام رطبًا، وهذا هو معنى "ولا يختلى خلاها" فاختلاؤه يعني قطعه، وإذا يبس فهو حشيش.
وعلى هذا فإذا قتل محرم أو حلال -غير محرم- صيد الحرم فعليه الجزاء لقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم}، وجزاؤه هو جزاء قاتل صيد الإحرام -أي جزاء المحرم إذا قتل صيدًا على النحو الذي فصلناه من قبل- أما جزاء من يقطع شجر الحرم ونباته فهو ما نبينه في الفقرة التالية:
النوع الثاني من محظورات الحرم: ما يرجع إلى النبات:
أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم، كما أجمعوا على إباحة قطع الأذخر للحديث الشريف الذي ذكرناه في الفقرة السابقة.
وكذلك أباح العلماء قطع ما ينبته الآدمي من البقول والزروع والرياحين، أما ما أنبته الآدمي من الشجر، فقد قال أبو الخطاب، وابن عقيل، من فقهاء الحنابلة: له أن يقلعه من غير جزاء كالزرع.
وقال الشافعي في شجر الحرم: الجزاء في قلعه في كل حال سواء أنبته آدمي أو نبت بنفسه لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يعضد شجرها"؛ ولأنها شجرة نابتة في الحرم أشبهت ما لم ينبته الآدمي.
وقال الحنفية: كل ما نبت بنفسه مما لا ينبته الناس عادة وهو رطب، فهو محظور القطع والقلع على المحرم والحلال جميعًا مثل الحشيش الرطب، والشجر الرطب إلا الأذخر. وإنما استوى المحرم والحلال في حرمة التعرض لشجر الحرم؛ لأن هذا التحريم لأجل الحرم لا لأجل الإحرام، وإن كان مما ينبته الناس عادة من الزروع والأشجار التي ينبتونها فلا بأس بقطعه أو قلعه لإجماع الأمة على ذلك، فإن الناس من عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا يزرعون في الحرم ويحصدونه من غير نكير من أحد.
ولا بأس بقطع الشجر اليابس، والحشيش اليابس والانتفاع بهما؛ لأنه بهذا اليبس قد مات الشجر والحشيش، وخرجا عن حد النمو، فجاز قطعهما، وإن كانا من شجر الحرم ونباته، وبهذا صرح الحنابلة والحنفية.
الجزاء في قطع أو قلع الشجر والنبات:
قال الحنابلة: يضمن -أي يجب عليه الجزاء- من يتلف الشجرة الكبيرة ببقرة، ومن يتلف الشجرة الصغيرة بشاة، ومن يتلف الحشيش بقيمته، وبهذا قال الشافعي.
وقال الحنفية: يضمن الكل بقيمته فإن شاء اشترى بهذه القيمة طعامًا وتصدق به على الفقراء: لكل فقير نصف صاع من بر، وإن شاء اشترى بها هديًا -شاة- إن بلغت قيمته هديًا.
المرأة كالرجل في حكم صيد الحرم ونباته:
وما قلناه من أحكام صيد الحرم ونباته، يسري على المرأة كما يسري على الرجل في حال الإحرام وفي غير حال الإحرام، لا سيما وأن تحريم التعرض لصيد الحرم ونباته هو لأجل حرمة المكان -أي حرمة الحرم وليس لحرمة الإحرام- ولذلك يسري هذا التحريم على المحرم وغير المحرم، وعلى هذا فإن حرمة المكان مطلوب احترامها بعدم التعرض لصيده ونباته، من قبل المرأة كما هو مطلوب هذا الاحترام من قبل الرجل.
تحريم صيد المدينة المنورة وقطع شجرها:
أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها". وفي رواية أخرى: "ولا يقتل صيدها". فهذا الحديث الشريف وغيره في معناه حجة ظاهرة لمذهب الحنابلة، ومالك، والشافعي في تحريم صيد المدينة المنورة وقطع شجرها.
الجزاء في قتل صيد المدينة وقطع شجرها: ومن فعل شيئًا مما حرم عليه في حرم المدينة المنورة مثل قتل صيدها أو قطع شجرها، فهل يجب عليه جزاء؟
قال ابن قدامة الحنبلي في الجواب، فيه روايتان:
إحداهما: لا جزاء فيه، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو قول مالك، والشافعي في آخر قوليه؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يجب فيه جزاء.
والثاني: يجب فيه الجزاء، روي ذلك عن ابن أبي ذئب وهو قول الشافعي في القديم، وابن المنذر؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إني أحرم المدينة، مثلما حرم إبراهيم مكة". ونهى أن يعضد شجرها ويؤخذ صيدها، فوجب في هذا الحرم الجزاء كما وجب في ذلك إذا لم يظهر بينهما فرق.
الفرق بين حرم المدينة وحرم مكة:
يفارق حرم المدينة حرم مكة في شيئين:
(أحدهما): أنه يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند ونحوها، ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف.
(والثاني): أن من صاد صيدًا خارج المدينة ثم أدخله إليها لم يلزمه إرساله، نص عليه أحمد؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: "يا أبا عمير ما فعل النقير" وهو طائر صغير، فظاهر هذا أنه أباح إمساكه بالمدينة إذ لم ينكر ذلك، وحرمة مكة أعظم من حرمة المدينة بدليل أنه لا يدخلها إلا محرم

عـودة


من نحن | اقتراحات | اتصل بنا | سجل الزائرين | صفحة الحج | الصفحة الرئيسية