فقه الحج
4 - محظورات الإحرام المتعلقة بالصيد، وما يجب فيها
تمهيد:
أجمعت الأمة على تحريم الصيد في الإحرام، وإن اختلفوا في فروع منه، فلا يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول، وغير المأكول اللحم إلا المؤذي المبتدئ بالأذى غالبًا. فلا بد من بيان المقصود بالصيد الذي يحرم اصطياده ويحرم قتله، ثم بيان أنواعه، وبيان ما يحل اصطياده للمحرم، وما يحرم عليه اصطياده، وبيان حكم ما يحرم عليه اصطياده إذا اصطاده أو ذبحه إلى غير ذلك مما لا علاقة بموضوعنا.
المقصود بالصيد:
الصيد بمعنى الحيوان المصيد، هو الحيوان المباح المتوحش الممتنع من الناس في أصل الخلقة، إما بقوائمه أو بجناحه. فلا يحرم على المحرم ذبح الإبل والبقر والغنم؛ لأنها ليست بصيد لعدم التوحش والامتناع من الناس، وكذلك الدجاج ونحو ذلك. ولا بأس بقتل البرغوث والبعوض والذباب والزنبور؛ لأنها ليست بصيد لانعدام التوحش والامتناع، ألا ترى أنها تطلب الإنسان مع امتناعه منها؛ ولأن هذه المخلوقات من المؤذيات المبتدئة بالأذى غالبًا فالتحقت بالمؤذيات المنصوص على جواز قتلها كالحية والعقرب. ولا بأس بقتل الفأرة والحية والعقرب والخنافس، ولا شيء على المحرم في قتلها؛ لأنها لا يصدق عليها معنى الصيد الممنوع على المحرم قتله.
فإن كان الحيوان مملوكًا للغير وصاده المحرم، وجب عليه رده إلى مالكه لأنه ليس بصيد؛ لأن المملوك للغير لا يكون صيدًا.
أنواع الصيد وما يحل للمحرم أو يحرم عليه اصطياده:
الصيد في الأصل نوعان: بري، وبحري. والبحري هو الذي يكون توالده في البحر سواء كان لا يعيش إلا في البحر أم يعيش في البحر والبر. والصيد البري هو ما يكون توالده في البر، سواء كان لا يعيش إلا في البر، أم يعيش في البر والبحر. فالمنظور إليه هو التوالد، فإن كان توالد الحيوان في البحر فهو بحري، وإن كان توالده البر فهو بري.
أما صيد البحر فيحل اصطياده للحلال (غير المحرم) وللمحرم جميعًا، مأكولاً كان أو غير مأكول لقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة}.
وأما صيد البر فنوعان: مأكول اللحم، وغير مأكول. أما المأكول فلا يحل للمحرم اصطياده نحو الظبي والأرنب والطيور التي يؤكل لحمها، برية كانت أو بحرية؛ لأن الطيور كلها برية؛ لأن توالدها في البر وإنما يدخل بعضها إلى البحر لطلب الرزق. والأصل فيه قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا}. وقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}. وكذلك لا يحل للمحرم الدلالة على الصيد ولا الإشارة إليه؛ لأن الدلالة والإشارة سبب إلى قتل الصيد، وتحريم الشيء تحريم لأسبابه. وكذلك لا يحل للمحرم الإعانة على قتل الصيد؛ لأن الإعانة لسوق الدلالة والإشارة.
وأما غير المأكول اللحم فنوعان: نوع يكون مؤذيًا طبعًا مبتدئًا بالأذى غالبًا، ونوع لا يبتدئ بالأذى غالبًا. أما الذين يبتدئ بالأذى غالبًا فللمحرم أن يقتله ولا شيء عليه، وذلك نحو الأسد والذئب؛ لأن دفع الأذى من غير سبب موجب للأذى واجب فضلاً عن الإباحة، ولهذا أباح الرسول -صلى الله عليه وسلم- قتل الخمس الفواسق للمحرم وغير المحرم في الحل والحرم فقال -صلى الله عليه وسلم: "خمس من الفواسق يقتلهن المحرم في الحل والحرم: الحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب". وأما الذي لا يبتدئ بالأذى غالبًا كالثعلب فله أن يقتله إن عدا عليه -أي: إذا أراد إيذاءه بأن هجم عليه-، ولا شيء عليه إذا قتله.
حكم ما يحرم على المحرم اصطياده إذا اصطاده أو ذبحه:
لا خلاف في تحريم الصيد على المحرم إذا صاده أو ذبحه، وقد قال تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا}. وإن صاده حلال -أي غير محرم-، وذبحه وما كان من المحرم إعانة فيه، أو دلالة عليه، أو إشارة إليه لم يبح للمحرم أكله. وإن صيد من أجل المحرم لم يبح للمحرم أيضًا أكله، وهذا قول الحنابلة ومالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: له أكله كما لو لم يصد له. وما حرم على المحرم أكله لم يحرم على الحلال (غير الحرم) أكله؟ وهل يباح أكله لمحرم آخر؟ قال ابن قدامة الحنبلي: يحتمل الأمران إباحة أكله وعدمها.
وإذا ذبح المحرم الصيد، أو قتله في اصطياده صار بحكم ميتة يحرم أكله على جميع الناس، وهذا مذهب الحنابلة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال الثوري، وأبو ثور: لا بأس بأكله، وقال عمرو بن دينار، وأيوب السختياني بأكله الحلال (غير المحرم).
وجوب الجزاء على المحرم إذا قتل الصيد:
أجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على المحرم إذا قتل الصيد لقوله تعالى: {يا آيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم}. وإنما يجب الجزاء بشروط تعرف مما يأتي:
أنواع قتل الصيد، وبيان ما فيه الجزاء:
قتل الصيد نوعان: مباح ومحرم. فالمحرم قتله ابتداء من غير سبب يبيح قتله، فهذا فيه الجزاء.
والمباح قتله ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يضطر المحرم إلى أكله فيباح له قتله بغير خلاف نعلمه -كما قال ابن قدامة الحنبلي- لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}. وترك الأكل مع القدرة عند الضرورة إلقاء باليد إلى التهلكة، وطريق الأكل قتل الصيد، فيباح. ولكن متى قتله ضمنه -أي لزمه الجزاء-. وقال الأوزاعي: لا يضمنه لأنه مباح في هذه الحالة أشبه صيد البحر. واحتج الحنابلة على ضمانة -أي وجوب الجزاء فيه- بعموم الآية الكريمة: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}؛ ولأنه قتله من غير معنى يحدث من الصيد يقتضي قتله؛ ولأنه أتلفه لدفع الأذى عنه لا لمعنى في الصيد أشبه حلق الشعر لأذى رأسه، وهذا يوجب الفدية، فكذا ما نحن فيه يوجب الجزاء.
النوع الثاني: إذا صال عليه صيد فلم يقدر على دفعه إلا بقتله فله قتله ولا ضمان عليه -أي لا جزاء عليه-، وهذا مذهب الحنابلة وبه قال الشافعية.
وقال بعض الحنابلة: عليه الجزاء، وهذا قول أبي حنيفة؛ لأنه قتله لحاجة نفسه أشبه قتله لحاجته إلى أكله.
واحتج الأولون القائلون بعدم وجوب الجزاء بأنه حيوان قتله المحرم لدفع شره، فلم يضمنه كالآدمي الصائل؛ ولأنه في حال صياله التحق بالمؤذيات طبعًا فصال كالكلب العقور.
النوع الثالث: إذا خلص المحرم صيدًا من سبع أو شبكة صياد فتلف الصيد بذلك، فلا ضمان -أي جزاء- على المحرم، وهذا مذهب الحنابلة والشافعية، وبه قال عطاء؛ لأن ما فعله المحرم كان لمنفعة الحيوان وحاجته، فلا يضمن ما تلف بفعله هذا كما لو عالج ولي الصبي فمات بهذه المعالجة، ثم إن المحرم غير متعمد بإتلاف الصيد فلا يعتبر قاتلاً فلا يشمله عموم الآية الكريمة التي فيها النهي عن قتل الصيد.
هل في قتل الصيد خطأ جزاء:
الجمهور على التسوية بين الخطأ والعمد في وجوب الجزاء بقتل الصيد. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاووس، وابن المنذر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد: لا كفارة في الخطأ؛ لأن الله تعالى قال: {ومن قتله منكم متعمدًا} فدل على أن من قتله خطأ لا كفارة عليه -أي لا جزاء عليه-.
ويجب الجزاء في قتل الصيد على المحرم، سواء كان محرمًا بحج أم بعمرة، وسواء كان المحرم بحج مفردًا أم قارنًا أم متمتعًا.
الجزاء لا يكون إلا بقتل الصيد:
والجزاء لا يكون إلا بقتل الصيد؛ لأنه هو الذي ورد به النص، قال تعالى: {ولا تقتلوا الصيد وأنت حرم}. والصيد الذي يجب بقتله الجزاء على قاتله المحرم، هو ما جمع ثلاثة أوصاف هي: أن يكون مباحًا أكله، لا مالك له، وحشيًا ممتنعًا. فيخرج بالوصف الأول ما ليس بمأكول، فلا جزاء فيه كسباع البهائم. قال الإمام أحمد: إنما جعلت الكفارة -أي الفدية أو الجزاء- في الصيد المحلل أكله. وهذا قول أكثر أهل العلم. وخرج بوصف الوحشي الممتنع ما ليس بوحشي، فلا يحرم على المحرم ذبحه ولا أكله كبهيمة الأنعام والدجاج ونحو ذلك ولا خلاف في ذلك، والمنظور إليه في كونه وحشيًا ومستأنسًا هو أصله لا حاله الحاضر، فلو استأنس الوحشي وجب في قتله الجزاء، ولو توحش الأهلي المستأنس لم يجب فيه شيء، قال أحمد في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها إذا قتلها المحرم؛ لأن الأصل فيها الأنسي.
الجزاء يكون في صيد البر لا في صيد البحر:
والجزاء في قتل الصيد إنما يكون في صيد البر لا في صيد البحر، بغير خلاف بين أهل العلم لقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا}. ولا فرق بين حيوان البحر المالح ماؤه وبين ما في الأنهار والعيون؛ لأن اسم البحر يتناول الجميع، قال تعالى: {وما يستوي البحران، هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج، ومن كل تأكلون لحمًا طريًا}.
الجزاء مثل ما قتل من النعم:
والجزاء في قتل الصيد إذا كان دابة هو مثل ما قتل من النعم، وهذا مذهب الحنابلة وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: الواجب هو القيمة، أي قيمة الصيد أو يجوز فيه المثل؛ لأن الصيد ليس بمثلي.
احتج الجمهور بقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم}. ويرجع في معرفة المثل في الجزاء إلى قول عدلين من أهل الخبرة لقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} فيحكمان فيه بأشبه الأشياء من النعم من حيث الخلقة لا من حيث القيمة. ويشترط في الحكمين العدالة، وتعتبر فيهما الخبرة؛ لأنه لا يتمكن من الحكم بالمثل إلا من له خبرة.
وإن كان الصيد طائرًا فالجزاء فيه يكون بقيمته في موضعه الذي أتلفه -قتله- فيه إلا أن تكون نعامة، فيكون فيه بدنة، أو حمامة وما أشبهها فيكون في كل واحدة منها شاة.
الخيار في جزاء الصيد:
والمحرم إذا قتل الصيد الذي يجب فيه الجزاء، فهو مخير: إن شاء اختار (المثل) أي النظير للصيد فيذبحه ويتصدق به على مساكين الحرم، وله أن يذبحه في أي وقت شاء. وإن شاء قوّم (المثل) أي النظير للصيد، بدراهم، والدراهم بطعام، ويتصدق به على المساكين، وبهذا قال الحنابلة والشافعي، ويعتبر قيمة المثل في الحرم، والطعام المخرج هو الحنطة والشعير والتمر والزبيب، فيخرج مدًا من الحنطة لكل مسكين، أو نصف صاع من الأصناف الأخرى. وإن شاء اختار الصيام في الجزاء فيصوم عن كل مد من الحنطة يومًا، وعن أحمد يصوم عن كل نصف صاع يومًا. وقال ابن عقيل من فقهاء الحنابلة: صيام اليوم عن مد من الحنطة، أو نصف صاع من غيره.
وما لا مثل له من الصيد يخير قاتله بين أن يشتري بقيمته طعامًا، فيطعمه للمساكين وبين أن يصوم. وهل يجوز إخراج القيمة؟ قال ابن قدامة الحنبلي: فيه احتمالان: (الأول): لا يجوز، و(الثاني): يجوز.
إذا أطلق المحرم الصيد بعد اصطياده فلا جزاء عليه:
والمحرم إذا اصطاد الصيد فلا يجب عليه الجزاء، إلا إذا ذبحه أو هلك عنده، فإذا أرسله -أي أطلقه- في موضع يمتنع على من يريد أخذه، فلا جزاء عليه؛ لأن الجزاء ربط بقتل الصيد أبو بما يعين على قتله لا بمجرد أخذه واصطياده، وإن كان مجرد الاصطياد حرام

عـودة


من نحن | اقتراحات | اتصل بنا | سجل الزائرين | صفحة الحج | الصفحة الرئيسية