فقه الحج
3 - محظورات الإحرام المتعلقة بالطيب
الطيب محظور على المحرم والمحرمة:
في "صحيح مسلم" عن ابن عباس -رضي الله عنهما- :أن رجلاً وقصه بعيره وهو محرم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يغسل بماء وسدر، ولا يمس طيبًا، ولا يخمر رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا.
ووجه الدلالة بهذا الحديث الشريف هي جعل كونه محرمًا علة النهي عن تخمير رأسه أي تغطية رأسه وتطييبه. وروى البخاري ومسلم عن يعلى: أنه لما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجعرانة جاءه رجل عليه جبة صوف متضمخ بطيب فقال: يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي -صلى الله عليه وسلم -ساعة ثم سكت فجاءه الوحي ثم سري عنه، فقال: "أين الذي سألني عن العمرة آنفًا؟" فالتمس الرجل، فجئ به، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك".
ووجه الدلالة بهذا الحديث الشريف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يغسل الطيب الذي أصابه.
ويستدل أيضًا على منع الطيب وتحريمه في حق المحرم والمحرمة بما ذكرناه من أحاديث في النهي عن لبس الثياب المطيبة بالورس والزعفران، أو بغيرهما من أنواع الطيب.
استدامة طيب من تطيب قبل الإحرام:
وإذا كان الطيب محرمًا بسبب الإحرام، ويؤمر المحرم بإزالته كما دل على ذلك حديث يعلى آنف الذكر، فكيف قلنا من قبل: يجوز أن يتطيب من يريد الإحرام، ولا يضره بقاء الطيب أو رائحته عليه؟
وقد أجاب على ذلك الإمام ابن حجر العسقلاني حيث قال: واستدل بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى -رضي الله عنه- كانت بالجعرانة كما ثبت في هذا الحديث، وهي في سنة ثمان للهجرة بلا خلاف. وقد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيديها عند إحرامه، وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر.
ما يعتبر من الطيب وما لا يعتبر:
قال الأحناف: الأشياء التي تستعمل في البدن على ثلاثة أنواع:
(الأول): نوع هو طيب محض، معد للتطيب به كالمسك والكافور والعنبر ونحو ذلك. فهذا طيب تجب فيه الكفارة (الفدية) إذا استعمله المحرم.
(الثاني): نوع ليس بطيب بنفسه، ولا فيه معنى الطيب، ولا يصير طيبًا بوجه كالشحم، فهذا لا شيء فيه على المحرم إذا استعمله.
(الثالث): نوع ليس بطيب بنفسه لكنه قد يستعمل على وجه الطيب، وقد يستعمل على وجه الأدام كالزيت فيعتبر فيه نوع الاستعمال، فإن استعمل استعمال الأدهان في البدن يعطى حكم الطيب، وإن استعمل في مأكول لا يعطى حكم الطيب.
وقال الشافعية: الطيب الذي يحكم بتحريمه على المحرم هو الذي يكون معظم الغرض منه الطيب، أو اتخاذ الطيب منه، أو يظهر فيه هذا الغرض. هذا هو الضابط في معرفة وتعيين الطيب الذي يحرم على المحرم استعماله عند الشافعية، وعلى هذا الاساس قالوا: إن المسك والعنبر والكافور والعود والصندل، وما له رائحة من النبات، ويطلب للطيب أو اتخاذ الطيب منه كالورد والياسمين والزعفران والورس ونحوها، كل هذه الأشياء تعتبر من الطيب. أما ما يطلب للأكل من النباتات، أو للتداوي غالبًا كالقرنفل والدارصيني والفلفل والمصطكي وسائر الفواكه، فهذه كلها وما يشبهها لا تعتبر من الطيب، فيجوز أكلها وشمها ولا شيء على المحرم إذا فعل ذلك. وأما الحناء والعصفر فليس بطيب عندهم خلافًا للحنفية حيث اعتبروا الحناء طيبًا، والأدهان التي هي طيب أنواع منها دهن الورد ودهن البنفسج، وهذا كله الذي ذكرناه هو من مذهب الشافعية.
الاستعمال المحظور للطيب:
قال الشافعية: الاستعمال المحظور للطيب في حق المحرم هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب، وسواء كان الإلصاق بظاهر البدن أو باطنه، وكذلك إذا لبس ثوبًا مبخرًا بالطيب، أو ثوبًا مصبوغًا بالطيب، أو علق بفعله طيب، فيعتبر في هذه الحالات مستعملاً للطيب على وجه محظور تجب فيه الفدية. وكذلك أكله أو الاحتقان به، أو جعله مسعوطًا، فهو استعمال محظور على المشهور في مذهبهم. وكذلك إذا شد المحرم مسكًا أو كافورًا في طرف ثوبه، أو جبته كان ذلك استعمالاً محظورًا تجب فيه الفدية. وشم الطيب كالورد يعتبر تطيبًا عندهم. وإن كان الطيب في طعام ظهر أثر الطيب في طعمه أو رائحته، فله حكم الطيب إذا أكله المحرم -أي يعتبر مستعملاً للطيب استعمالاً محظورًا-.
وقال الحنابلة: يحرم على المحرم بعد إحرامه تطييب بدنه أو ثوبه أو شيء منهما. ويحرم الاكتحال بما فيه طيب، وكذا يحرم الاستعاط والاحتقان بمطيب، وكذلك يحرم شم الأدهان المطيبة كدهن ورد البنفسج أو الأدهان بها. ويحرم شم الطيب كالمسك والكافور والزعفران، أو التبخر بما يتبخر به من الطيب كالعود، ويحرم على المحرم أكل وشرب ما فيه طيب يظهر طعمه أو ريحه.
وعند المالكية والحنفية: يكره للمحرم شم الطيب والريحان، ولكن لا تجب فيه الفدية خلافًا للشافعي ومن وافقه، وحجتهم أن مجرد شم الطيب لا يعتبر استعمالاً له؛ لأنه لم يلتصق ببدنه ولا بثيابه شيء من المشموم، وإنما شم رائحته فقط، وهذا القدر لا يوجب الفدية كما لو جلس عند العطارين وشم ما عندهم من روائح الطيب. وقد روى الإمام البخاري عن ابن عباس أنه قال: يشم المحرم الريحان.
ما يجب في استعمال الطيب:
إذا استعمل المحرم أو المحرمة الطيب استعمالاً محظورًا على النحو الذي بيناه، وجبت عليه الفدية، وهي أحد الأشياء الثلاثة التي ذكرناها في كلامنا عن اللباس المحظور وما يجب في استعماله، وهي ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ثلاثة آصع ستة مساكين: كل مسكين نصف صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو بر. فقد جاء في "المهذب" للشيرازي الشافعي في فقه الشافعية: ويحرم عليه استعمال الطيب في ثيابه وبدنه لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران". وتجب به الفدية قياسًا على الحلق. والفدية في الحلق هي ما ذكرناه.
ويستوي في وجوب الفدية قليل الطيب وكثيره، وبذلك قال الحنابلة والشافعي.
وقال الحنفية: إن طيب عضوًا كاملاً كالرأس والفخذ والساق ونحو ذلك، فعليه دم، وإن طيب أقل من عضو فعليه صدقة.
التطيب للمرض هل يوجب الفدية؟
والفدية تجب في استعمال الطيب ولو كان الاستعمال بسبب المرض لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضًا أو على سفر ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}. ولحديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه من قبل. فإذا ثبت وجوب الفدية في الحلق لضرورة المرض أو الأذى في الرأس، فإن الفدية تثبت أيضًا في استعمال الطيب لضرورة المرض عن طريق القياس على المنصوص عليه في الآية الكريمة.
التطيب مع النسيان ونحوه:
وما قلناه في لبس المحظور من قبل المحرم والمحرمة على وجه النسيان أو الجهل بالتحريم أو بالإكراه عليه، يقال هنا أيضًا بالنسبة للتطيب على وجه النسيان أو مع الجهل بتحريم الطيب أو بالإكراه عليه.
فالذين قالوا: لا فدية بلبس المحظور من اللباس على وجه النسيان أو الجهل أو الإكراه، قالوا هنا أيضًا: لا فدية بالتطيب مع هذه العوارض، وأدلتهم هناك هي نفسها أدلتهم هنا.
والذين قالوا بالفدية في لبس المحظور مع هذه العوارض، قالوا بالفدية بالتطيب مع هذه العوارض، وأدلتهم هناك هي أدلتهم هنا.
المحرمة كالمحرم في أحكام استعمال الطيب:
والمرأة المحرمة كالرجل المحرم في استعمال الطيب وما يترتب عليه من جزاء -الفدية- وبهذا صرح الفقهاء، فقد قال الإمام علاء الدين الكاساني في "البدائع": والرجل والمرأة في الطيب، سواء في الحظر ووجوب الجزاء لاستوائهم في الحاظر والموجب للجزاء. ومعنى قوله لاستوائهما في الحاظر والموجب للجزاء، أي استوائهما في المانع من استعمال الطيب وهو الإحرام، والموجب للجزاء وهو التطيب بالطيب، وهما محرمان.
ما يجري مجرى الطيب وما يجب فيه
أولاً: حلق الشعر:
لا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه قبل يوم النحر لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}، فإذا حلق رأسه فعليه الفدية ولا خلاف في ذلك. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على وجوب الفدية على من حلق رأسه وهو محرم لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لكعب بن عجرة: "آذاك هوام رأسك؟" قال: نعم. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم: "احلق رأسك ثم اذبح شاة نسكًا أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين".
والقدر الذي تجب فيه الفدية هو حلق أربع شعرات فصاعدًا وهذا عند الحنابلة، وفي رواية أخرى في مذهب الحنابلة تجب الفدية في حلق ثلاث شعرات، وهو قول: الحسن، وعطاء، وابن عيينة، والشافعي، وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الفدية إلا بحلق ما لا يقل عن ربع الرأس؛ لأن الربع يقوم مقام الكل.
هذا وإن شعر الرأس وغيره سواء في وجوب الفدية؛ لأن شعر غير الرأس يحصل بحلقه الترفه والتنظف فأشبه حلق الرأس، فإن حلق من شعر رأسه وبدنه ففي الجميع فدية واحدة وإن كثر؛ لأن الشعر كله جنس واحد في البدن فلا تتعدد الفدية فيه باختلاف مواضعه كسائر البدن وكاللباس.
تكرار الحلق:
وإذا كرر الحلق فالواجب فدية واحدة ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الحلق الثاني، فإن كفر عن الحلق الأول، ثم حلق ثانيًا، فعليه للثاني كفارة -فدية أيضًا-. ولكن إن فعل محظورات من أجناس: فحلق مثلاً، وتطيب، ولبس، فعليه لكل واحد فدية، سواء فعل ذلك مجتمعًا أو متفرقًا، وهذا مذهب الحنابلة والشافعية. وعن أحمد أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة.
ما يجب في الحلق:
ويجب في الحلق الفدية وهي أحد الأشياء المذكورة في الآية الكريمة والتي بين المراد فيها حديث كعب، فأيها اختار أجزأه.
وقال الحنابلة: يجزئ البر والشعير والزبيب والتمر، فمن أي صنف أخرج الفدية أجزأته، فيطعم ستة مساكين: كل مسكين نصف صاع.
ولا فرق في ذلك بين المعذور وغيره، ولا بين العامد والمخطئ، وهذا مذهب الحنابلة ومالك والشافعي. وعن أحمد رواية أخرى: أنه إذا حلق لغير عذر فعليه دم -ذبح شاة- من غير تخيير، وهذا مذهب أبي حنيفة؛ لأن الله -تعالى خير- بشرط العذر فإذا عدم الشرط وجب زوال التخيير.
واحتج القائلون بعموم التخيير للمعذور وغيره بأن الحكم ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعًا له، والتبع لا يخالف أصله.
ثانيًا: تقليم الأظفار وما يجب فيه:
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثر أهل العلم، ومنهم الحنابلة، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي (الحنفية). وروى ذلك عن عطاء، وعنه: لا فدية عليه؛ لأن الشرع لم يرد فيه بفدية. ولكن أجيب عن هذا عدم النص فيه لا يمنع قياسه على حلق الشعر؛ لأن كليهما من باب الترفه.
وتجب الفدية في تقليم أربعة أظفار، وفي رواية في مذهب الحنابلة عن أحمد: تجب الفدية في ثلاثة أظفار. أما في الظفر الواحد فيجب فيه مد من طعام، وفي الظفرين مدان من طعام.
وقال الحنفية: إن قلم أظافر يد أو رجل من غير عذر وضرورة فعليه دم -ذبح شاة-، وإن قلم أقل من يد أو رجل فعليه صدقة لكل ظفر نصف صاع. فإن قلم خمسة أظافر من الأعضاء الأربعة: اليدين والرجلين، فعليه صدقة لكل ظفر نصف صاع من تمر أو شعير في قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
المرأة كالرجل في حكم الحلق، وقلم الأظافر:
والمرأة المحرمة كالرجل المحرم فيما يجب عليها في الحلق وقلم الأظافر على النحو الذي بيناه، قال الإمام الكاساني في الحلق: ويستوي في وجوب الجزاء -أي الفدية- بالحلق: العمد، والسهو، والطوع، والإكراه عندنا، والرجل والمرأة، والمفرد، والقران… إلخ. وقال الإمام الكاساني أيضًا في قلم الأظافر: والذكر والنسيان، والطوع والإكراه في وجوب الفدية بالقلم سواء عندنا خلافًا للشافعي، وكذا يستوي في الرجل والمرأة… إلخ.
ثالثًا: الحجامة للمحرم:
ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو محرم وسط رأسه. كما روى الإمام البخاري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم في رأسه وهو محرم من وجع كان به بماء يقال له لجى الجمل. وقال النووي في شرحه لحديث مسلم: وفي هذا الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم. وقد أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك، وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقطع الشعر، فإن لم يقطع فلا فدية عليه. أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن ذلك كانت في موضع لا شعر فيه، فهي جائزة عندنا -أي عند الشافعية- وعند الجمهور ولا فدية فيها، ثم قال النووي -رحمه الله تعالى-: وفي هذا الحديث بيان قاعدة من مسائل الإحرام، وهي أن الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو ذلك من المحرمات، يباح للحاجة وعليه الفدية، كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حر أو برد، أو قتل صيد للحاجة وغير ذلك.
وقال الشوكاني -رحمه الله- في تعليقه على الحديث الذي رواه البخاري ومسلم بأنه قد استدل العلماء بهما، على جواز القصد، وربط الجرح، والدمل، وقطع العرق، وقلع الضرس، وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي المحرم عنه: من تناول الطيب، وقطع الشعر، ولا فدية في ذلك.
ويمكن أن يضاف إلى ما قاله الشوكاني بأن هذه الأشياء التي ذكرها هي إما من باب التداوي والإحرام لا يمنع من ذلك، أو هي من باب إزالة الضرر وقطع الألم، كما في قلع الضرس، والإحرام لا يمنع من ذلك.
حك الشعر ومشطه:
يكره حك الشعر بالأظفار في الإحرام للمحرم أو المحرمة لئلا ينتف شعرًا، ولا يكره ببطون الأنامل، ويكره مشط الرأس لأنه أقرب إلى نتف الشعر، فإن حك المحرم أو مشط فنتف بذلك شعرة أو شعرات، لزمته فدية.
ويكره للمحرم أن يفلي رأسه ولحيته، فإن فلى وقتل قملة، تصدق بشيء ولو بلقمة، نص عليه الشافعي، وفي قول آخر له: أي شيء فدى به فهو خير منها. ولكن لو ظهر القمل في بدنه وثيابه فله إزالته ولا فدية فيه بلا خلاف، بخلاف قمل الرأس؛ لأنه يتضمن إزالة الأذى من رأسه وقد ورد فيه النص.
والمرأة المحرمة فيما قلناه كالمحرم، وإن لم يصرحوا بذلك؛ لأن المحرمة تمنع ما يمنع منه المحرم إلا ما استثنى، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة ممنوعة مما منع الرجال منه إلا لبس اللباس.
الاكتحال للمحرم والمحرمة:
يحرم الاكتحال على المحرم بكحل فيه طيب، وبهذا صرح الحنابلة. وأما الاكتحال بما لا طيب فيه فلا يحرم، وبهذا صرح الشافعية، والحنفية، والحنابلة، وغيرهم.
وقال الشافعية والحنابلة: إن كان في الاكتحال زينة كما في الإثمد فإنه يكره في هذه الحالة، وإن لم يكن فيه زينة فلا يكره، وقالوا أيضًا: إن ما في استعماله من الكحل زينة تكون كراهته بالنسبة للمرأة المحرمة أشد من كراهيته للرجال؛ لأن ما يحصل للمرأة من الزينة به أكثر من الرجل، ولكن مع هذا كله إذا اكتحل به محرم أو محرمة، فلا فدية فيه عليهما بلا خلاف.
وما ورد من الآثار في اكتحال المحرم للعلاج: أخرج أبو داود في "سننه" أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في المحرم إذا اشتكى عينيه أن يضمدهما بصبر، والصبر دواء مر ليس بطيب تعالج به العين وقد يكتحل به. وروى الإمام البيهقي في "سننه" عن شعبة، عن شميسة، قالت: اشتكت عيني وأنا محرمة، فسألت عائشة أم المؤمنين عن الكحل، فقالت: اكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد، أو قالت: غير كل كحل أسود. أما إنه ليس بحرام ولكنه زينة ونحن نكرهه، وقالت -أي عائشة رضي الله عنها-: إن شئت كحلتك بصبر، فأبيت.
النظر في المرآة للمحرم والمحرمة:
قال الشافعية: لا بأس بنظر المحرم في المرآة ولا كراهة في ذلك، سواء كان رجلاً أم امرأة، وقالوا: وهذا هو الصحيح المشهور في المذهب، ولكن رويت عن الإمام الشافعي بعض الأقوال تدل على كراهته، مما جعل الإمام النووي يقول: فحصل للشافعي في المسألة قولان: (الأصح) لا يكره، وبه قطع الأكثرون. ونقل ابن المنذر عدم الكراهة عن ابن عباس، وأبي هريرة، وطاووس، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قال النووي: وبه أقول. وقال مالك: لا يفعل ذلك إلا عن ضرورة. ونقل عن ابن عباس أن كره أن ينظر المرء المحرم في المرآة إلا من وجع

عـودة


من نحن | اقتراحات | اتصل بنا | سجل الزائرين | صفحة الحج | الصفحة الرئيسية