فقه الحج
2 - محظورات الإحرام المتعلقة باللباس
اللباس المحظور على المحرم:
عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحدًا لا يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه زعفران أو وَرْس" رواه الإمام البخاري.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القمص والعمائم والسراويلات والخفاف والبرانس، والأصل فيما قاله ابن المنذر الحديث الشريف الذي ذكرناه.. وقد ألحق أهل العلم بالأشياء الممنوعة على المحرم والمذكورة في هذا الحديث ما في معناها مثل الجبة والدراعة والثياب وأشباه ذلك، فليس للمحرم ستر بدنه بما صنع على قدره، ولا ستر عضو من أعضائه بما صنع على قدره كالقميص للبدن، والسراويل لبعض البدن، والقفازين لليدين، والخفين للرجلين ونحو ذلك. وليس في هذا كله خلاف، قال ابن عبد البر: لا يجوز لباس شيء من المخيط عند جميع أهل العلم، كما أجمعوا على أن المراد بهذا الذكور دون النساء.
لا يغطي المحرم رأسه:
ولا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه ولا شيئًا منه، ولكن لا يعتبر من تغطية الرأس ستره باليدين، وكذلك لو حمل على رأسه مكتلاً أو طبقًا لا يعتبر ذلك تغطية، ولا سترًا للرأس، ولا بأس بأن يستظل المحرم بسقف أو حائط أو شجرة، أو يستظل بشيء يرفعه على عمود ويحمله بيده.
اللباس المحظور وغير المحظور على المحرمة:
يحظر على المحرمة أن تلبس القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب -أي لبس الثياب التي عطرت أو طيبت بطيب الورس أو الزعفران أو غيرهما من أنواع الطيب- والأصل في ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرًا، أو خزًا أو حليًا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خفًا" وعن ابن عمر أيضًا: "المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين".
ويباح للمحرمة أن تلبس الثياب المعصفرة؛ لأن العصفر لون وليس طيبًا، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تلبس مثل هذه الثياب، فقد جاء في "صحيح البخاري": أن عائشة -رضي الله عنها- لبست الثياب المعصفرة -وهي محرمة- وقالت: لا نتلثم ولا نتبرقع ولا نلبس ثوبًا بورس ولا زعفران. وروى البخاري أيضًا: وقال جابر -رضي الله عنه-: لا أرى العصفر طيبًا. ولم تر عائشة بأسًا بالحلي والثوب الأسود والمورد للمرأة المحرمة.
وبناء على هذه الآثار.. فقد أجمع الفقهاء على أن المحرمة تلبس المخيط، ومن المخيط ما ورد في حديث ابن عمر السابق، وفيه السراويل والقميص والخف، وهذه كلها مخيطة. وعلَّل الإمام الكاساني جواز لبس المخيط للمرأة المحرمة، بالإضافة إلى ورود هذا الجواز في الحديث الشريف، أن بدن المرأة عورة، وستر العورة بما ليس بمخيط متعذر فدعت الضرورة إلى لبس المخيط، وسواء كان هذا المخيط حريرًا أو غيره.
المرأة المحرمة تكشف وجهها:
يحرم على المرأة تغطية وجهها في إحرامها كما يحرم على الرجل تغطية رأسه في إحرامه، ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطِّي وجهها وهي محرمة. ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة -كما سنبينه-، فلا يكون احتلامًا. والحجة لذلك الحديث النبوي الشريف: "المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين"، ولكن يجوز أن تستر من وجهها ما لا يمكن ستر الرأس إلا بستر هذا الجزء من وجهها؛ لأنه اجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه، ولا يمكن تغطية جميع الرأس إلا بتغطية جزء من الوجه، ولا شك أن تغطية جميع الرأس أولى، لأنه آكد؛ إذ هو عورة، ولا يختص تحريم كشفه بحالة الإحرام وكشف الوجه بخلافه.
متى يجوز للمحرمة تغطية وجهها؟
ويجوز للمرأة المحرمة أن تغطِّي وجهها لتستتر به عن نظر الرجال، فقد روى أبو داود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه.
وقد استدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة المحرمة أن تستر وجهها إذا احتاجت لذلك لمرور الرجال قريبًا منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها؛ لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره مطلقًا، ولكن الشافعية اشترطوا أن يكون الثوب متجافيًا عن وجهها بخشبة أو نحوها، وأجازوا لها هذا الإسدال لحاجة كحَر أو برد أو خوف فتنة ونحوها ولغير حاجة، ولكن بهذا الشرط الذي ذكروه.
واشترط القاضي الحنبلي أن يكون الثوب الذي تسدله على وجهها متجافيًا عنه بحيث لا يصيب البشرة.
وقال ابن قدامة عن هذا الشرط: لم أر هذا الشرط عن أحمد، ولا هو في الحديث مع أن الظاهر خلافه، فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطًا لبَيَّن -أي لبيَّنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكذلك قال الشوكاني في رده على المشترطين هذا الشرط.
لبس الحلي للمرأة المحرمة:
يجوز للمرأة المحرمة أن تلبس الحلي، فلها أن تتحلى بأية حلية شاءت، فقد روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- أنها ما كانت ترى بأسًا في لبس الحلي للمحرمة.
وجاء في "المغني" لابن قدامة الحنبلي: قال أحمد: عن نافع: كان نساء ابن عمر وبناته يلبسن الحلي، والمعصفر وهن محرمات لا ينكر ذلك عبد الله. وروى أحمد -كما جاء في "المغني" أيضًا- عن عائشة أنها قالت: تلبس المرأة المحرمة ما تلبس وهي حلال من خزها وقزها وحليها.
وظاهر مذهب أحمد الرخصة في لبس الحلي للمحرمة، فقد روي عنه في رواية حنبل: تلبس المحرمة الحلي والمعصفر، وهذا مذهب الحنفية والمالكية محتجين أيضًا -بالإضافة إلى الآثار المروية بالجواز- بأن لبس الحلي من باب التزين، والمرأة المحرمة غير ممنوعة من التزين.
وجوب الفدية في محظورات اللباس:
لا خلاف في وجوب الفدية على المحرم إذا لبس عامدًا ما هو محظور عليه في إحرامه؛ لأن مثل هذا اللباس ترفُّه محظور في إحرامه، فإذا فعله لزمته الفدية.
شمول المرأة المحرمة بالفدية:
والمرأة المحرمة إذا لبست ما هو محظور عليها لبسه أو فعلت ما يتعلق باللباس بالنسبة لها وجبت عليها الفدية، ومن الفقهاء من صرَّح بذلك، ومنهم من اكتفى بذكر وجوب الفدية على المحرم إذا لبس ما هو محظور عليه باعتبار أن المحرمة مثله في الحكم إذا لبست ما هو محظور عليها. فمن الفقهاء الذين صرّحوا بذلك المالكية، فقد قالوا: حرم بالإحرام على المرأة لبس مخيط بيديها نحو قفاز -وهو شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسه المرأة للبرد ونحوه- وستر وجهه أو بعضه إلا لستر عن أعين الناس، فلا يحرم بل يجب إن ظنت الفتنة بها حيث كان الستر بلا غرز بإبرة ونحوها، ولا ربط أي عقد، وإلا بأن فعلت شيئًا مما ذكرنا، بأن لبست قفازًا أو سترت كفيها، أو وجهها أو بعضه لغير ستر أو غرزت أو عقدت ما سدلته على وجهها، ففدية إن طال الزمن.
وأما لو فعلت شيئًا مما ذكر، ثم أزالته عن قرب، فلا فدية؛ لأن شرطها الانتفاع من حر أو برد بما فعلته من ستر وجهها ويديها، وعند إزالة ما ذكر بالقرب -أي عاجلاً- لم يحصل الانتفاع المذكور.
وقال الشافعية: أما المرأة فالوجه في حقها كرأس الرجل، فيحرم ستره بكل ساتر… ولها أن تسدل على وجهها ثوبًا متجافيًا عنه بخشبة ونحوها، فإن وقفت الخشبة فأصاب الثوب وجهها بغير اختيارها، ورفعته في الحال فلا فدية، وإن كان عمدًا أو استدامته لزمتها الفدية. وقال الشافعية أيضًا في القفازين: وهل يحرم عليها لبس القفازين؟ فيه قولان مشهوران: (أصحهما): عند الجمهور تحريمه، وهو نصه -أي الإمام الشافعي- في "الأم والإملاء" ويجب فيه الفدية.
والحنفية عندما تكلموا عما يجب في تغطية رأس المحرم قالوا: وكذلك إذا غطَّت المرأة ربع وجهها، فقد جاء في "البدائع" للكاساني: لو غطى -أي المحرم- ربع رأسه يومًا فصاعدًا فعليه دم -ذبح شاة-، وإن كان أقل من الربع فعليه صدقة… وعلى هذا إذا غطت المرأة ربع وجهها.
ما هي الفدية؟ وما مقدارها؟
والفدية هي واحد من المذكور في قوله تعالى: (وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). وقد بيَّن النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مقدار الصيام والصدقة والمقصود بالنسك، فقد أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر به زمن الحديبية، فقال له:" آذاك هوام رأسك؟ "قال كعب: نعم. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "احلق رأسك ثم اذبح شاة نسكًا، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر ستة مساكين"، وفي رواية أخرى للإمام مسلم في هذه القصة جاء فيها: "... أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعامًا لكل مسكين".
وعلى هذا فمن وجبت عليه الفدية، فهو بالخيار في واحد من هذه المذكورات في الآية والحديث؛ لأن الأمر بها ورد بلفظ التخيير، ولا فرق في ذلك بين المعذور وغيره، ولا بين العامد والمخطئ، ويجزئه في الفدية البُرُّ والشعير والزبيب والتمر؛ لأن كل موضع أجزأ فيه التمر أجزأ فيه ما ذكرنا من بر أو شعير أو زبيب، كما في زكاة الفطر، وكفارة اليمين، ولا يجزئ من هذه الأصناف أقل من ثلاثة آصع (جمع صاع) إلا في البر، ففيه روايتان عن الإمام أحمد: (إحداهما): مدّ من بر لكل مسكين مكان نصف صاع من غيره كما في كفارة اليمين، و(الثانية): لا يجزئ إلا نصف صاع؛ لأن الحكم ثبت فيه بطريق التنبيه أو القياس، والفرع يماثل أصله ولا يخالفه، وبهذا قال مالك والشافعي

عـودة


من نحن | اقتراحات | اتصل بنا | سجل الزائرين | صفحة الحج | الصفحة الرئيسية