على من يجب طواف الوداع؟
يجب طواف الوداع على الحجاج من أهل الآفاق، فليس على أهل مكة طواف وداع. ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا طواف وداع عليه. ومن كان منزله خارج الحرم قريبًا منه، فظاهر كلام الإمام الخرقي الحنبلي أنه لا يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف حوله، وهذا قول أبي ثور، وقياس قول مالك ذكره ابن القاسم.
وقال الحنفية: من كان منزله في مكة أو داخل المواقيت إلى مكة، فلا وداع على هؤلاء إذا حجوا؛ لأن هذا الطواف إنما وجب توديعًا للبيت، ولهذا يسمى طواف الوداع كما يسمى أيضًا (طواف الصدر) لوجوده عند صدور الحجاج ورجوعهم إلى وطنهم، وهذا لا يوجد في أهل مكة لأنهم في وطنهم، ومن أهله داخل المواقيت فهو في حكم أهل مكة، فلا يجب عليهم كما لا يجب على أهل مكة. وقال أبو يوسف: أحب إلي أن يطوف المكي طواف الوداع؛ لأنه شرع لختم أفعال الحج، وهذا المعنى يوجد في أهل مكة.
هل تطوف الحائض والنفساء؟
إذا حاضت المرأة أو نفست قبل أن تودع البيت، وكانت قد طافت طواف الإفاضة، خرجت من مكة ولا طواف عليها ولا فدية بتركها طواف الوداع، وهذا قول عامة الفقهاء؛ لأنه قد ثبت التخفيف عن الحائض والترخيص لها بترك طواف الوداع بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض، كما أخرج البخاري أيضًا عن عائشة -رضي الله عنها-: أن صفية بنت حيي زوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاضت فذكرت ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال:" أحابستنا هي؟" قالوا: إنها قد أفاضت، فقال:" فلا، إذن". فصفية -رضي الله عنها- حاضت بعد أن طافت طواف الإفاضة، ولم يأمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بفدية ولا غيرها لتركها طواف الوداع بسبب حيضها، والحكم في النفساء كالحكم في الحائض؛ لأن أحكام النفاس فيما يوجب ويسقط كأحكام الحيض.
الحائض إذا طهرت بعد خروجها من مكة:
إذا طهرت الحائض بعد خروجها من مكة، ولم تكن قد طافت طواف الوداع، ينظر: فإن طهرت قبل مفارقة بنيان مكة لزمها طواف الوداع، فترجع وتغتسل وتطوف لزوال عذرها، وإن فارقت البنيان لم يجب عليها الرجوع للطواف، سواء كان طهرها بعد مفارقة بنيان مكة وبعد مسافة قصر الصلاة، أو قبل مسافة القصر، فقد نص الشافعي -رحمه الله تعالى- لأنه لا يلزمها الرجوع للطواف إذا طهرت بعد خروجها من مكة، وإن لم تقطع مسافة قصر الصلاة؛ لأنها لم تكن مقصرة بخروجها بدون طواف لعذرها بالحيض.
ولكن ألا يرى الحرج والمشقة في إلزام المرأة بالرجوع إلى مكة لتغتسل وتطوف بعد أن باشرت السفر مع قافلتها ورفقتها؟ وكونها لم تفارق بنيان مكة، وبالتالي فهي في حكم المقيمة في مكة فيلزمها الطواف بعد أن زال عذرها، هذا التعليل أو التوجيه لا يرفع الحرج والمشقة عنها؛ لأنها ستفوتها القافلة والرفقة، وغالبًا أنهم لا ينتظرونها، وعلى هذا فهل من مخرج لها في هذه الحالة؟
يبدو أن المخرج لها أو المخلص لها نجده في الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري، وفيه الترخيص والتخفيف عن الحائض بألا تطوف، وقد ذكرناه ونعيده هنا، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس قوله: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض. وعلى هذا فإذا خرجت من مكة بدون طواف لعذر بالحيض، وتلبست بالسفر فقد سقط عنها واجب الطواف، والساقط لا يعود.
أما أن عذرها قد زال قبل مفارقة البنيان، فهذا لا يستدعي رجوع واجب الطواف عليها بعد أن رخص لها الشرع بتركه، واستعملت الرخصة في حينها. وعليه فإنه -والله أعلم- لا يلزمها الرجوع للطواف إذا طهرت بعد أن باشرت الخروج من مكة، وإن لم تفارق البنيان، وبالتالي لا فدية عليها، لا سيما وأن بعض الفقهاء ذهب إلى أن طواف الوداع سنة وليس واجبًا، ولا فدية في ترك السنة من سنن الحج.
وقت طواف الوداع:
قال الحنابلة: وقت هذا الطواف عند خروج الحاج من مكة ليكون آخر عهده بالبيت -أي بالكعبة المشرفة- كما جاء في الحديث النبوي الشريف، فإن طاف للوداع ثم اشتغل بالتجارة ونحوها فعليه إعادة الطواف، وبهذا قال مالك والثوري وعطاء وأبو ثور.
وقال الشافعية: ينبغي أن يقع طواف الوداع بعد الفراغ من جميع الأشغال بحيث يعقبه الخروج من مكة ولا يمكث فيها، فإن طاف ومكث فيها ينظر، فإن كان لغير عذر، أو لشغل لا تعلق له بأسباب الخروج من قِبل مباشرة متاع أو زيارة صديق أو عيادة مريض.. لزمه إعادة الطواف، وإن اشتغل بأسباب الخروج مثل شراء الزاد وشد الرحال ونحو ذلك، فهل يحتاج إلى إعادة الطواف؟
قال جمهور الشافعية: لا يحتاج، وذكر إمام الحرمين في المسألة وجهين.
وقال الحنفية: لو طاف طواف الوداع ثم تشاغل بمكة لم يجب عليه طواف آخر؛ لأن الخروج من مكة لا يجب بعد طواف الوداع على الفور؛ لأنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف" المراد به: آخر عهده بالبيت نسكًا، أي عملاً من أعمال الحج، وطواف الوداع ما دام قد وقع آخر أفعال الحج، فلا يسقط بتشاغله بغيره من الأفعال العادية، ولكن الأفضل دائمًا أن يكون عقب الطواف، أي يكون الخروج من مكة عقب طواف الوداع.
المرأة كالرجل في وقت طواف الوداع:
والمرأة كالرجل فيما ذكرنا من أقوال الفقهاء في وقت طواف الوداع، فما دامت هي طاهرة، فعليها أن تجعل طوافها للوداع آخر أعمالها في مكة على النحو الذي ذكرناه عن الفقهاء، وأن يكون خروجها عقب الطواف؛ لأنه هو الأفضل باتفاق الفقهاء، فالأخذ به أولى وأحفظ للخروج من الخلاف.
إذا خرج ولم يودع فهل يرجع للوداع؟
قال الحنابلة: إذا خرج قبل طواف الوداع، رجع إن كان قريبًا من مكة ولا شيء عليه، وإن صار بعيدًا عن مكة بعث بشاة لتذبح في مكة لتركه طواف الوداع، وهذا أيضًا قول الثوري وعطاء وإسحاق وأبي ثور.
أما حد القرب والبعد فالقريب من مكة هو الذي بينه وبين مكة مسافة قصر الصلاة، والبعيد من بلغ هذه المسافة، نصَّ على ذلك أحمد، وهو قول الشافعي. وإن لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم، ولا فرق بين تركه عمدًا أو خطأ، لعذر أو لغير عذر؛ لأنه من واجبات الحج، فاستوى عمده وخطؤه، والمعذور وغير المعذور. فإن رجع البعيد فطاف للوداع، فقد قال القاضي الحنبلي: لا يسقط عنه الدم -أي الفدية وهي شاة-؛ لأنه قد استقر عليه الدم لبلوغه مسافة القصر، فلا يسقط برجوعه.
وقال الحنفية: إن خرج من مكة ولم يطُف، وجب عليه أن يرجع ويطوف ما لم يجاوز الميقات، فإن جاوز الميقات لم يجب عليه الرجوع، ثم إذا أراد أن يمضي إلى وطنه مضى وعليه دم، وإن أراد الرجوع أحرم بعمرة ثم رجع، فإذا وصل مكة ابتدأ الطواف بعمرة ثم بطواف الوداع، ولا شيء عليه من فدية أو غيرها
عـودة
|
|