فقه الحج
2 - الوقوف بمزدلفة
هل يجب الوقوف أو المبيت في مزدلفة؟
من المعلوم أن المجيء إلى مزدلفة يكون بعد إفاضة الحجاج من عرفات بعد غروب الشمس، فيصلون المغرب والعشاء في مزدلفة جمع تأخير، ويذكرون الله، ويدعونه، قال تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام}. ولكن هل يجب المبيت في مزدلفة، أم يكفي الوقوف بها؟ وهل يجزئ المرور بها دون مبيت ولا وقوف؟ أقوال للفقهاء نوجزها في الآتي:
أولاً: قال الحنابلة: المبيت بمزدلفة واجب، ومن تركه فعليه دم.. وهذا قول عطاء، والزهري، وقتادة، وأبي ثور، وإسحاق، وهو أصح القولين عند فقهاء الشافعية، وهو مذهب الزيدية، والحجة لهذا القول -كما قال ابن قدامة الحنبلي-: إن النبي صلى الله عليه وسلم بات بمزدلفة، وقال: "خذوا عني مناسككم" وهذا يعني أن المبيت واجب.
وهذا المبيت يتحقق بالحضور بمزدلفة في ساعة من النصف الثاني من الليل -ليلة النحر- كما صرح بهذا الشافعية، ورتبوا عليه أن من خرج من مزدلفة قبل منتصف الليل -ولو بوقت يسير-، ولم يعد إلى مزدلفة فقد ترك المبيت ولزمه دم -ذبح شاة-، ولكن إذا عاد إلى مزدلفة قبل طلوع الفجر أجزأه ذلك ولا شيء عليه، وبهذا أيضًا قال الحنابلة.
وقال الحنفية: السنة أن يبيت الحاج ليلة النحر بمزدلفة، ولكن المبيت فيها ليس واجبًا، إنما الواجب هو الوقوف فيها فيما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس، فمن حضر بمزدلفة في هذا الوقت فقد أدرك الوقوف فيها، سواء بات فيها أو لم يبت، وسواء وقف فيها أو لم يقف، وإنما مر مرورًا بها؛ وذلك لأن ركن الوقوف وحقيقة كينونته بمزدلفة -أي حصوله كائنًا فيها-، وإن قل مكثه فيها، فإذا لم يحصل له شيء من هذا الحضور فيها في هذا الوقت، فقد فاته الوقوف بمزدلفة.
وعند المالكية: الواجب هو نزول الحاج بمزدلفة ومكثه فيها بقدر ما يكفي من الوقت لحط رحاله، وأدائه صلاة العشائين: المغرب والعشاء، وتناوله شيئًا من طعام وشراب. فإن لم ينزل ويمكث هذا القدر من الوقت فعليه دم، وإن نزل ومكث القدر الذي ذكروه فلا دم عليه في أي وقت خرج من مزدلفة، أما المبيت فيها فقد قالوا: هو مندوب.
وقوف النساء بمزدلفة:
الوقوف بمزدلفة مشروع في حق النساء كما هو مشروع في حق الرجال، ولا يشترط لوقوفهن في مزدلفة الطهارة عن الحيض كما ذكرنا.. فإذا أفضن من عرفات، ووصلن إلى مزدلفة، فعلن ما يفعله الرجال: من جمع بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير، ومن ذكر الله تعالى، ومن مبيت في مزدلفة، أو وقف فيها على النحو الذي فصلناه.
وقد ذكر بعض الفقهاء سقوط وجوب الوقوف عن المرأة بعذر الزحمة بمزدلفة، كما أجازوا للنساء الخروج من مزدلفة قبل الفجر مع أن السنة الخروج منها بعد أن يسفر الصبح كما ذكرنا، وعن هذين الأمرين أذكر ما يلي:-
جاء في "البدائع" للكاساني في فقه الحنفية: "هو -أي الوقوف بمزدلفة- واجب، إلا أنه قد يسقط وجوبه لعذر من ضعف أو مرض أو حيض، حتى لو تعجل ولم يقف لا شيء عليه".
وفي "الدر المختار" -والكلام في الوقوف بمزدلفة-: "ولكن لو تركه بعذر كزحمة بمزدلفة لا شيء عليه". وقال ابن عابدين في حاشيته المسماة "رد المحتار على الدر المختار"، وهي في فقه الحنفية، تعليقًا على عبارة "الدر المختار"، قال ابن عابدين: قوله كزحمة، عبارة اللباب: إلا إذا كان لعلة أو ضعف، أو يكون امرأة تخاف الزحام فلا شيء عليه. ثم قال ابن عابدين: فالأولى تقييد خوف الزحمة بالمرأة، ويحمل "إطلاق المحيط" (كتاب فقه) عليه لكون ذلك عذرًا ظاهرًا في حقها يسقط به الواجب بخلاف الرجل.
خروج النساء من مزدلفة بليل:
قال الشافعي وفقهاء المذهب الشافعي: السنة تقديم الضعفاء من النساء وغيرهن من مزدلفة قبل طلوع الفجر بعد نصف الليل إلى منى، ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "استأذنت سودة (أم المؤمنين) رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة المزدلفة تدفع قبله -أي تخرج من مزدلفة قبل طلوع الفجر- وقبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة، فأذن لها".
وكذلك قال الحنابلة ففي "المغني": ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء، وممن كان يقدم ضعفة أهله: عبد الرحمن بن عوف وعائشة، وبه قال عطاء، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، ولأن فيه رفقًا بهم ودفعًا لمشقة الزحام عنهم، واقتداء بفعل نبيهم -صلى الله عليه وسلم-.
فوات الوقوف بمزدلفة:
وأما حكم فوات الوقوف بمزدلفة عن وقته، ينظر: فإن كان لعذر فلا شيء عليه، لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قدم ضعفة أهله ولم يأمرهم بالكفاءة. وإن كان فواته لغير عذر فعليه دم -ذبح شاة-؛ لأنه ترك الواجب من غير عذر، والترك في هذه الحالة يوجب الكفارة

عـودة


من نحن | اقتراحات | اتصل بنا | سجل الزائرين | صفحة الحج | الصفحة الرئيسية