المطلب الثاني
المضي في الحج الفاسد
هل يجب المضي في الحج إذا فسد؟
إن التحلل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء: إتمام أفعال، أو بالتحلل عند الإحصار، أو بالعذر إذا شرط عند الإحرام. وعلى هذا فإذا فسد الحج بالجماع، فلا يكون هذا الفساد سببًا للخروج من الحج، وإنما يجب إتمامه والمضي في أفعاله، وليس لمن فسد حجه الخروج والتحلل منه، وهذا قول الحنابلة، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس، وأبي هريرة -رضي الله عنهم-، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال الحسن ومالك: يجعل الحجة عمرة، ولا يقيم على حجة فاسدة. وقال داود الظاهري: يخرج -أي يتحلل- بالإفساد من الحج والعمرة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
واحتج ابن قدامة الحنبلي لمذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور بعموم قوله تعالى:
{وأتموا الحج والعمرة لله}؛ لأنه قول من ذكروا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف.
والحديث الشريف: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" لا يصلح حجة لدفع مذهب الجمهور؛ لأن المضي في الحج بعد فساده إنما كان بأمر الله فلا يجوز رده. وأيضًا فإن الإحرام في شرع الإسلام عقد لازم يجب المضي بمقتضاه حتى نهاية أفعال الحج. وأخيرًا فيمكن أن يحتج لمذهب الجمهور بأقوال الصحابة وفتاواهم.
يلزم من فسد حجه ما كان يلزمه قبل الفساد:
ومقتضى وجوب المضي بالحج الفاسد أن من فسد حجه يلزمه أن يفعل كل ما كان يجب عليه أن يفعله لو لم يفسد حجه، مثل الوقوف بعرفة، والمبيت في مزدلفة، ورمي الجمرات، ونحو ذلك، كما أن عليه أن يجتنب بعد فساد حجه كل ما كان يجب عليه أن يجتنبه قبل فساده كالجماع، وقتل الصيد، والتطيب، ولبس ما لا يحل لبسه للمحرم ونحو ذلك.
يلزم في فساد الحج ما يلزم في صحيحه:
ويلزم في الحج الفاسد ما يلزم في الحج الصحيح، وعلى ذلك فمن فسد حجه فعليه إخراج الفدية -أي الكفارة أو الجزاء- إذا صدر منه ما يوجب ذلك، بأن ارتكب شيئًا من محظورات الإحرام، كما يجب ذلك في ارتكاب محظورات الإحرام لو لم يفسد حجه، ومعنى ذلك كله أن الإحرام يبقى في حقه قائمًا وتلزمه أحكامه ويلزمه جزاء كل مخالفة يرتكبها بأن يفعل ما هو من محظورات الإحرام
عـودة
|
|