فقه الحج
حكم الحج الفاسد
تمهيد ومنهج البحث:
إذا فسد الحج بالجماع فإن حكمه وجوب الكفارة -أي الفدية، أي الجزاء- والمضي في أفعال الحج حتى يتم، وقضاء الحج.
وعلى هذا نقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الكفارة.
المطلب الثاني: المضي في الحج الفاسد.
المطلب الثالث: وجوب قضاء الحج.
المطلب الأول
الكفارة
وجوبها ونوعها:
لا خلاف في وجوب الكفارة إذا فسد الحج بالجماع، وإنما الخلاف في نوعها فهي عند الجمهور بدنة من الإبل ذكرًا كانت أو أنثى، وممن قال بهذا القول ابن عباس، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، ومالك، والشافعي، وهو مذهب الحنابلة.
وقالت الحنفية: الكفارة ذبح شاة، وإنما كانت شاة لا بدنة؛ لأن الواجب بفساد الحج القضاء مع الشاة، بخلاف ما لو حصل الجماع بعد الوقوف بعرفة، فإن الواجب بدنة؛ لأن الحج لم يفسد، وبالتالي لا يجب القضاء فوجبت الدية.
من تلزمه الكفارة بالجماع، الزوج أو الزوجة؟
عند الحنابلة: في حالة المطاوعة، على كل واحد من الزوجين بدنة وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والنخعي، والضحاك، ومالك، والحكم، وحماد. فقد روى البيهقي في "سننه" عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: إذا جامع المحرم زوجته المحرمة، فعلى كل واحد منهما بدنة. وروى البيهقي أيضًا أن رجلاً وامرأته من قريش لقيا ابن عباس بطريق المدينة، فقال الرجل: أصبت أهلي، فقال ابن عباس: أما حجكما هذا فقد بطل، فحجوا عامًا قابلاً، ثم أهلا من حيث أهللتما حتى إذا بلغتما حيث وقعت على امرأتك ففارقها، فلا تراك ولا تراها حتى ترميا الجمرة واهد ناقة ولتهد هي ناقة (وهذا الهدي هو الكفارة).
ولأن كلاً من الزوجين مجامع فتلزمه الكفارة. وروي عن الإمام أحمد أنه قال: أرجو أن يجزئهما كفارة واحدة، وروي ذلك عن عطاء، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه جماع واحد فلم يوجب أكثر من بدنة واحدة كحالة الإكراه.
وعند الحنفية: تجب شاة على كل من الزوجين في فساد حجهما؛ لأن الواجب عندهم في فساد الحج شاة وليس بدنة كما ذكرنا من قبل.
الكفارة في حالة إكراه المرأة على الجماع:
وإذا أكرهت المرأة المحرمة على الجماع فلا كفارة عليها، ولا يجب على الزوج أن يخرج الكفارة عنها، نص على ذلك الإمام أحمد؛ لأنه جماع يوجب الكفارة فلم تجب به حال الإكراه أكثر من كفارة واحدة كما في الصيام، وتجب هذه الكفارة على الزوج وحده وهو الملزم بإخراجها، وهذا مذهب الحنابلة، وهو قول إسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر. وعن أحمد رواية أخرى أن على الزوج أن يفدي -أي يخرج الكفارة- عن زوجته؛ لأن إفساد الحج وجد منه في حقهما، فكان عليه لإفساده حجها كفارة قياسًا على حجه.
وعند الحنفية: تخرج الزوجة المكرهة على الجماع كفارة فساد حجها -وهي شاة-، ولا ترجع بها على زوجها -أي أنها تتحملها وحدها-.
وعند الشافعية في معالجة هذه المسألة طريقان مشهوران في مذهبهم: (أحدهما): يجب عليها بدنة في مالها قولاً واحدًا. (والطريق الثاني): فيه ثلاثة أقوال: (الأول): تجب على كل واحد منهما بدنة. و(الثاني): تجب عليه بدنة عنه وعنها. و(الثالث): تجب عليه بدنة عن نفسه فقط ولا شيء عليها.
وفي "نهاية المحتاج" للرملي في فقه الشافعية: جعل الكفارة على الزوج وحده حتى في حال المطاوعة من قبل الزوجة، فقد جاء فيه: وتجب به -أي بالجماع- المفسد لحج أو عمرة ولو نفلاً بدنة من الإبل ذكرًا كانت أو أنثى لفتوى جمع من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- بذلك من غير أن يعرف لهم مخالف. والوجوب في الجميع على الرجل دونها وإن فسد نسكها -أي حجها وعمرتها-، بأن كانت محرمة مميزة مختارة عامدة عالمة بالتحريم كما في كفارة الصوم -أي إذا جامعها وهو صائم وهي صائمة-، فالكفارة عنه فقط سواء أكان الواطئ زوجًا أم سيدًا أم واطئًا بشبهة. وما ذكره في "المجموع" من حكاية الاتفاق على لزوم البدنة لها طريقة مرجوحة والمعول عليه ما مر.
ومن هذا يفهم أن الرأي المستقر في مذهب الشافعية والمعول عليه هو ما ذكره الرملي وهو وجوب الكفارة على الزوج وحده، وهي واحدة وعنه فقط.
تكرر الجماع هل يوجب تكرر الكفارة:
وقال الحنابلة: إذا تكرر الجماع، فإن أخرج المحرم كفارة لفساد حجه بالجماع ثم جامع مرة ثانية، فعليه للجماع الثاني كفارة ثانية، وإن لم يكفر عن الجماع الأول ثم جامع مرة ثانية فكفارة واحدة تجزيه؛ لأنه جماع موجب للكفارة فإذا تكرر قبل التكفير عن الجماع الأول لم يوجب كفارة ثانية، كما فيمن أفسد صيامه بالجماع وكرره.
وعند الحنفية: إذا كرر الجماع في مجلس واحد قبل الوقوف في عرفة لم يجب عليه إلا دم واحد -أي كفارة واحدة، وهي شاة- لأن الواجب عندهم في إفساد الحج هو ذبح شاة كما ذكرنا. وإن كان تكرر الجماع في مجلسين مختلفين وجب فيه كفارتان في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. وقال محمد صاحب أبي حنيفة: تجب فيه كفارة واحدة.
وعند الشافعية: إذا كرر المحرم الجماع ففي الجماع الأول بدنة وفي الجماع الثاني شاة، وهذا على أصح الأقوال في مذهبهم كما قالوا. فإن جامع مرة ثالثة ورابعة وأكثر ففي الأول بدنة، ولكل مرة بعده شاة على أظهر الأقوال عندهم.
ما هي الكفارة الواجبة في الحج الفاسد؟
قلنا: إن الكفارة في فساد الحج بدنة على رأي الجمهور، وشاة على رأي الحنفية على التفصيل الذي بيناه. ولكن هل الكفارة لا تكون إلا بهما؟
قال الشافعية: الواجب في الكفارة بدنة، فإن عجز عنها فبقرة، وإن عجز عن البقرة فسبع شياه، فإن عجز قوم البدنة بدراهم بسعر مكة حال الوجوب، ثم قوم الدراهم بالطعام ويتصدق به على الفقراء، فإن عجز عنه صام عن كل مد من الطعام -البر يومًا، وهذا كله ما صرح به الشافعية

عـودة


من نحن | اقتراحات | اتصل بنا | سجل الزائرين | صفحة الحج | الصفحة الرئيسية